الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

هآرتس 26/6/2026 

ترامب غير قادر على أن يُدخل إسرائيل الى مسرحية اردوغان

بقلم:  تسفي برئيل 

دونالد ترامب هو مخترع. والسؤال الأكثر أهمية هو هل يعرف انه يخترع ويكذب ويبني واقع بديل، أو انه يؤمن بالواقع الذي يصنعه. آخر مثال على ذلك هو تصريحه العابر بان تركيا على شك الانضمام للحرب، “على الأرجح الى جانب ايران، لانها لا تحب إسرائيل كثيرا”. لحسن الحظ حسب روايته، طلب من الرئيس رجب طيب اردوغان عدم التقدم، واردوغان امتثل.

في انقرة، كما كان متوقع، رفضوا هذه الرواية. واكد مصدر في حكومة تركيا لـ “هآرتس” على ان تركيا لم تكن تنوي التدخل في الحرب مع ايران، ليس الى جانب الولايات المتحدة وليس الى جانب ايران. وأوضح المصدر بان موقف تركيا كان واضح من البداية – معارضة الحرب – حتى بعد اطلاق صواريخ إيرانية في مجالها الجوي. وفي المرات الأربعة التي اطلقت فيها صواريخ على تركيا في شهر آذار، اعترضتها قوات الناتو وبطاريات الباتريوت. ولم تفكر انقرة حتى في تفعيل بند الدفاع المشترك للحلف. ولكن هناك واقع وهناك ترامب. ففي واقعه توجه الى “الشخص القوي” وطلب منه عدم التدخل، والزعيم التركي وافق بدافع الشهامة.

يجدر ان نذكر أيضا ما لم يقله ترامب. فخلافا للغته اللاذعة عندما صرح بان “بيبي سيفعل ما أقوله له”، تحدث عن اردوغان بحذر كبير، وليس بالصدفة. فـ “العلاقة الأخوية”، كما وصفها توم باراك، السفير الأمريكي في تركيا والمبعوث الخاص في سوريا والعراق، تقوم على تقدير عميق لترامب. كان ترامب يكن ود كبير لاردوغان من فترة ولايته الأولى. أيضا حرص ترامب على التأكيد بانه سيشارك في قمة الناتو التي سيتم عقدها في 7 تموز القادم، “فقط لان اردوغان اتصل بي واخبرني بضرورة مشاركتي”. وفي نفس الوقت المح الى انه سيفعل “شيء يفرح اردوغان كثيرا”. يبدو ان هذه خطوة أخرى نحو الموافقة على صفقة طائرات اف35 ومحركات الطائرات النفاثة المتقدمة. ربما يكون ترامب قد اختلق قصة التدخل، ولكنه لم يختلق الوضع الجديد الذي تسعى اليه تركيا لنفسها – املاء سياستها، وليس ان تجبر على اتباع سياسة الآخرين.

بالنسبة لاردوغان لم تعد قمة الناتو القادمة مؤتمر فقط، بل فرصة تاريخية. استضافت تركيا آخر قمة للناتو في العام 2004، بعد سنة من توليه السلطة. كانت تركيا في حينه مختلفة كليا، حيث كانت الدولة للتو قد بدأت الخروج من ازمة اقتصادية شديدة، ساهمت في صعوده. كان الجنرالات ما زالوا يشكلون تهديد للسياسة المدنية، لا سيما له. بالكاد كانت الصناعات الأمنية المحلية تلبي خمس احتياجات الجيش، وكان الإنتاج الأمني السنوي يزيد قليلا عن مليار دولار. ومن المفارقة ان تركيا اشترت الطائرات المسيرة الأولى من إسرائيل.

أصبحت صفقة طائرات هيرون المسيرة منذ ذلك الحين درس بليغ في الوعي التركي. طلبت انقرة 10 طائرات مسيرة، وتاخرت عملية التسليم، وعندما وصلت المعدات اشتكى الاتراك من انها غير مطابقة للمواصفات. لقد زعمت تركيا ان إسرائيل عطلت بشكل متعمد قدرة الطائرة على التصوير وجمع المعلومات الاستخبارية. ولم يتم حل المشكلة الا بعد سنوات من تبادل الاتهامات وحدوث أزمات وضغوط سياسية. ولكن بالنسبة لاردوغان فقد حققت هذه المسالة غرضها بالفعل، حيث عززت قراره السابق بجعل تركيا مكتفية ذاتيا. ومنذ ذلك الحين شهدت تركيا تحولا جذريا. فقد الغى اردوغان صفقات شراء خارجية بمليارات الدولارات واستثمر في البنى التحتية للتصنيع المحلي وبنى صناعة عسكرية حولت البلاد الى امبراطورية إقليمية للمسيرات ولاعبة عالمية في الصناعات الأمنية. والان تمتلك تركيا ثاني اكبر جيش في حلف الناتو وتنتج صناعاتها الأمنية حوالي 20 مليار دولار سنويا، وتخطط في هذه السنة لاستثمار اكثر من 27 مليار دولار في توسيع الإنتاج. وفي نفس الوقت تسعى تركيا الى تقديم نفسها، ليس فقط كمالكة للسلاح أو مستخدمة فعالة له، بل أيضا كمورد للوسائل والخبرة العسكرية.

لذلك فانه يتم التخطيط للقمة القادمة في انقرة لتكون استعراض على نطاق واسع. ووفقا لبيانات نشرها مركز الاتصالات الرئاسية، سيشارك في القمة 32 رئيس دولة من دول الناتو، وتقريبا 100 وزير. ويتوقع مشاركة وزراء ومئات العلماء ورجال الاعمال، واكثر من 3 آلاف مراسل اجنبي. سيتم اعداد حوالي 1600 محطة عمل و26 موقع بث لوسائل الاعلام، وسيتولى حوالي 850 موظف تركي المسؤولية عن نظام الخدمات والدعم. في نفس الوقت ستقام عشرات الفعاليات والندوات والجولات السياحية في إسطنبول. تستثمر تركيا حوالي ربع مليار دولار في هذا الحدث، وهذا مبلغ يشمل اعداد مطار إضافي وإصلاح الشوارع والارصفة وتمويل نظام امني غير مسبوق. وقد تم بالفعل نشر عشرات آلاف رجال الشرطة والامن في نقاط رئيسية. وكما هي العادة في مثل هذه الفعاليات في تركيا فقد تم اغلاق فضاء الاحتجاج: تم حظر المظاهرات من أي نوع، واكثر من 200 شخص تم اعتقالهم بتهمة “نية الاخلال بالنظام العام”، وهذا بند واسع يسمح بابعاد عن الشارع ليس فقط المخلين بالنظام، بل أيضا منتقدي النظام والخصوم السياسيين.

يريد اردوغان من الضيوف ليس فقط المشاركة في القمة، بل يريد أيضا استيعابهم لرواية معينة. سيحصل كل مشارك على 3 كتب فاخرة تم اعدادها للمؤتمر، تتناول قوة تركيا العسكرية وقدرتها التصنيعية وجهودها في مكافحة الإرهاب ومكانتها الإقليمية والدولية. الرسالة واضحة: لم تعد تركيا “جسر بين الشرق والغرب” فقط، العبارة الدبلوماسية المبتذلة التي رافقتها لسنوات. فهي تسعى الى ان تعتبر شريكة لا غنى عنها، وليس مجرد محطة عبور، بل عنوان. ليست وسيطة تخدم مصالح الآخرين، بل جهة تصوغ مصالحها الإقليمية بنفسها.

تتيح الحرب مع ايران فرصة مثالية لتسويق هذا التطور. لم تكن دعوة قطر والبحرين والامارات والكويت للقمة تهدف فقط الى تحسين صورة هذه القمة. فهذه الدول أعضاء في “مبادرة إسطنبول للتعاون” التي اطلقت في مؤتمر العام 2004، وهي جزء من مسعى تركي واضح لوضع انقرة في موقع محوري بين حلف الناتو والخليج، وبين الولايات المتحدة والبنية الإقليمية التي قد تتبلور ذات يوم بعد الحرب.

هذه أيضا العقيدة الجديدة التي بدأ وزير خارجية تركيا، هاكان فيدان، في صياغتها. والدرس المستفاد واضح: لا يمكن لدول المنطقة الاستمرار في الاعتماد على التحالفات الخارجية أو الرعاية الامريكية وحدها لبناء أمنها. في مقابلة مع قناة “الجزيرة” في كانون الثاني الماضي قال فيدان ان تركيا تسعى بجهد لاقامة حلف دفاع إقليمي “يقوم على الثقة والتعاون بدلا من التحالفات الخارجية أو الرعاية”. وأضاف: “نحن نريد انشاء منصة للتضامن الإقليمي”. هذه صيغة طموحة اكثر بكثير من الصورة النمطية لتركيا كدولة وساطة. يقترح فيدان نظام امني جديد، تكون تركيا فيه طرف فاعل في صياغته.

مع ذلك، ما زالت هذه العقيدة بعيدة عن ان تصبح منتج مرغوب فيه. أولا، لان التضامن الإقليمي الذي يتحدث عنه فيدان له حدود سياسية واضحة من البداية. إسرائيل ليست شريكة فيه طالما أنها لا تتبنى حل الدولتين. ثانيا، لان دول الخليج حذرة جدا. لم تقطع أي دولة من هذه الدول علاقاتها مع ايران، بل ان الكثير منها تجري محادثات معها بشان الترتيبات الأمنية والتعاون الاقتصادي لما بعد الحرب. وحتى العلاقات الوثيقة التي بنتها تركيا في السنوات الأخيرة مع السعودية والامارات وقطر، بما في ذلك صفقات السلاح والاستثمارات الضخمة في اقتصاد تركيا، لم تبدد تماما الشكوك التاريخية لبعض هذه الأنظمة في انقرة بشكل عام، وتجاه اردوغان بشكل خاص.

يضاف الى ذلك الخلافات الداخلية بين دول الخليج نفسها. فالمنافسة بين الرياض وأبو ظبي على اليمن والسودان، والمنافسة المستمرة مع قطر، وحياد الكويت الصارم، وقبل أي شيء حالة عدم اليقين التي تحيط بمستقبل المفاوضات بين أمريكا وايران، كل ذلك يضع دول الخليج على قائمة الانتظار. فهي مستعدة للاستماع الى تركيا، وربما حتى شراء السلاح منها، لكنها ليست مستعدة حتى الآن لتسليمها زمام الامن الإقليمي.

