المسار : تحت أشعة الشمس الحارقة في مدينة رام الله، يواصل عشرات الجرحى والأسرى المحررين وذوي الشهداء اعتصامهم المفتوح أمام مقر رئاسة الوزراء الفلسطينية، حاملين صور أبنائهم ولافتات تطالب بصرف مخصصاتهم المالية التي كانت تشكل على مدار سنوات طويلة مصدر الدخل الوحيد لكثير من العائلات التي دفعت أثمانًا باهظة خلال مسيرة النضال الفلسطيني.
بين المعتصمين يقف آباء وأمهات فقدوا أبناءهم، وأسرى محررون أمضوا سنوات طويلة خلف القضبان الإسرائيلية، وجرحى يعانون إعاقات دائمة تحول دون قدرتهم على العمل أو تأمين احتياجات أسرهم.
يقول بعضهم إن القضية لم تعد مجرد مستحقات مالية، بل باتت مرتبطة بالاعتراف بتضحياتهم ومكانتهم الوطنية، فيما يخشى آخرون أن يقود القرار الأخير إلى تحويلهم إلى ملفات اجتماعية خاضعة لمعايير الفقر والحاجة بعد أن كانوا جزءًا من منظومة وطنية اعتبرت الأسرى والشهداء والجرحى عنوانًا للكفاح الفلسطيني.
ويأتي هذا الاعتصام في أعقاب القرار الذي أصدره الرئيس محمود عباس بإلغاء النظام القائم لصرف مخصصات الأسرى والشهداء والجرحى ونقل الملف إلى المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي، في خطوة أثارت موجة واسعة من الجدل والاعتراضات في الأوساط الفلسطينية، خاصة في ظل المخاوف من فقدان آلاف العائلات لحقوقها المالية أو إخضاعها لمعايير اجتماعية جديدة.
لكن القرار الأخير لا يمثل حدثًا منفصلًا أو مفاجئًا، بل يشكل الحلقة الأحدث في مسار طويل من الضغوط الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت ملف مخصصات الأسرى منذ أكثر من عقد، وسط محاولات متواصلة من السلطة الفلسطينية لإيجاد صيغ جديدة لإدارة هذا الملف بما يخفف الضغوط السياسية والمالية المتزايدة عليها، دون أن تنجح حتى الآن في إنهاء الجدل الذي يرافقه.
الاعتصام المفتوح أعاد الجدل مجددًا حول قرار عباس، حيث تشير معطيات سياسية إلى أن ملف مخصصات الأسرى كان حاضرًا بشكل دائم على أجندة الإدارات الأمريكية والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة. ففي عام 2014 أصدر الرئيس مرسومًا رئاسيًا حوّل وزارة شؤون الأسرى إلى هيئة مستقلة، في محاولة لتخفيف الضغوط الدولية المرتبطة بوجود وزارة حكومية تتولى هذا الملف، إلا أن الخطوة لم تنجح في إقناع الولايات المتحدة أو إسرائيل.
وفي عام 2017 عاد الملف إلى الواجهة بعد لقاء جمع عباس بالرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في بيت لحم، حيث أثيرت قضية رواتب الأسرى بشكل مباشر. وجرى آنذاك بحث عدة مقترحات لنقل الملف إلى أطر مختلفة تتبع لوزارات أخرى، غير أن تلك المقترحات لم تنفذ.
وشهد عام 2018 تصعيدًا إسرائيليًا بإقرار قانون اقتطاع قيمة مخصصات الأسرى من أموال المقاصة الفلسطينية. وردت السلطة الفلسطينية برفض استلام أموال المقاصة منقوصة، ورفع عباس حينها شعار “سندفع للأسرى ولو تبقى لدينا شيقل واحد”. غير أن السلطة عادت بعد أشهر واستلمت الأموال المقتطعة، في خطوة أثارت انتقادات واسعة.
وتواصلت الضغوط الإسرائيلية لاحقًا مع إصدار أوامر عسكرية استهدفت البنوك الفلسطينية التي تتعامل مع حسابات الأسرى والشهداء والجرحى، ما دفع السلطة إلى نقل عمليات الصرف إلى مكاتب البريد الفلسطيني عام 2021.
وفي السياق ذاته، كشفت مصادر سياسية أن ملف المخصصات كان محورًا رئيسيًا في لقاءات عقدتها القيادة الفلسطينية مع وفود أمريكية خلال السنوات الماضية، حيث اشترطت واشنطن معالجة الملف لإعادة المساعدات الأمريكية واستئناف بعض أشكال التعاون السياسي.
وبحسب معطيات متقاطعة، فإن السلطة الفلسطينية عملت خلال السنوات الأخيرة على إعداد صيغ قانونية جديدة لتنظيم الملف، جرى عرض بعضها على جهات أمريكية لإبداء الملاحظات بشأنها، قبل الوصول إلى القرار الأخير الذي أعلنه الرئيس عباس.
ويقول معتصمون أمام مقر مجلس الوزراء إن ما يجري اليوم لا يمكن فصله عن هذا المسار الطويل من الضغوط الخارجية، معتبرين أن النتائج النهائية لهذه السياسات انعكست بشكل مباشر على آلاف العائلات الفلسطينية التي تعتمد على هذه المخصصات لتأمين احتياجاتها الأساسية.
وفي حين تؤكد السلطة الفلسطينية أن التعديلات الجديدة تهدف إلى إعادة تنظيم الملف وضمان استدامة الدعم للفئات المستحقة، يرى معارضو القرار أن نقل الأسرى والشهداء والجرحى من إطار وطني إلى إطار اجتماعي يمثل تحولًا جوهريًا في طبيعة التعامل مع هذه القضية، وهو ما يفسر استمرار الاعتصامات والاحتجاجات المطالبة بالتراجع عن القرار أو تعديله.
ومع استمرار الاعتصام في رام الله، يبقى ملف مخصصات الأسرى والشهداء والجرحى أحد أكثر الملفات حساسية في الساحة الفلسطينية، وسط تساؤلات متزايدة حول مستقبل الحقوق المالية لعشرات آلاف العائلات، وحول قدرة السلطة على التوفيق بين الضغوط الدولية والالتزامات الوطنية تجاه هذه الفئات.

