المسار: قبل نحو عامين أصيب الفتى راجي دحلان ذو الخمسة عشر ربيعا بمرض السكري من النوع الأول، ليجد نفسه أمام رحلة يومية مع حقن الأنسولين ومراقبة مستويات السكر في الدم، إلا أن حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة ضاعفت معاناته وحولت متابعة المرض إلى عبء يومي ثقيل.
لم تكن أسرة راجي تمتلك أي معرفة سابقة بالمرض، وسرعان ما بدأت تواجه مضاعفاته، ففي إحدى الأيام تعرض الفتى لهبوط حاد في مستوى السكر أفقده الوعي وكاد أن يدخله في غيبوبة، قبل أن ينجح أفراد أسرته في إسعافه بإعطائه السكر حتى استعاد وعيه.
وفي حادثة أخرى، عانى راجي من ارتفاع حاد في مستوى السكر، رافقته أعراض خطيرة تمثلت في الاختناق والعطش الشديد والتعرق المستمر، ما استدعى نقله بشكل عاجل إلى المستشفى.
وتبحث أسرة راجي منذ أشهر عن جهاز منزلي لفحص السكر، إلا أن هذه الأجهزة أصبحت نادرة في الصيدليات، وفي حال توفرها، فإن أسعارها ارتفعت بشكل كبير حيث يباع الجهاز المنزلي بأكثر من 500 شيكل (حوالي 170 دولار) ، فضلا عن صعوبة الحصول على شرائح الفحص اللازمة لتشغيلها.
يقول والد راجي لـ”قدس برس”: “أذهب يوميا مع ابني إلى مستشفى ناصر في خان يونس لفحص السكر، ونضطر لقطع مسافات طويلة والانتظار أمام المختبر للحصول على النتيجة”.
مضيفا “حتى الأنسولين أصبح مشكلة بحد ذاته، فالأطباء يوصون بحفظه في مكان بارد، لكننا نعيش داخل خيمة ترتفع فيها درجات الحرارة بشكل كبير خلال النهار، وهو ما يؤدي إلى تلف الدواء وفقدان فعاليته”.
لا تقتصر هذه المعاناة على راجي وحده، إذ يواجه أكثر من 100 ألف مريض بالسكري في قطاع غزة أوضاعا مشابهة، في ظل النقص الحاد في أجهزة فحص السكر، التي تعد من المتطلبات الأساسية لمتابعة المرض تفاديا للمضاعفات المرتبطة به.
كما تشكل درجات الحرارة المرتفعة داخل الخيام خطرا إضافيا على المرضى، بسبب تأثيرها المباشر على صلاحية الأنسولين وجودته، في وقت يفتقر فيه معظم النازحين إلى ثلاجات أو أجهزة تبريد لحفظ الأنسولين.
وفي الوقت ذاته، أفاد عدد من المرضى بأن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” قلصت كميات الأنسولين والإبر المخصصة لهم بسبب نقص الإمدادات الطبية، حيث يفيد المرضى لمراسلنا بأن الوكالة باتت تصرف لهم جرعة أنسولين واحدة بدلا من اثنتين تكفي لعشرين يوما، إلى جانب عدد محدود من الإبر.
ويحذر الأطباء في غزة من أن استمرار نقص أجهزة الفحص والأدوية يضاعف مخاطر الإصابة بمضاعفات خطيرة، خصوصا بين الأطفال ومرضى السكري من النوع الأول، الذين يعتمدون بشكل كامل على الأنسولين ومراقبة مستويات السكر بشكل منتظم للحفاظ على حياتهم.
ويعاني الفلسطينيون في قطاع غزة من أوضاع معيشية وصحية متردية واستمرار القيود الإسرائيلية على إدخال المساعدات، رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ تشرين الأول/أكتوبر 2025.
وتتنصل دولة الاحتلال من التزاماتها المنصوص عليها في الاتفاق، بما يشمل فتح المعابر وإدخال الكميات المتفق عليها من المساعدات الغذائية والإغاثية والطبية ومواد الإيواء، فضلا عن مواد إعمار البنية التحتية.
وجرى التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بعد عامين من الإبادة التي بدأتها دولة الاحتلال في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023 بدعم أمريكي، وخلفت نحو 73 ألف شهيد وما يزيد على 173 ألف جريح فلسطيني، معظمهم أطفال ونساء، ودمارا طال 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية.
المصدر: قدس برس