تعاني تركيا نفسها من مشكلة هيكلية. فبصفتها عضوة في حلف الناتو تستفيد من بند الدفاع المشترك في الحلف وتلتزم بقواعده. وتحالف امني إقليمي، تلعب فيه تركيا دور الركيزة الدفاعية لدول الخليج، وليس مورد للسلاح فقط، قد يرتب عليها التزامات تتعارض بشكل مباشر مع عضويتها في حلف الناتو. وهنا تكمن مفارقة تركيا. فانقرة لا ترغب في التخلي عن التحالف، بل تسعى الى استغلاله اقتصاديا وسياسيا، وفي نفس الوقت تطمح الى ان تكون مركز للتبعية الأمنية لدول المنطقة. ويصعب الدمج بين عضوية الناتو المتميزة وبين مكانة منسقة النظام الأمني الجديد في الشرق الأوسط.

اذا كان ترامب قد منح اردوغان هدية، فلم تكن هذه الهدية هي الادعاء بان تركيا ستتدخل في الحرب الى جانب ايران ضد إسرائيل، أو مشاركته في قمة الناتو. بل كانت هذه فرصة لتذكير العالم بالتحالف بينه وبين اردوغان، والتاكيد على ان تركيا، وليس إسرائيل، هي محور الاحداث من جديد؛ وربما أيضا لدعم رؤية تركيا. والسؤال المطروح هو هل سيقتنع المشاركون في القمة بهذه الرؤية أم سيكتفون بهذا الاستعراض؟.

——————————————

هآرتس 26/6/2026

هل توجد لنا حرية عمل في لبنان حقا؟

بقلم: عاموس هرئيلِ 

بعد مرور أسبوع واكثر اصبح امر واحد واضح تماما وهو ان الاتفاق الذي صاغته الولايات المتحدة وايران بمساعدة الوسطاء ما زال قائم حتى الآن. هناك تقلبات ترتبط أيضا بشخصية وتصريحات الشخصية الرئيسية في هذه الملحمة المعقدة، دونالد ترامب. ولكن رغبة الرئيس الأمريكي الواضحة في انهاء الحرب تملي كل التطورات الأخرى. النظام في ايران الذي يعرف ذلك جيدا يواصل محاولة انتزاع المكاسب، لكنه لا يخالف القواعد بطريقة تؤدي الى تجدد الحرب.

لقد جلب الهدوء في ايران الهدوء أيضا في لبنان. فبعد أسابيع مضطرة تكبد خلالها الجيش الإسرائيلي خسائر فادحة جراء هجمات المسيرات المفخخة وجبت أرواح المئات من عناصر حزب الله والمدنيين اللبنانيين في هجمات مضادة، ساد هدوء حذر في هذا الأسبوع على الجبهة الشمالية. وعلى النقيض تماما مما يحاول رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، تسويقه للرأي العام، فان يد الجيش هناك مقيدة هناك تقريبا. فقد قلص الجيش الإسرائيلي نشاطاته الهجومية بشكل كبير، ويركز حاليا على تثبيت مواقعه على خط التماس. واعلن وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، ان الجيش لن ينسحب من جنوب لبنان حتى لو طلبت الولايات المتحدة ذلك. سننتظر ونرى.

يوجد قاسم مشترك في جميع الساحات، يعكس وضع إسرائيل بعد اكثر من 32 شهر من الحرب التي بدأت بمذبحة 7 أكتوبر. لقد زجت تحركات نتنياهو إسرائيل في مازق استراتيجي ينذر بالتفاقم في السنوات القادمة. لقد الحق الاستخدام الكثيف للقوة العسكرية خسائر فادحة باعداء إسرائيل في المنطقة، ولكنه لم يؤد الى ترتيبات مستقرة بعيدة المدى ولم يرسخ أي تقدم سياسي. وفي غضون ذلك اندلعت ازمة شديدة مع الولايات المتحدة، بالتحديد في ولاية الرئيس الذي وصف بانه اكثر الرؤساء الأمريكيين ودا على الاطلاق.

في الأسبوع القادم سيعقد مؤتمر هرتسليا السنوي لمعهد السياسة الاستراتيجية في جامعة رايخمان. وقد تم تأجيل هذا المؤتمر لشهر على خلفية ما ظهر في نهاية أيار وكأنه تصعيد جديد في الخليج. ولكن تهديدات ترامب لم تتحقق في نهاية المطاف، وتوقفت الحرب، الامر الذي سمح بوصول الضيوف من الخارج، رغم الانخفاض الكبير في عدد رحلات شركات الطيران الأجنبية الى إسرائيل (ما زال مطار بن غوريون، رغم وقف اطلاق النار في الخليج، قاعدة التزود بالوقود الرئيسية لسلاح الجو الأمريكي في الشرق الأوسط، وأي نشاطات جوية أخرى في المطار ما زالت تخضع لاعتبارات الأولوية القصوى).

كانت هناك سنوات تصدر فيها المؤتمر عناوين الاخبار. هناك، في كانون الأول 2003 اختار رئيس الحكومة اريئيل شارون البدء في الترويج لخطة الانسحاب من قطاع غزة، التي نفذت بعد سنة ونصف تقريبا. وقد شغل العقيد المتقاعد عاموس جلعاد، رئيس المعهد، سلسلة من المناصب الرئيسية في المؤسسة الأمنية في تلك السنوات: رئيس قسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية، منسق اعمال الحكومة في المناطق المحتلة، رئيس القسم السياسي في وزارة الدفاع.

وقد قال جلعاد لـ “هآرتس” بان التطورات الأخيرة في ايران هي “مثال كلاسيكي لما تم التحذير منه – لا يوجد نصر مطلق في الحرب بدون عمل دبلوماسي في نهاية المطاف”. وأضاف: “كان للاتفاق النووي الذي صاغه براك أوباما في 2025 الكثير من أوجه القصور، لكن انا اعتقد حتى الآن انه كان افضل من الوضع الذي ظهر بعد انسحاب ترامب منه في 2018. ومنذ ذلك الحين حققت ايران اختراق وتقدمت في مراكمة اليورانيوم عالي التخصيب”.

جلعاد تابع وقال: “لقد الحقنا بالفعل اضرار كبيرة بالاعداء الآخرين، حزب الله وحماس والحوثيين في اليمن، لكن نحن لم نهزمهم في أي مكان. ربما الامر الأسوأ هو ان خامنئي الابن يقود الان فصيل متطرف من المحاربين القدامى في الحرس الثوري، الذين  لا يثقون بالغرب، وفي المقابل، لديهم رغبة كبيرة وعزيمة قوية على تدميرنا. هذه ليست اقوال عابرة فقط”. وبحسبه فان الخطة الإيرانية لتدمير إسرائيل تم تنفيذها عندما كان علي خامنئي هو المرشد الأعلى، ولكن نجله مجتبى يؤمن بها اكثر من والده.

اما الازمة الحالية في العلاقة بين ترامب ونتنياهو في ظل اتفاق الاستسلام الذي وقعته الولايات المتحدة مع ايران لا يجب أن تكون مفاجئة. فقد اجل نتنياهو صفقة الرهائن طوال عام 2024، بانتظار فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني، وحصل بالفعل على دعمه وحقق بعض الإنجازات بعد ذلك. لقد انحاز الرئيس في البداية الى موقف رئيس الحكومة بشان غزة، وأعطى الضوء الأخضر للهجوم الإسرائيلي الأول على ايران في حزيران السنة الماضية، وانجر وراء حماسة نتنياهو بشان إمكانية تغيير النظام في طهران استعدادا للهجوم الثاني هناك في شباط الماضي.

لا حاجة الى المجاملة

في ظل تجاهل ترامب العلني، والخوف الواضح من ان يعرقل الرئيس اتفاق المساعدات الأمنية الامريكية القادمة، المقرر دخوله الى حيز التنفيذ في 2028، يعد نتنياهو ذريعة لنفسه. ففي هذا الأسبوع، خلال اجتماع مع دورة ضباط احتياط في غوش عصيون، صرح قائلا: “اقدر جدا الدعم الذي حصلنا عليه من الأصدقاء الأمريكيين، ولكن نحن بحاجة الى التحرر من التبعية وبناء نظام تسلح مستقل خاص بنا”. هذه الاقوال تضاف الى تصريحات سابقة كثيرة في نفس الاتجاه، فضلا عن محاولة نتنياهو تصوير إسرائيل كـ “اسبرطة عظيمة” في المستقبل، كما وصفها، بعد املاءات ترامب السابقة في صفقة الرهائن الأخيرة.

في الخفاء يجري رئيس الحكومة نقاشات كثيفة في محاولة هي الأولى من نوعها لتحديد ميزانية الدفاع للعقد القادم. وقد تم اسناد هذه المهمة لرئيس هيئة الامن القومي الذي تم تعيينه حديثا، شموئيل بن عزرا. ومثلما هي الحال مع التعيينات العليا التي يسعى نتنياهو الى ترسيخها والتشريعات المعادية للديمقراطية التي يسوقها لخدمة مصالحه الضيقة ومصالح شركاءه في الائتلاف، فانه يوجد هنا أيضا منظور بعيد المدى لا يشير الى نية الانسحاب من الساحة السياسية في أي وقت قريب.

يتحدث نتنياهو في النقاشات عن ميزانية خيالية، تبلغ 130 مليار شيكل، أي ضعف ميزانية الدفاع قبل الحرب الحالية. وتهدف هذه الميزانية الضخمة نسبيا الى تعويض الانخفاض المتوقع في المساعدات الامريكية، لكنها تهدف أيضا الى تمويل عدد كبير من أيام الاحتياط وزيادة انتاج الصواريخ والأسلحة الأخرى. ويفترض أيضا ان تمول هذه الزيادة ما يصمم عليه نتنياهو في ضوء الفشل الذي لا يعترف به في الحملة الحالية في ايران، وهو الحفاظ على قدرة الضرب في المستقبل هناك. كيف يتلاءم هذا مع وجود دولة تهتم برفاه مواطنيها؟. باستثناء الشعارات التي تشبه شعار “سوبر اسبرطة”، لم نحصل على أي رد حتى الآن.

يصف عاموس جلعاد التدهور المستمر في الضفة الغربية، لا سيما فيما يتعلق بعنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، بانه تطور يتسبب بضرر كبير للعلاقات مع الولايات المتحدة. وقد قال: “ان القضية الفلسطينية تقوض مكانتنا مثلما يفعل القرش. ان تجنب التعامل مع الإرهاب اليهودي سيضر بنا في نهاية المطاف، رغم ان الاحداث هناك لا تثير اهتمام أي احد تقريبا في إسرائيل. علاقاتنا مع أمريكا تتضرر، ونحن الذين نحتاج الى دعم ترامب وليس العكس”.

هم لن يقرروا

في هذا الأسبوع أوضح وزير الدفاع النقاط الرئيسية لسياسة إسرائيل في جنوب لبنان: الجيش الإسرائيلي سيبقى في منطقة امنية لابعاد التهديد عن مستوطنات الشمال، وسيتم تدمير القرى اللبنانية في المنطقة ولن يتمكن سكانها من العودة اليها. عمليا، مشكوك فيه ان يكون لكاتس رأي في هذا الامر. فقرار انسحاب إسرائيل من هناك لا يعتمد عليه، وليس على نتنياهو أيضا، القرار هو بيد ترامب وحده، الذي في غضون ذلك منح ايران وباكستان موطيء قدم في الآلية الجديدة لمنع الاحتكاك التي يتم انشاءها بحسب الاتفاق في لبنان. وإسرائيل كما هو متوقع ليست عضوة في هذا المنتدى.

أيضا تم عقد محادثات مباشرة بين الوفد الإسرائيلي والوفد اللبناني في هذا الأسبوع في واشنطن. وقد أشار السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة يحيئيل ليتر، وبحق، الى ان المفاوضات التي تم ارساله اليها تجرى مجددا في وقت أصبح فيه الوضع على وشك الانهيار. والمح السفير الى الواقع السياسي: إسرائيل لا تملك القدرة الحقيقية على فرض بنود الاتفاق، لانه سيتم تحديدها بدرجة كبير في المفاوضات بين الولايات المتحدة وايران. لذلك فانه من غير الغريب وجود تقارير تفيد بعدم احراز أي تقدم في المحادثات في واشنطن.

أيضا تضلل الحكومة الرأي العام في إسرائيل حول الوضع السائد على ارض الواقع في لبنان. بعد دخول وقف اطلاق النار الى حيز التنفيذ في ايران وفي لبنان، تقلصت صلاحيات الجيش الإسرائيلي العملياتية في لبنان بشكل كبير. ولم يبق امام القوات الا خيار إزالة أي تهديد مباشر لها أو لمستوطنات الشمال. وقد وصف رئيس الحكومة السابق نفتالي بينيت، الذي في العادة يتحدث مباشرة مع القادة والمقاتلين على الجبهة الوضع بدقة، في حين حاول وزراء الحكومة التغاضي عنه في تصريحاتهم، بل ذهب بعضهم الى حد الادعاء بان الجيش الإسرائيلي يتمتع بحرية عمل فعلية.

ومع اقتراب موعد الانتخابات يحكم رئيس الحكومة قبضته على الموقف: يسيطر على الذاكرة والرواية المحيطة بالفشل والمسؤولين عنه، ويحقق في نفس الوقت اقصى قدر من السيطرة على المؤسسة الأمنية.

في ظل غياب القتال الفعلي حاليا، ينشغل الاعلام بالدراما التي نشأت حول مجمع حزب الله تحت الأرض في قرية تبنيت، شمال قلعة شقيف. ويضم الموقع مقر الجبهة الجنوبية لحزب الله وقوة “بدر” التابعة له. وحسب الجيش الإسرائيلي فانه ما زال عشرات عناصر حزب الله يتحصنون هناك. بتقدمها شمالا انشات القوات الإسرائيلية ما يشبه جيب معزول أو “اصبع” بعيد نسبيا عن المنطقة التي سيطرت عليها في السابق، الامر الذي يضعها في موقف تكتيكي غير مواتي.

يتحدث بعض الضباط الذين يقدمون احاطات إعلامية عن نصر عسكري هناك، لكن في الواقع لم يبق الا أسبوع واحد على نهاية الحرب. إضافة الى ذلك مشكوك فيه إمكانية استخدام تبنيت كاداة ضغط في ظل المفاوضات التي تجري بين الولايات المتحدة وايران. تحتاج إسرائيل الى تحديد توجهها في لبنان بسرعة. قد يكون من الأفضل لها الانسحاب من جزء من المناطق بمبادرة منها، بدلا من انتظار فرض ذلك عليها وتفسيره بانه انجاز آخر للنظام الإيراني، بفضل الرئيس الأمريكي.

لكن من الذي يهتم، سيصادف الأسبوع القادم مرور الف يوم على الحرب، التي بدأت بالمذبحة في الغلاف. ستتجاهل الحكومة التي تفضل تسمية هذه الحرب بـ “حرب النهضة” هذه المرحلة. ولكن مئات العائلات الثكلى المتوحدة في “مجلس أكتوبر”، ستحيي ذكرى المذبحة في فعاليات احتجاج في كل ارجاء البلاد، وسيكون على جدول الاعمال الطلب الوحيد الذي يبذل نتنياهو قصارى جهده لاحباطه، وهو تشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة للتحقيق في المذبحة وفي الحرب.

في هذا الأسبوع، في اطار جهود الائتلاف للحفاظ على التحالف بين الليكود والأحزاب الحريدية، جاءت انباء عن تبلور اتفاق: تمرير قانون الاعفاء من الخدمة مقابل تشكيل لجنة تحقيق سياسية لخدمة نتنياهو. ويبدو ان الجهاز الأمني الوحيد الذي لم يرسخ نتنياهو سيطرته الكاملة على قيادته العليا هو الجيش الإسرائيلي. رئيس الأركان، ايال زمير، كما يبدو هو الشخص المنعزل جدا في قيادة الدولة. الجنرالات تحته يرون كيف ان اثنين من اصدقائهم في المنتدى، دافيد زيني ورومان غوفمان، قفزا بسهولة عن سلم التراتبية الهرمي المقبول وحصلا على مناصب رفيعة جدا بفضل نتنياهو. لا يوجد في إسرائيل جهاز ينشغل اكثر من الجيش الإسرائيلي في مسالة الترقية الشخصية والعثور على طريق قصيرة للتقدم.

——————————————

يديعوت أحرونوت 26/6/2026 

رقصة فالس مع نعيم:  اتفاق ترامب يُلهم حزب الله بالتفاؤل

بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية – مركز ديان جامعة تل أبيب

“الآن وقد توصلنا إلى وقف إطلاق النار، يجب أن يتم الانسحاب الإسرائيلي وفق جداول زمنية واضحة ومن جميع الأراضي اللبنانية. هذا مع تنفيذ خمس نقاط: وقف كامل للقتال، انسحاب كامل، إطلاق سراح الأسرى (أسرى حزب الله)، عودة النازحين إلى الحدود، وإعادة التوطين. ستنسحب إسرائيل وسيتم نشر الجيش اللبناني في جنوب البلاد، وسنتعاون مع هذه الخطوة… نشكر إيران، التي أثبت الجميع جدارتها بالثقة، والتي لم توافق على إنهاء الحرب دون حل القضية اللبنانية”. تُجسّد كلمات الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، في خطابه يوم الثلاثاء، التفاؤل السائد في صفوف المقاومة عموماً، وفي الحزب خصوصاً، منذ توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران قبل أسبوع.

في الواقع، لم يشهد المعسكر الذي تقوده إيران مثل هذا الشعور الإيجابي منذ زمن طويل. فهو يشعر بأنه نجا من حرب طويلة وشاقة رغم الضربات غير المسبوقة التي تلقاها، مُثبتاً بذلك نفوذه الكبير في المنطقة، وأن مفهومه عن المقاومة راسخ ويحظى بشعبية متزايدة. يجلس ممثلو النظام الإيراني، الذين وُضعوا على قائمة أهداف التصفية، في غرفة واحدة مع الأمريكيين (الذين يُصرّون على أنهم يُمثلون نظاماً جديداً وأفضل)، مُظهرين قوتهم بعد كل ما فعله ترامب من تحدٍّ، بينما يبرز حزب الله، الذي سعت إسرائيل إلى هزيمته نهائياً، كقوة مهيمنة في لبنان رغم كل شيء.

يستمد أعضاء المعسكر أيضًا الرضا مما يُنظر إليه على أنه إحراج في معسكر العدو: استعداد الولايات المتحدة للتحرك بسرعة نحو تسوية في إيران ولبنان، حتى على حساب المرونة التي تتعارض مع مصالح إسرائيل، الأمر الذي يُشعّ من جانبها إحباطًا وقلقًا: فالصدوع التي لا يمكن إخفاؤها تتسع في العلاقات بين واشنطن والقدس، وتتزايد الشكوك حول جدوى حرب “زئير الأسد”، التي كان من المفترض أن تُغيّر وجه الشرق الأوسط، ولكنه يبدو أنها أدت إلى أوضاع أسوأ لإسرائيل في ساحتي إيران ولبنان مما كانت عليه في 28 شباط.

يوضح علي حيدر، وهو صحفي مُرتبط بحزب الله، حالة التراخي في التنظيم ومعسكر المقاومة: “إن الحرب الأخيرة ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي أيضًا اختبار شامل للمفاهيم الاستراتيجية التي يُروج لها أعداء معسكر المقاومة منذ 7 أكتوبر… لا يسعى العدو فقط إلى تدمير الأسلحة والقضاء على القادة، بل يسعى أيضًا إلى فرض واقع سياسي جديد يهدف إلى إضعاف المقاومة وإقامة “عهد إسرائيل” في المنطقة. مع ذلك، يُعرقل معسكر المقاومة الجهود، وتُثبت رثاءات اختفائه خطأها. يتضح أن التفوق العسكري واحتلال الأراضي لا يُفضي بالضرورة إلى حسم سياسي.

* إلى جانب مناقشة القضايا الجوهرية المتعلقة بإيران (هرمز، والعقوبات، وبالطبع الملف النووي)، تقرر هذا الأسبوع في سويسرا إنشاء “خلية لمنع الاحتكاك” في لبنان. يُثير هذا القرار مخاوف إسرائيل، غير المنخرطة في هيئة تضم الولايات المتحدة وإيران ولبنان وقطر وباكستان، في ظل وقف إطلاق النار، ما يعني تقييد نشاط الجيش الإسرائيلي بناءً على طلب الولايات المتحدة، باستثناء مرتفعات علي طاهر في الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، حيث جرت محاولة لتحييد مجمع كبير تحت الأرض تابع لحزب الله.

يصب هذا الواقع الجديد في مصلحة إيران، ويزيد من ثقة حزب الله بنفسه. أوضح الأمين العام للمنظمة: “لن نوقع اتفاقية تترك للعدو حرية التصرف”، مشيرًا بذلك إلى أن هدفه هو العودة إلى معادلة أكتوبر 2023، وليس إلى إنهاء عملية “السهام الشمالية”، التي أعقبتها هجمات إسرائيلية على المنظمة في أي وقت ومكان دون رد منها.

وينعكس هذا التفاؤل داخل حزب الله في تصريحات وفيق صفا، أحد قادة المنظمة، في بودكاست أثار ضجة هذا الأسبوع، حيث قال: “ربما ليس الجيل الحالي، بل الجيل الذي يليه، هو من سيحقق رؤية فتح الجليل”. وفي السياق نفسه، وصف صفا الصدمة التي ألمّت بنصر الله جراء عملية “البيجر” (“لو لم تُصفِه إسرائيل، لكان مات حزنًا على ما بناه طوال أربعين عامًا من الدمار”)، وزعم أن “إيران في طريقها لتصبح حاكمة المنطقة ورابع أقوى قوة في العالم”.

في الوقت نفسه، عُقدت جولة أخرى من المحادثات هذا الأسبوع بين إسرائيل ولبنان في واشنطن، تُشكل إطارًا أو غطاءً شكليًا للاتفاق المرتقب على أرض الواقع، والذي يُعد حزب الله المحرك الرئيسي له. ويتمحور النقاش حول اقتراح تولي الجيش اللبناني السيطرة على المناطق التي سينسحب منها الجيش الإسرائيلي (المناطق التجريبية)، وهو ما يُفترض أن يكون بمثابة خطوة أولى للأطراف لإنهاء الصراع، مُدعيًا أن “الواقع قد تغير جذريًا”. وصرح رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام يوم الثلاثاء: “نطالب بانسحاب كامل، بما في ذلك النقاط المتنازع عليها على الحدود. نتوقع من إسرائيل أن تقترح ترتيبات أمنية وسنناقشها. لست متشائمًا”.

كما زُجّت سوريا في أتون الصراع اللبناني، رغماً عنها، بضغط قوي من ترامب، الذي يُصرّ على أن يعمل الشرع كمقاول تنفيذي وتيجرّد حزب الله من سلاحه. لكن الرئيس السوري، الذي يكافح للحفاظ على استقرار بلاده الهش، يُبدي تحفظات علنية: “اتصلتُ بترامب واقترحتُ حلولاً أخرى. لن تروا سوريا في لبنان، ورغم أننا تضررنا من حزب الله، فنحن مستعدون للحوار معه”، قالها بدبلوماسية بالغة.

وفي السياق نفسه، حذّر الدكتور سمير التقي، الباحث السوري الذي شغل سابقاً منصباً رفيعاً في قطاع الصحة في دولة غير إسلامية، هذا الأسبوع قائلاً: “لا تقعوا في فخ ترامب. سوريا لا تحتاج إلى دور إقليمي لكي تُعيد بناء نفسها، وعليها أن تتعلم من التاريخ. كل من غزا لبنان انسحب بعد أن احترق هذا البلد، وقد تضرر هو نفسه بشدة. وبشكل عام، تذكروا مدى تقلب ترامب، وكيف أصبح عاجزاً هذه الأيام”.

على عكس سوريا، هناك من يتوق للتدخل في لبنان، مما يزيد من مخاوف إسرائيل. قطر، الشريك في محادثات سويسرا وفي خلية منع الاحتكاك في لبنان، تُظهر أيضاً مهاراتها المعروفة في الوساطة في هذا المجال. يُضاف إلى ذلك مشاركتها في الاتفاق في غزة ومع إيران (والتي وعدت في إطارها طهران بمليارات الدولارات مقابل تسريع المفاوضات). وبهذه الطريقة، تُعزز الدوحة نفوذها على ترامب، وتسعى جاهدةً لكسب ودّه، من خلال مبادرات مثل طائرة بوينغ الفاخرة التي أهدتها له وأطلقتها هذا الأسبوع باسم “إير فورس 1”.

* تُجبر إسرائيل على العمل وفق إطار “التعويض عن الأضرار”: لضمان عدم دخولها في صراع مع الإدارة الأمريكية، التي تمضي حالياً قدماً في مسار ومنطق مختلفين عن نتنياهو (ومن المرجح أن يتصاعد التوتر بين الطرفين في ضوء المطالبة الأمريكية بتعزيز الانسحاب من المنطقة الأمنية). لضمان أن يصاحب الترتيب برمته أقصى قدر من المشاركة الأمريكية، لا سيما فيما يتعلق بتطهير الجنوب من وجود حزب الله؛ والسعي للحفاظ على حرية العمل، على سبيل المثال عند رصد حشد حزب الله العسكري وتحصين إيران؛ ومحاولة مواصلة المفاوضات مع لبنان بحيث لا تنتهي بمجرد وقف إطلاق النار والتفاهمات الأمنية.

كما هو الحال في إيران، تتعرض إسرائيل في لبنان للنتائج المريرة لخطوة كانت، بلا شك، جريئة، ولكن يبدو أنه لم يتم فحص جميع جوانبها بعمق. إن إلقاء اللوم على الآخرين (“ضعف ترامب”) والدعوة إلى وحدة داخلية حول تحدٍ مشترك يثبتان مرة أخرى أنهما الأسلوب المعتاد للتهرب من الأسئلة الإلزامية: كيف وصلنا إلى هذه النقطة المتدنية، ومن المسؤول عنها، وما هي البدائل، وكيف كانت عملية صنع القرار في التحضير للمواجهة، والأهم من ذلك، متى سيتم التحقيق في إخفاقات هذه الحرب، المتراكمة والنابعة في الواقع من جميع إخفاقات 7 أكتوبر التي لم يتم فحصها؟.

——————————————

معاريف 26/6/2026 

الحرب لم تخلق بالضرورة كتلة إقليمية مناهضة لإيران، خلقت منطقة اكثر براغماتية

بقلم: آنا برسكي

 وصل ماركو روبيو هذا الأسبوع الى الخليج مع ابتسامة دبلوماسية مهنية لوزير خارجية ومع شحنة زائدة لرجل إطفاء. في ابوظبي، في الكويت وفي المنامة لم يلقَ أجواء احتفالية. وكان يعرف هذا جيدا حتى قبل أن يهبط. على طاولات المضيفين انتظره تفصيل جاف جدا لثمن الحرب: إصابات لمنشآت مدنية، تشويشات في المطارات والموانيء، اضرار في منشآت الطاقة والفنادق، أسابيع من التجارة البحرية غير المستقرة، تأمين بحري ارتفع ثمنه، سفن متأخرة ونفط لم يضخ كالمعتاد. يدور قادة الخليج باحساس عسير: مرة أخرى يطالبونهم بان يتحملوا ثمن الاتفاق مع ايران فيما أن طهران تخرج منه بتسهيلات.

الطلب الاماراتي، كما تعرضه مصادر دبلوماسية بسيط حتى وحشي: قبل أن تحرر لإيران المليارات، فلتدفع. لا بعملة التصريحات ولا بتعهد غامض بـ “اللجم” بل بالمال وبالضمانات. اتحاد الامارات، حسب تلك المصادر، ترفض في هذه المرحلة ان تحرر نحو 3 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة. من ناحية ابوظبي، لا يمكن لإيران أن تخرج من الحرب مع اكسجين مالي، مع شرعية سياسية ومع مدخل متجدد للتجارة وكأنها لم تجبي ثمنا من جيرانها وكأن مضيق هرمز هو فقط بند فني آخر في الاتفاق.

وهذه فقط المقدمة. حول التفاهمات بين واشنطن وطهران تدور ارقام كبيرة أكبر بكثير: نحو 12 مليار دولار من قطر، نحو 3 مليار أخرى من الامارات وبالتوازي – مداولات عن أموال إيرانية أخرى محتجزة في العراق وفي أماكن أخرى. في الدوائر الإقليمية يذكر أيضا صندوق اعمار مستقبلي لإيران بحجوم تكفي لان تدفع كل وزير مالية خليجي لان يتحرك في كرسيه بعدم ارتياح. في الخليج لا يرون في هذا بادرة سخاء لفتح صفحة جديدة. من ناحيتهم هذه صفحة حساب كتب بالامريكية – الترامبية ورفعت لهم بالعربية.

مذكرة التفاهم التي ولدت بعد الحرب تباع في واشنطن كانجاز: مضيق هرمز فتح، الأسواق هادئة، ايران تدخل الى مسار 60 يوم من المفاوضات وترامب يمكنه أن يعلن بانه أعاد العالم من الحافة. في عواصم الخليج يقرأون الوثيقة ذاتها بشكل مختلف تماما. من ناحيتها، ايران تتلقى سلفة قبل أن يفحص احد اذا كانت بالفعل استبدلت القرص. من تضرر بالصواريخ وبالتهديد على الملاحة يسعون الان لان يساعدوا في تمويل الهدوء.

هذه المرة خيبة الامل أكثر لذعا لان ترامب ورجاله عرضوا الحرب كفرصة لنظام آخر. في إسرائيل وفي بعض عواصم الخليج أملوا في أن تترجم القوة التي استخدمت ضد ايران الى إنجازات سياسية واضحة: الى اتفاق يتضمن قيودا اكثر حدة على البرنامج النووي، معالجة للصواريخ الباليستية، لجم وكلاء طهران، ضمانات لملاحة حرة وثمن اقتصادي على العدوان. النتيجة في هذه الاثناء اكثر تواضعا بكثير ان لم نقل معاكسة. ايران تضررت عسكريا، لكنها دخلت الى المفاوضات مع ورقة قديمة ناجحة: القدرة على تشويش الملاحة، تصدير النفط واحساس الامن لدى جيرانها. طالما كان بوسعها أن تهدد الملاحة في هرمز، الموانيء في المنطقة ومنشآت الطاقة لجيرانها، لا يمكن لاي تسوية في الخليج أن تتجاهلها.

بين الصيغة الامريكية والصيغة الإيرانية تختبىء فجوة صغيرة في الصياغة وخطيرة جدا فعليا. واشنطن تقول ان ايران وعدت الا تجبي رسوما على العبور في المضيق. في طهران يتحدثون عن 60 يوما. بعدها، كما يقولون هناك، سيكون ممكنا البحث في “خدمات”، “حراسة”، “مساعدة”، “تأمين”. في هذه المنطقة هذه الكلمات ليست زينة دبلوماسية. هي حجارة أولى في الحائط. من هنا ولدت آلية وبعد ذلك نمط، وفي النهاية ثمن احد لا يسميه ضريبة كي لا يهين الاحتفال.

عُمان دخلت بالضبط الى هذه المساحة، وبعدها قطر. كلتاهما تفعلان ما تعرفان كيف تفعلا: عُمان تجعل الغموض قناة هدوء وقطر تجعل كل أزمة أزمة مركزية يضطر الجميع الى عبورها. المبادرة للانشغال في إدارة الملاحة في هرمز، في الخدمات البحرية وفي الكلفات المرافقة ليست مسألة فنية لموظفي المواصلات البحرية. هذه بداية حديث إقليمي لا تجلس فيه ايران على مقعد الاتهام بل على طاولة التسوية. دول الخليج تتميز غضبا عليها، لكنها تفهم جيدا بان حتى الاسطول الأمريكي ليست بوليصة تأمين كاملة لكل سفينة نقل.

السعودية هي الأخرى تجلس على المدرج وتجري حساباتها. لا تسارع الرياض لان تختار جانبا بصوت عالٍ. هي ترى قطر، تركيا والباكستان تقترب من موقف وساطة يبقي لإيران مكانا على الطاولة. ترى الامارات، البحرين والكويت غاضبة على ايران لكنها بحاجة الى الاستقرار تجاهها. ترى واشنطن تحاول انهاء الحرب بأسرع مما كان حفاؤها يريدون. ليس للسعوديين مشاعر زائدة. هم سيختارون المسار الذي يمنحهم امنا أكثر، نفوذا اكثر ومجال مناورة اكثر. اذا مر هذا عبر واشنطن، فممتاز. واذا كان عبر قناة خليجية – إيرانية حذرة، فهذا أيضا سينظر فيه.

 شرق أوسط اكثر وعيا

دول الخليج لا تبدل المعسكر. هي بعيدة عن ذلك. هي تخاف من ايران، تغضب عليها، لا تصدقها، وفي بعضها يرون فيها تهديدا مباشرا على نموذج ازدهارها. ومع ذلك فان الاعتماد الحصري على المظلة الامريكية تبدو لها فجأة هزيلة جدا. اذا كان ترامب يريد صفقة مع طهران، واذا كانت واشنطن مستعدة لان تحرر الأموال وتخفف العقوبات قبل أن تشد كل البراغي، فمن الأفضل لها أن تفتح قناة موازية. ليس انطلاقا من مصالحة تاريخية وليس انطلاقا من وهم جديد، بل انطلاقا من غريزة بقاء لدول غنية، صغيرة نسبيا، تعيش بين ايران، نفط، بحر مفتوح وأسواق عصبية.

وعليه فقد اصبح المال مركز الغضب. في واشنطن يمكنهم أن يتحدثوا عن آلية إنسانية، عن خطوة بناء ثقة، عن حافز للمفاوضات. في ابوظبي، في المنامة وفي الكويت يبدو هذا مختلفا تماما: ايران تطلق النار، تهدد، تشوش – وتتلقى قدرة وصول الى حسابات مجمدة كي يكون لها حافظ لان تتصرف بشكل جميل. “دفع مسبق” يسمون هذا في الغرف المغلقة في الخليج. في الشرق الأوسط من يدفع مسبقا يكتشف أحيانا بان البائع لم يقرر بعد ماذا يبيع.

روبيو يفهم هذا، بقدر كبير هو أُرسل لان يعالج ضررا لم يولد في مكتبه. يأتي الى الخليج كمندوب إدارة لا يشد فيها كل اللاعبين في الاتجاه ذاته. نائب الرئيس فانس يتصدر خطا يفضل تقليص التدخل العسكري الأمريكي، الامتناع عن التورد وعقد صفقات حتى عندما يبقى الغموض الإقليمي على الطاولة. اما روبيو، الذي ينظر الى ايران بعيون أخرى فيحاول وضع كوابح: منع طهران من جباية ثمن في هرمز، سد طريقها لموطىء قدم في الاليات حول لبنان، ضمان الا يبدو الاتفاق كاستسلام اديب. المشكلة هي انه في إدارة ترامب كالمعتاد، ليس واضحا دوما من يدير الفرقة الموسيقية ومن لم يدعَ الا لان يحمل الآلة الموسيقية الصعبة.

من ناحية إسرائيل، بعد الحرب أرادوا أن يروا جبهة إقليمية اكثر حزما تجاه ايران، دول خليجية تتبنى أخيرا تحذيرات ايرات والولايات المتحدة تترجم الإنجازات العسكرية الى تسوية متصلبة. بدلا من هذا تأتي صورة اكثر تعقيدا بكثير. دول الخليج غاضبة على ايران، لكنها تتحدث معها. هي بحاجة الى الولايات المتحدة لكنها لم تعد تودع لديها كل الامن. هي تفهم مخاوف إسرائيل لكنها لا تتطوع لتبني استراتيجية إسرائيلية من الضغط المتواصل. هي تريد استقرارا، ملاحة مفتوحة، نفطا يباع وأسواق هادئة. اما إسرائيل فتريد أن تتأكد من أن ايران لا تبني من جديد قوتها تحت غلاف الاتفاق. التداخل بين المصالح قائم لكنه اقل بكثير مما درجوا على الحديث عنه في القدس.

على نحو شبه وحشي، خسرت ايران جزءاُ من الحرب، لكنها نجحت في أن تقرر جزءاً من لغة اليوم التالي. خرجت مرضوضة لكنها غير معزولة. لم تنزل خصومها على الركبتين لكنها ذكرتهم بانها يمكنها أن تؤلم. الان هي تجلس امام أمريكا وامام الخليج مع رسالة بسيطة: تريدون الهدوء؟ تريدون هرمز مفتوحة؟ تريدون ألا يشعل حزب الله الشمال؟ تحدثوا معنا! هذه ليست قوة منتصر، هذه قوة من لم يهزم.

وإسرائيل؟ إسرائيل تكتشف مرة أخرى بان الإنجازات العسكرية ليست خطة سياسية. يمكن ضرب المنشآت، اغتيال القادة، ضعضعة المنظومات وابداء تفوق استخباري وجوي. لكن اذا كانت دول الخليج في نهاية الامر تفتح قناة مستقلة مع ايران، واشنطن تلاحق الاتفاق، قطر وعُمان تديران حوارا على هرمز، ولبنان تصبح جزءاً من المساومة الإقليمية – فان إسرائيل لا تقود التسوية بل ترد عليها.

لعل هذا هو السطر الأخير الأصعب على البلع في القدس. الحرب لم تخلق بالضرورة كتلة إقليمية مناهضة لإيران. خلقت منطقة اكثر وعيا، اكثر شكا واساسا اكثر براغماتية. كل واحد يفحص ما الذي يمكنه أن ينقذه. الامارات تفحص المال، الكويت والبحرين الامن، قطر مكانتها كوسيطة، عُمان هرمز والسعودية كالمعتاد تجلس على الجدار وتحسب من سيدفع لها اكثر على النزول عنه. الولايات المتحدة تفحص كيف تحول النار الى وقف نار دون أن تعترف بالفشل، ايران تفحص كم يمكن الابتزاز بعد أن تضررت، وإسرائيل تفحص كيف حصل انه بعد هذا القدر الكبير من النار، بعد هذا القدر الكبير من التصريحات وبعد هذا القدر الكبير من الوعود بنظام جديد – هي مرة أخرى تخرج نفسها من الغرفة التي توزع فيها الخرائط.

بالنسبة لإسرائيل هذا درس بارد. في الشرق الأوسط الجديد حقا، ليس ذاك الذي سوق في الاستعراضات الالكترونية، حلفاء الامس لا يختفون بالضرورة. هم ببساطة يتعلمون الحديث مع العدو من أول أمس كي ينجوا الغد.

 ——————————————

القناة 12 العبرية 26/6/2026

هذا ليس ترامب ونتنياهو، بل هو أعمق من ذلك بكثير

بقلم: إيال تسير كوهين، الرئيس السابق لقسم “العالم” في الموساد، حاليًا زميل بارز في مركز شاشا للدراسات الاستراتيجية بالجامعة العبرية

من الصعب قول أي شيء إيجابي عن مذكرة التفاهم الموقعة مع إيران. فهي لا تتضمن تفكيك البرنامج النووي، ولا تتضمن استسلام إيران، ولا تحمل أي أخبار تُرضي أولئك الذين رأوا في الحرب الأخيرة فرصةً سانحةً لتغيير الواقع الاستراتيجي في الشرق الأوسط تغييرًا جذريًا. من هذا المنطلق، فإن الشعور بخيبة الأمل الذي يُصاحب النقاش العام في إسرائيل مفهوم تمامًا.

ومع ذلك، يُعاني النقاش العام حول مذكرة التفاهم من مشكلة أخرى. كثيرًا ما يُدار الأمر وكأنه مواجهة شخصية أو سياسية بين القدس وواشنطن، أو بين نتنياهو وترامب، أو بين حكومات ذات توجهات مختلفة فحسب. هذا ليس تحليلًا كافيًا للوضع.

لا ينبع الخلاف الحالي أساسًا من علاقات شخصية، أو نزوة سياسية، أو تغيير مفاجئ في موقف الولايات المتحدة تجاه إسرائيل. بل ينبع من فجوة أعمق، فجوة لطالما رافقت العلاقات بين الدول الصغيرة والقوى العظمى عبر التاريخ.

تنظر إسرائيل والولايات المتحدة إلى الواقع نفسه، وتريان التهديدات نفسها إلى حد كبير، لكنهما تفسرانها من خلال منظورين استراتيجيين مختلفين تمامًا. تنظر إسرائيل إلى الشرق الأوسط من داخله، بينما تنظر إليه الولايات المتحدة من داخل نظام عالمي أوسع بكثير.

لفهم مذكرة التفاهم، علينا أولًا فهم هذه الفجوة. ولعل من المفيد البدء بسؤال مختلف: هل ينبع الإحباط من مضمون الاتفاق، أم من الفجوة بين ما كنا نأمل حدوثه وما كان مرجحًا حدوثه أصلًا؟

في الأشهر الأخيرة، ترسخ في إسرائيل توقع واسع النطاق بأن الضغط العسكري والاقتصادي والسياسي على إيران سيؤدي إلى سلسلة من النتائج الحاسمة. تمنى البعض انهيار النظام، وتوقع آخرون انتفاضة شعبية أو انقلابًا داخليًا، بينما اعتقد كثيرون أن إيران ستُجبر في النهاية على قبول شروط استسلام سياسي تُفضي إلى تفكيك برنامجها النووي بالكامل. ومع تقدم الحرب، لم تعد هذه الخيارات مجرد سيناريوهات محتملة في نظر بعض الرأي العام، بل أصبحت نتيجة شبه حتمية.

لهذا السبب تحديدًا جاءت ردة الفعل على مذكرة التفاهم قاسية للغاية. ليس لأنها غامضة، بل لأنها بعيدة كل البعد عن الصورة التي رسمها الكثيرون لأنفسهم عن كيفية انتهاء الحرب. فبينما انصب اهتمام إسرائيل على كيفية دفع إيران إلى نقطة انهيار جديدة، بدأ اهتمام واشنطن يتزايد حول كيفية إنهاء الأزمة دون خلق أزمة أكبر.

من وجهة نظر القيادة الأمريكية، لم تكن القضية الإيرانية يومًا قضية معزولة. شملت هذه القضية استقرار سوق الطاقة، وحرية الملاحة في الخليج، وأسعار المواد الغذائية، وحالة الاقتصاد العالمي، والعلاقات مع دول الخليج، وقائمة طويلة من المصالح العالمية الأخرى. وكلما طالت الأزمة، ازدادت حدةً. ويسود شعور في واشنطن بأنه حتى وإن حقق الضغط على إيران إنجازات مهمة، فإنه بدأ يُولّد مخاطر متزايدة.

ومن هنا أيضاً ينبع أحد أهم مصادر سوء الفهم في النقاش العام في إسرائيل. إذ يُحلل الكثيرون مذكرة التفاهم كما لو كانت اتفاقاً نووياً في المقام الأول. في الواقع، هي في الأساس اتفاق يهدف إلى استقرار نظام دولي بدأ يتدهور.

 مفارقة النصر: عندما يصبح انهيار العدو تهديدًا

لقد كان أحد أسباب خيبة أمل الكثيرين في إسرائيل من الحملة هو الفجوة بين قدراتنا العسكرية التي كُشِف عنها خلالها والطريقة التي استُخدمت بها. فقد اعتقد البعض أنه لو اتُخذ قرار استخدام قوة عسكرية غير مسبوقة، لكان من الصواب توسيع نطاق الهجوم ليشمل ما هو أبعد من البرنامج النووي والأصول العسكرية، واستهداف المراكز الاقتصادية والبنية التحتية التي يعتمد عليها النظام الإيراني.

من هذا المنظور، كان من المرجح أن يؤدي إلحاق ضرر طويل الأمد بقطاع الطاقة والبنية التحتية للدولة ومصادر دخل النظام الرئيسية إلى تقويض قدرته على التعافي، وتعميق الشرخ بينه وبين الشعب، وتسريع وتيرة التغيير الداخلي. ربما كان هذا هو السبيل الوحيد لتحويل إنجاز عسكري باهر إلى تغيير استراتيجي عميق ودائم. ومع ذلك، لا يقتصر السؤال على ما كان يُمكن فعله فحسب، بل يتعداه إلى الثمن الذي كانت واشنطن مستعدة لدفعه مقابل ذلك.

وهنا أيضًا، برزت إحدى نقاط التوتر الرئيسية بين الرؤيتين الإسرائيلية والأمريكية. لقد علّمت التجارب المتراكمة على مدى العقود الأخيرة واشنطن أن ليس كل انهيار للعدو يُعدّ بالضرورة نصرًا. فقد أظهرت تجارب العراق وليبيا وأفغانستان كيف يمكن لانهيار النظام أن يتحول بسرعة إلى أزمة إقليمية واسعة النطاق، تتطلب سنوات من التدخل الخارجي، واستثمار الموارد، وإدارة مستمرة لعدم الاستقرار.

وبهذا المعنى، لا يقتصر قلق الولايات المتحدة على قدرة إيران على إلحاق الضرر فحسب، بل يشمل أيضًا العواقب المحتملة لضعفها.

وربما تكون هذه إحدى المفارقات الكبرى للحرب الحديثة. يسعى الغرب إلى هزيمة أعداء لا يفرضون على أنفسهم أي قيود أخلاقية أو قانونية أو إنسانية تقريبًا، بينما يفرض في الوقت نفسه قيودًا متزايدة الصرامة على نفسه. ويبدو أن هذه القيود تُصعّب أحيانًا تحقيق النصر. من جهة أخرى، تُظهر التجربة التاريخية أن إزالتها قد تُحدث فوضى تتجاوز تكلفتها الاستراتيجية فائدة النصر نفسه.

ولفهم هذا المنطق فهمًا كاملًا، لا بد من النظر إلى ما هو أبعد من إيران.

يفترض جزء كبير من النقاش في إسرائيل أن القضية الإيرانية هي محور التفكير الاستراتيجي الأمريكي. لكن من وجهة نظر الولايات المتحدة، لا تُمثل إيران سوى جزء من صورة أوسع بكثير.

يميل المؤرخون إلى التركيز على ذروة صعود الإمبراطوريات وسقوطها، لكن في كثير من الأحيان يبدأ التآكل قبل لحظة الانهيار بزمن طويل. يبدأ عندما تنجح قوة ما في حل أزمة محلية تلو الأخرى، لكنها تفشل في إدراك أن التحدي الحقيقي يتطور في مكان آخر.

هذا ما حدث لبريطانيا في أوائل القرن العشرين. لم تنهار بسبب فشلها في صراع واحد أو خسارتها معركة واحدة. بل نجحت في معظم المجالات. حافظت على طرقها التجارية، وحمت مصالحها، وأدارت إمبراطورية مترامية الأطراف. لكن بينما كانت لندن منشغلة بإدارة أزمات الحاضر، تحولت مراكز القوة المستقبلية تدريجيًا نحو الاقتصاد الأمريكي والتصنيع الألماني.

حتى التجربة الأمريكية نفسها تركت ندبة عميقة. انتهت الحربان في العراق وأفغانستان دون أن تُشكلا تهديدًا وجوديًا للولايات المتحدة، لكنهما أوضحتا مدى سهولة الدخول في حرب ومدى صعوبة الخروج منها. عقودٌ من استثمار الموارد، والاهتمام الوطني، والتدخل السياسي، تركت بصمةً عميقةً على التفكير الاستراتيجي في واشنطن. من هذا المنطلق، يبرز التساؤل حول التكلفة طويلة الأمد للنصر، وكيفية التعامل مع الواقع الذي سيترتب عليه. هذا هو تحديدًا الخوف الذي يُقلق عددًا متزايدًا من صُنّاع القرار الأمريكيين، من أن الانشغال المُستمر بإيران والشرق الأوسط سيُشتت تركيزهم استراتيجيًا.

لا تزال الولايات المتحدة تعاني من آثار الشرق الأوسط.

من وجهة نظر إسرائيل، تُمثل إيران تهديدًا استراتيجيًا بالغ الخطورة. لكن من وجهة نظر الولايات المتحدة، حتى وإن كانت إيران خطيرة، فهي ليست التحدي الذي سيُحدد موازين القوى في القرن الحادي والعشرين. تكمن هذه التحديات الاستراتيجية في مكان آخر: في التنافس مع الصين، وفي سباق الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والطاقة، وسلاسل التوريد، والتقنيات التي ستُحدد بنية القوة العالمية في العقود القادمة.

 هنا تحديدًا تبدأ الفجوة بين القدس وواشنطن.

من وجهة نظر إسرائيل، يتمحور السؤال الرئيسي حول ما إذا كانت قد أُتيحت فرصة تاريخية للإطاحة بالنظام الإيراني، أو على الأقل تقريب سقوطه بشكل ملموس. أما من وجهة نظر الولايات المتحدة، فيتمثل السؤال في ثمن استغلال هذه الفرصة.

لذا، حتى مع ممارسة ضغط عسكري غير مسبوق على إيران، وضع الأمريكيون لأنفسهم حدودًا واضحة. لم يكونوا مستعدين للانجرار إلى وضع يؤدي فيه مسار الإطاحة بالنظام إلى دمار واسع النطاق للبلاد نفسها، أو انهيار مؤسساتها، أو انخراط الولايات المتحدة في عملية إعادة إعمار مطولة لآثار الحرب. من وجهة نظر إسرائيل، قللت هذه القيود من إمكانات الحملة. أما من وجهة نظر الولايات المتحدة، فقد كانت جزءًا لا يتجزأ منها.

 أهمية لبنان بالنسبة للولايات المتحدة

يمثل لبنان حالةً مختلفةً تماماً. فبينما يدور النقاش بالنسبة لايران حول كيفية التعامل مع النظام نفسه، وما هو الثمن المناسب الذي يجب دفعه لإحداث تغيير سياسي جذري، فإن الهدف الأمريكي في لبنان مختلف تماماً. فبالنسبة لواشنطن، حزب الله هو المشكلة، والدولة اللبنانية جزء من الحل. أما من وجهة النظر الإسرائيلية، فقد أتاح ضعف حزب الله وتراجع نفوذ المحور الإيراني في لبنان فرصةً نادرةً لإحداث تغيير جذري في النظام السياسي اللبناني. ويعتقد البعض في إسرائيل أن زعزعة النظام القائم هي السبيل الوحيد لتمكين لبنان من التحرر تدريجياً من قبضة إيران وبناء واقع جديد.

لكن واشنطن تنظر أيضاً إلى لبنان اليوم كقصة نجاح هشة يجب الحفاظ عليها. فللمرة الأولى منذ سنوات عديدة، باتت بيروت تتمتع برئيس ورئيس وزراء يُنظر إليهما في الغرب على أنهما براغماتيان، وذوي خبرة سياسية، ومنفتحان على التعاون مع الولايات المتحدة وأوروبا. بالنسبة لواشنطن، فإن الحكومة اللبنانية الحالية ليست جزءاً من المشكلة، بل جزءاً من الحل.

من هنا أيضاً ينبع بعض الضغط الأمريكي للحد من نطاق القصف الإسرائيلي على بيروت والأضرار التي لحقت بمؤسسات الدولة اللبنانية. فمن وجهة نظر إسرائيل، كان من الممكن أن يؤدي هجوم أوسع نطاقاً إلى تسريع تآكل حزب الله وتفكيك النظام السياسي الذي سمح له بالازدهار. أما من وجهة نظر الولايات المتحدة، فكان من الممكن أن يقوض هذا العمل الحكومة اللبنانية التي تتمتع بأعلى إمكانات التعاون مع الغرب منذ سنوات عديدة.

ما يُنظر إليه في القدس على أنه امتداد للضغط على حزب الله، قد يُنظر إليه في واشنطن على أنه هجوم على الهيئة الوحيدة المفترض أن تدير لبنان في اليوم التالي لضعف حزب الله أو حتى انهياره.

لا تزال ذكرى العراق بعد عام 2003 وأفغانستان حاضرة بقوة في الفكر الأمريكي. بعبارة أخرى، بينما يرى البعض في إسرائيل أن انهيار النظام القديم شرط ضروري لظهور نظام جديد، يخشى الأمريكيون أحياناً أن يصبح الانهيار نفسه هو الحدث الرئيسي، وأن النظام الجديد لن يظهر أبداً. بالنسبة لهم، يكمن السؤال في كيفية إضعاف العدو. يجب أيضًا التساؤل عمّن سيملأ الفراغ الذي سيخلفه، وما ثمن هذا الفراغ؟

لذا، عندما يتساءل كثير من الإسرائيليين عن سبب عدم اتخاذ الولايات المتحدة موقفًا أكثر حزمًا تجاه إيران، ولماذا لم تمارس ضغوطًا إضافية، ولماذا لم تغتنم الفرصة لزعزعة استقرار النظام، يطرح بعض الأمريكيين سؤالًا مختلفًا تمامًا: هل يُعدّ هذا نصرًا حقًا، إذا وجدت الولايات المتحدة نفسها في نهاية المطاف تتحمل تبعات الانهيار على مدى العشرين عامًا القادمة؟

 ربما يكون هذا أهم تفسير لفهم مذكرة التفاهم

لا يتوهم الأمريكيون أن المشكلة الإيرانية قد حُلّت. بل من المرجح أن كثيرين منهم يرون أنها غير قابلة للحل في الوقت الراهن. إنهم يدركون تمامًا أنماط الخداع والمراوغة والانتهاكات التي يتبعها النظام الإيراني. وهم ليسوا أكثر سذاجة منا. السؤال الذي يشغلهم مختلف: كيف نمنع القضية الإيرانية من أن تصبح مشروعًا لا نهاية له يُورِّط الولايات المتحدة أكثر في الشرق الأوسط، بينما يُدار الصراع على مستقبلها – بصفتها القوة العظمى الرائدة في العالم – في ساحات أخرى؟ تتساءل إسرائيل كيف يمكن استغلال إنجازات الحملة لإبعاد التهديد الإيراني قدر الإمكان. وتتساءل الولايات المتحدة كيف يمكن منع التهديد الإيراني من صرف انتباهها عن التحديات التي ستحدد وجه هذا القرن بأكمله.

اختبار الزمن

قد يكون الأمريكيون مخطئين. وقد نكون نحن أيضًا مخطئين. قد يتضح في غضون سنوات قليلة أن الحذر الأمريكي كان مُبرَّرًا، وقد يتبين أنه فوَّت فرصة تاريخية. هذا نقاش مشروع وهام. ولكن قبل أن نسارع إلى تفسير مذكرة التفاهم بالضعف أو السذاجة أو الإرهاق الأمريكي أو الصراع الشخصي بين القادة، يجدر بنا أن نفهم أن الخلاف الحالي أعمق بكثير.

لم يُسلِّم الأمريكيون ولا ترامب إسرائيل. لا شك أنهم يرغبون في رؤية إيران مختلفة، بل ويأملون في سقوط النظام. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بالنسبة لهم هو: ما الثمن الذي سيدفعونه لتحقيق ذلك؟ وما عواقب انهيار محتمل؟ إنهم يدرسون إيران من خلال مجموعة من الاعتبارات الأوسع نطاقًا، متأثرين بدروس العراق وأفغانستان، وبالمنافسة مع الصين، وبمخاوف التآكل الاستراتيجي طويل الأمد. يمكن للمرء أن يجادل في استنتاجاتهم، لكن من الصعب فهم السياسة الأمريكية إذا اقتصر تفسيرها على الأنا أو الغضب أو العلاقات الشخصية.

في نهاية المطاف، لا يقتصر النقاش حول مذكرة التفاهم على إيران فحسب، ولا على لبنان فحسب، وبالتأكيد ليس مجرد نقاش بين ترامب ونتنياهو. إنه نقاش حول كيفية فهم دولة إقليمية وقوة عالمية للعالم، وأولوياته، ومعنى النجاح الاستراتيجي.

كلما ازداد فهمنا لهذا التباين، كلما تمكّنا من إدارة خلافاتنا مع حليفنا الأهم بعقلانية أكبر، واتخاذ قرارات أفضل، وربما تخفيف حدة الإحباط وخيبة الأمل المصاحبة للنقاش العام هذه الأيام.

في نهاية المطاف، لا يكمن هدف إسرائيل في الموافقة على كل قرار أمريكي، بل في فهم المنطق الذي يحركه. لأنه فقط عندما نفهم وجهة نظر الحليف فهمًا صحيحًا، نستطيع أن نختلف معه بفعالية، ونؤثر فيه، ونمنع أي خلاف استراتيجي من التحول دون داعٍ إلى أزمة علاقات تُرضي أعداءنا.

——————————————

يديعوت 26/6/2026

لا يجب أن ننتظر التهديد التالي: هذه ليست قصة نهاية الحرب ستغير طبيعتها

بقلم: يوسي يهوشع 

في الأسبوع المقبل، سنحتفل بمرور ألف يوم على بداية أطول حرب في تاريخ دولة إسرائيل – حرب بدأت بأسوأ فشل عسكري وأمني شهدته الدولة على الإطلاق في 7 أكتوبر، وفي أضعف حالاتها الاستراتيجية. كان هذا واقعاً كان من الممكن أن يتحول إلى تهديد وجودي من جميع الجبهات. إيران، وحزب الله، والضفة الغربية، وقطاع غزة – كانوا سيتحدون في حرب واحدة في وقت واحد.

لكن الرقم ألف قد يكون مضللاً. حتى لو خفت حدة القتال العنيف، فإن الحرب نفسها لن تنتهي فعلياً. ففي الشرق الأوسط، لا تنتهي الحروب بمراسم استسلام أو اتفاقية سلام تمحو التهديد، بل تتغير أشكالها: فترات من القتال الشرس، وهدنات، وعمليات موجهة، وحرب خفية، وتصعيد متجدد من جانب العدو، ومعارك وعي. إنها ليست قصة نهاية، بل قصة تحول. كل جيل يتولى مسؤولية واقع أمني، ويسعى لتحسينه، ثم يسلمه للجيل الذي يليه في وضع أفضل.

بعد الانهيار، تمكن الجيش الإسرائيلي من استقرار الأوضاع، وبعد بضعة أشهر، شن هجوماً مضاداً. حقق هذا الهجوم إنجازات كبيرة، أبرزها عودة جميع الرهائن من غزة – وهي خطوة لم يتوقعها الكثيرون، وبالتأكيد ليس بشكل كامل، بفضل مساهمة كبيرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. تبع ذلك النصر في عملية “سهام الشمال” ضد حزب الله، وتدمير معظم قدرات الجيش السوري، وإقامة خط جبهة في مرتفعات الجولان. في قطاع غزة، تسيطر إسرائيل على نحو 60 في المئة من أراضي القطاع، وحققت في الوقت نفسه انتصارين عسكريين حاسمين على إيران في عمليتي “الأسد الصاعد” و”زئير الأسد”.

مع ذلك، من المهم التمييز بين مفهومين: النصر والحسم. فقد حققت إسرائيل انتصارات عسكرية باهرة في معظم الساحات، لكن النصر لا يعني بالضرورة الحسم. فالحسم يعني أن العدو قد فقد قدرته أو رغبته في مواصلة القتال مع مرور الوقت، وهذا لم يحدث بعد. صحيح أن حماس وحزب الله وإيران قد تكبدوا ضربات موجعة، لكن لم يستسلم أي منهم. كل منهم يحاول التعافي والتعلم ومواصلة القتال بأسلوب مختلف.

وحتى عندما نجح الهجوم الإسرائيلي، تمكن أعداء إسرائيل، بقيادة إيران، من منع الانهيار العسكري وقلب الموازين سياسياً. فلم ينهار النظام الإيراني، وأُغلق مضيق هرمز دون أن يكون الأمريكيون مستعدين لذلك، وفشلت المفاوضات الدبلوماسية التي قادها ترامب. أدى هذا الفشل إلى تآكل بعض المزايا الاستراتيجية التي حققتها إسرائيل، وأضرّ بقدرتها على الردع ضد دول المنطقة والمنظمات الإرهابية.

مع اقترابنا من اليوم الألف، من الصواب أن نتطلع إلى المستقبل: أين نحن الآن وإلى أين نتجه. والأهم من ذلك، يجدر بنا كسر النمط التاريخي لإسرائيل – دولة تتلقى ضربة قاسية، وتتعلم وتتطور، ولكنها بعد الانتصارات غالباً ما تميل إلى التراخي والركود وتآكل إنجازاتها.

في غزة: دراسة العودة إلى القتال

في الساحة التي بدأت فيها الحرب، تمركزت قوات الجيش الإسرائيلي في خط يوفر حماية أفضل ضد محاولات الغزو المستقبلية. وتواصل القوات تفكيك البنية التحتية تحت الأرض، ومنذ بداية عملية “زئير الأسد”، كثفت هجماتها تدريجياً وعادت إلى إحباط عمليات حماس. ومع ذلك، يلزم توخي الحذر هنا أيضاً.

ربما كان الجيش الإسرائيلي مستعداً جيداً للتهديد السابق – التسلل الإرهابي البري – من خلال التمسك بأراضي العدو. لكن لا ينبغي أن يُفاجأ الجيش بالتهديد القادم: أسراب من الطائرات المسيّرة ذاتية القيادة التي ستنطلق من غزة في محاولة لاختراق مستوطنات الغلاف. فالجيش الذي لا يزال يستعد للحرب السابقة قد يُفاجأ في الحرب القادمة.

في هذه المرحلة، يضغط اللواء يانيف أسور، قائد القيادة الجنوبية، للعودة إلى القتال على نطاق واسع. ويرى أن حماس في وضع ضعيف، بينما حسّن الجيش الإسرائيلي قدراته وأساليبه القتالية، وبالتالي سيتمكن من مواصلة الهجوم المنهجي على التنظيم. في هذه المرحلة، يعجز عن إقناع هيئة الأركان العامة والقيادة السياسية. ترد هيئة الأركان العامة بأن هناك جبهات عمليات في لبنان والضفة الغربية وسوريا، وأن القوة البشرية غير كافية بسبب استنزاف قوات الاحتياط. يقبل نتنياهو موقف الجيش مؤقتًا، لكن عشية الانتخابات، وقبل أن يفي بوعده بهزيمة حماس، يستمر التردد.

في لبنان: تحسّن وضعنا – ولكنه يُضرب مجدداً

في لبنان، الصورة أكثر تعقيداً. فمن جهة، تمكّنت إسرائيل من تفكيك التهديد الرئيسي الذي واجهته عشية الحرب. حزب الله، الذي كان يمتلك نحو 150 ألف صاروخ، هدّد بغزو عبر فيلق الرضوان، وردع إسرائيل حتى عن إخلاء خيمتين نصبتهما على أراضيها. اليوم، لا يملك التنظيم قيادة فعّالة، ولا يملك سوى أقل من عشرة آلاف صاروخ، وتتركز معظم قوته شمال الليطاني. في الوقت نفسه، لا يزال الجيش الإسرائيلي يحتفظ بقوات في عمق لبنان، لكن المفاوضات جارية بشأن خطة انسحاب تدريجية ينسحب بموجبها من نقاط تُحدّد مسبقاً، وينتشر الجيش اللبناني مكانه.

يُصرّح وزير الدفاع بأن إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان، ويتحدث رئيس الوزراء عن البقاء في المنطقة الأمنية. مع ذلك، لا يضمن أيٌّ منهما عدم الانسحاب من الخط الذي يسيطر عليه الجيش الإسرائيلي حالياً، ولا يُوضّحان أين ستمرّ هذه المنطقة الأمنية تحديداً.

في كلتا الحالتين، من الضروري التمييز بين نقاط المرجعية. فمقارنةً بيوم 7 أكتوبر، يُعدّ وضع إسرائيل في لبنان أفضل بكثير. فقد زال خطر غزو قوات رضوان، وأصبح حزب الله أضعف بكثير من قوته عشية الحرب. مع ذلك، وبالنظر إلى الإنجازات التي تحققت مباشرةً بعد عملية “السهام الشمالية”، فقد حدث تراجعٌ ملحوظ: صحيحٌ أن الجيش الإسرائيلي قد عزز وجوده في الأراضي اللبنانية، لكنه فقد حرية العمل الواسعة التي كان يتمتع بها بموجب اتفاق نوفمبر 2024.

في الضفة الغربية: حرب الاستنزاف مستمرة

في الضفة الغربية، تستمر حرب الاستنزاف ضد الإرهاب الفلسطيني والجرائم القومية، إلى جانب مواجهة ظاهرة الإرهاب اليهودي. وقد انخفض حجم الهجمات الدامية بشكل ملحوظ، لكن الإرهاب الشعبي آخذٌ في التصاعد.

  • في ظل وقف إطلاق النار: إيران تعيد بناء البنية التحتية للإرهاب في الضفة الغربية

يؤدي التوسع الاستيطاني وإنشاء عشرات المزارع الجديدة إلى زيادة المساحة التي يتعين على الجيش الإسرائيلي تأمينها، مما يستدعي تعزيز القوات. وبناءً على ذلك، أصدر رئيس الأركان تعليماته بتعزيز فرقة يهودا والسامرة بلواء المظليين، ليصل عدد الكتائب في الجبهة إلى 24 كتيبة قريبًا.

في إيران: تضرر الردع

تتركز إيران في جميع المجالات، ولا سيما في ظل سياسة ترامب.

لقد انتهت العملية العسكرية الضخمة التي نفذها الجيشان الأكثر تقدمًا في العالم بمفاوضات جرت بطريقة سمحت لنظام آية الله – الأكثر تطرفًا وثقة بالنفس من أي وقت مضى – باستعادة بعض مكانته وتقديم نفسه على أنه المنتصر. عسكريًا، تلقت إيران ضربة قاسية، وانهار حاجز الخوف من أي عمل إسرائيلي مباشر ضدها. لكن على صعيد الوعي والسياسة، نجحت في ترسيخ سردية المقاومة، بل وحتى النصر.

إن عجز إسرائيل عن التصرف بحرية كما كانت تفعل سابقًا في لبنان، وسماح إيران لنفسها بإطلاق صواريخ على إسرائيل، ودراسة الولايات المتحدة لأي رد إسرائيلي محتمل، كلها مؤشرات على تراجع قوة الردع الإسرائيلية، وهو ما يلاحظه العالم أجمع. كما أن تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جيه. دي. فانس، وتصريحات ترامب نفسه، فضلًا عن تقارب ترامب مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، تستدعي إعادة النظر في الواقع الاستراتيجي.

المعنى واضح: الولايات المتحدة هي الحليف الأهم لإسرائيل، لكنها لا تتصرف بدافع الصداقة بل بدافع المصالح. لذا، يجب على إسرائيل ضمان أن تُلزم المصالح الأمريكية واشنطن بمواصلة دعمها، من خلال حوار مباشر ومستمر واستراتيجي بين نتنياهو وترامب.

في الوقت نفسه، لا مفر، في مرحلة ما، من اتخاذ إجراءات لاستعادة قوة الردع المتآكلة، إلى جانب عملية بناء قوة مستقلة. كما يجب على إسرائيل الاستعداد لسيناريو فرض قيود أمريكية أو حظر على الأسلحة. رغم عدم وجود بديل حقيقي حاليًا للمنصات الجوية الأمريكية، إلا أن إسرائيل قادرة على تعزيز استقلالها بشكل كبير في مجالات التسليح، والطائرات المسيّرة، والأنظمة غير المأهولة، والحرب الإلكترونية، والفضاء السيبراني، والقيادة والسيطرة، والطائرات الاعتراضية، والذخيرة.

وعلى الرغم من تصريحات نتنياهو بشأن خطة تطوير بقيمة 350 مليار شيكل على مدى عقد من الزمن – وهو مبلغ قد لا يكون كافيًا في ضوء التطورات الأخيرة – إلا أنه لم يتم تحويل شيكل واحد إلى منظومة الدفاع لتنفيذها. في الوقت نفسه، لا تزال وزارة الدفاع مدينة للصناعات الدفاعية بنحو 13 مليار شيكل، وهو دين يؤخر توسيع خطوط الإنتاج وبناء القوة اللازمة للواقع الجديد.

تُعلّمنا الألف يوم الأولى من الحرب أمرين يبدوان متناقضين، لكنهما متكاملان. أولهما أن إسرائيل تعرف كيف تنتصر. فمقارنةً بيوم 7 أكتوبر، هي في وضع أفضل في جميع المجالات تقريبًا. أما الدرس الثاني فلا يقل أهمية: لم تنتهِ أي من هذه المجالات. فالأعداء لم يختفوا؛ إنهم يغيرون أساليبهم، ويتعافون، وينتظرون الفرصة التالية. في الشرق الأوسط، النصر ليس نهاية المطاف، بل هو مجرد تهيئة لظروف أفضل للجولة القادمة.

لذا، فإن أهم درس من أحداث السابع من أكتوبر هو أن إسرائيل يجب أن تكون دائماً هي المبادر – تكتيكياً، وعملياتياً، وتكنولوجياً، وسياسياً، واستراتيجياً. لا تنتظر التهديد القادم، بل تُصممه

 مسبقاً. هذه ليست مجرد طريقة لكسب الحرب الحالية، بل هي طريقة لتسليم الراية للجيل القادم في وضع أفضل مما كانت عليه عندما استلمناها.

——————————————

هآرتس 26/6/2026

القضاة في محاكمة نتنياهو.. إنفاذ للقانون أم استمرار في “السيرك السياسي”؟

بقلم: أسرة التحرير

شهادة نتنياهو التي انتهت هذا الأسبوع كانت اختباراً كبيراً لقضاته. فهذه هي الشهادة الأولى في تاريخ الدولة لمتهم هو رئيس وزراء قائم، وكان يتعين على القضاة أن يوازنوا بين الوضعية المستحيلة التي تلقت مصادقة محكمة العدل العليا، والمبدأ الأساس المتمثل بمساواة أمام القانون. شهادته الطويلة التي امتدت بشكل غير مسبوق على مدى سنة ونصف، تثبت أنهم فشلوا في الحفاظ على المساواة أمام القانون.

لا جدال في أن كل متهم ينبغي أن يتلقى يومه في المحكمة. لكن في حالة نتنياهو تلقى 98 جلسة امتدت بشكل متقطع على مدى أشهر طويلة حين كان القضاة يستسلمون لمطالبهم فيلغون عشرات أيام المداولات التي خططت مسبقا.

هذه المعاملة التمييزية التي تلقاها من القضاة لم تمنع نتنياهو من الشكوى على النيابة العامة التي تضيع وقته الباهظ في الاستجواب المضاد. إلى جانب ذلك، وبلا ذرة خجل، خطب مراراً على منصة الشهود، تلك الخطابات إياها التي تتهم النيابة العامة ومحققي الشرطة بحياكة الملفات. وبدلاً من أن يوضحوا له من هو المتهم ومن هم القضاة، سمح القضاة له بالتحدث دون أن يقاطعوا الخطابات مما ساهم في إطالة المداولات.

المحاكمة، التي تجري حتى الآن منذ ست سنوات، تمزق المجتمع الإسرائيلي. لقد أدت إلى تنفيذ انقلاب نظامي، وسمحت لنتنياهو بمواصلة محاولاته لإسكات الإعلام مثلما يمكن أن نرى في قوانين الإعلام التي تجيزها حكومته.

لقد طلب القضاة وعن حق تسريع مرافعة الدفاع، وسمعوا بالتوازي لشهود في صالح نتنياهو لاستغلال أيام المداولات التي لا يشهد فيها. وكانت النتيجة أن طاقم الدفاع عن نتنياهو جر محققين صغار إلى منصة الشهود، بعضهم لم يسبق لهم أن أدلوا بأي شهادة في المحاكم، وأصبحوا أهدافاً لآلة السم في الشبكات الاجتماعية.

نتنياهو ومحاميه، المحامي عميت حداد، أعلنا بأنهما يخططان لاستدعاء سلسلة طويلة من الشهود الكبار، بينهم المستشار القانوني السابق افيحاي مندلبليت، والنائب العام للدولة السابق شاي نيتسان، والمفتش العام السابق للشرطة روني ألشيخ. شهادات من المتوقع أن يدلى بها في الأسابيع التي ما قبل الانتخابات.

مع نهاية الشهادة، أعلن القضاة بأنهم سيسرعون وتيرة المداولات في المحاكمة، وسينتقلون إلى خمسة مداولات في الأسبوع بعد الأعياد. هذه خطوة مباركة، لكن من الصعب التصديق بأنهم سيتمكنون من ذلك. على القضاة أن يبدوا تصميماً ويفحصوا الشهود ذوي صلة بالاتهامات وتحديد أزمنة الاستجواب. والا فإن مرافعات نتنياهو ستستخدم لمواصلة إطالة الإجراء القضائي ومنصة الشهود ستصبح سيركاً سياسياً تتواصل فيه حملة التحريض ضد جهاز إنفاذ القانون.

—————-انتهت النشرة—————–

Share This Article