المسار: ليست الحروب الحديثة مجرد دبابات تعبر الحدود أو طائرات تقصف المدن، بل أصبحت، مشروعاً متكاملاً لإعادة تشكيل حياة الشعوب، وإعادة هندسة، واقعها السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي. وحين يُصبح الإنسان نفسه هدفاً للاستنزاف، تتحول تفاصيل حياته اليومية إلى جزء من معادلة الصراع. حيث لم تعد السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية تقتصر على الإجراءات الأمنية أو العسكرية، بل باتت، تتجه نحو إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، عبر منظومة متشابكة من الإجراءات التي تزيد من تعقيد الحياة اليومية وتحد من قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود. وتمثلت هذه السياسة بعناوينها الثلاث القتل والتهجير والإخضاع.
مع اندلاع حرب الإبادة والتطهير والتجويع في قطاع غزة، وما رافقها من تصعيد عسكري واسع وغير مسبوق لم يقتصر على قطاع غزة بل امتدت تداعياته الى الضفة الغربية، وفي وقت مبكر قبل اندلاع الحرب الهمجية على قطاع غزة شهدت مناطق شمال الضفة وخاصة مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس والفارعة وعقبة جبر … عدة عمليات عسكرية متكررة واجتياحات لكافة المدن وفي المقدمة منها نابلس ، مرة تشنها إسرائيل للقضاء على المقاومة والعمل المسلح والتي نجحت في تدمير المخيمات وتهجير سكانها حتى يومنا هذا ، ومرة أجهزة الأمن الفلسطينية بحجة بسط السيادة على مناطق تخلوا من السيادة الوطنية أصلا الأمر الذي أدى الى تصدعات في النسيج الاجتماعي وتزايد الفرقة السياسية في الشارع الفلسطيني الذي يعاني أصلا من إجراءات الاحتلال وفرض مزيدا من القيود المشددة على الحركة، وإحكام إغلاق مناطق الضفة الغربية بالبوابات الحديدية أدت الى ضغوطاً اقتصادية متزايدة مع حجز المقاصة وقرصنة الأموال سرقة البنوك ومحال الصرافة حتى المنازل عند مداهمتها وإغلاق سوق العمل الإسرائيلي إمام العمالة الفلسطينية وعجز السلطة عن دفع رواتب موظفيها والإيفاء بالتزاماتها ، فضلاً عن تحديات طالت عمل عدد من المؤسسات الأهلية والإنسانية التي تقدم خدماتها للفئات الأكثر هشاشة، بما في ذلك الأسر المحتاجة والأيتام وذوو الإعاقة والتي كانت ذروتها إغلاق العديد من هذه المؤسسات والجمعيات وعدم السماح لها بممارسة تقديم خدماتها . وفي المحصلة، وجد الفلسطيني نفسه أمام واقع تتراكم فيه الأزمات بصورة غير مسبوقة، وواقع متداخل تتقاطع فيه العمليات العسكرية والتوسع الاستيطاني والضم وعربدة المستوطنين، بل والاستباحة الشاملة لعموم مناطق الضفة الغربية وتقويض دور السلطة والقيود على الحركة، والتحديات الاقتصادية، والضغوط التي تمس مؤسسات المجتمع المدني. والنتيجة ليست مجرد أزمة عابرة، بل واقع تتداخل فيه السياسة مع الاقتصاد، والأمن مع الاجتماع، حتى أصبح الفلسطيني يواجه سلسلة متراكمة من التحديات التي تطال حياته وسبل عيشه ومستقبل أسرته. بينما تتراجع أدوات الحماية الاجتماعية والاقتصادية مع غياب أي أفق سياسي وغياب الوحدة الوطنية والإرادة السياسية لدى القيادة وتفردها بإدارة الشأن العام الفلسطيني في ظل تغيب ممنهج لدور المؤسسات الفلسطينية والاكتفاء بنخبة مفصلة على المقاس وعدم رغبتاها بتجاوز هذه الحالة وتلكؤها بالدعوة الى حوار وطني جاد وصياغة رؤية سياسية ووطنية جامعة تمكن الناس من الصمود وتفتح أفاق لحل سياسي.
تكشف التجارب التاريخية أن قدرة المجتمعات على الصمود لا ترتبط فقط بالإمكانات الاقتصادية أو العسكرية، وإنما أيضاً بقوة مؤسساتها، وتماسكها الاجتماعي، وقدرتها على تنظيم مواردها وإدارة أزماتها. ومن هذا المنطلق، فإن التحدي الأكبر الذي علينا مواجهته اليوم لا يقتصر على التعامل مع التداعيات المباشرة للأحداث، بل يتمثل في حماية الجبهة الداخلية من آثار الاستنزاف الاقتصادي والاجتماعي وتجاوز الخلل البنيوي في النظام السياسي الفلسطيني، والحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، وضمان استمرار عمل المؤسسات التي تمثل ركيزة للاستقرار المجتمعي مع ضمان الحد الأدنى من الوحدة الوطنية والمجتمعية لتبقى قادرة على مواجه التحديات الجسام التي تعصف بالكل الفلسطيني. في ظل هذه المعادلة المعقدة، تبدو السلطة الفلسطينية أمام اختبار يتجاوز الإدارة اليومية للشأن العام. فالمطلوب لم يعد مجرد إدارة الأزمة، بل الانتقال إلى إدارة استراتيجية للأزمة، تقوم على إعادة ترتيب الأولويات الوطنية، وتوجيه الموارد المحدودة نحو القطاعات الأكثر تضرراً، وتعزيز برامج الحماية الاجتماعية، ودعم الاقتصاد المحلي، مع تطوير آليات أكثر كفاءة وشفافية في إدارة الموارد. والعمل على بناء شراكة حقيقة في إدارة الشأن العام يتمثل فيها الكل الوطني الفلسطيني.
نعيش اليوم مرحلة حساسة وحرجة ومعقدة تفرض تكثيف الحراك السياسي والدبلوماسي لحشد الدعم الدولي، وضمان استمرار تمويل القطاعات الحيوية، والعمل على حماية المؤسسات المدنية التي تؤدي أدواراً أساسية في المجتمع الفلسطيني. وفي المقابل، تواجه الفصائل الفلسطينية استحقاقاً وطنياً يتمثل في الانتقال من إدارة الانقسام والخلافات إلى إدارة التحديات المشتركة ومواجهتها بتبني سياسات تحظى بالإجماع الوطني وبعيدة عن التفرد والاستحواذ. فالمرحلة الحالية تتطلب تعزيز التنسيق الوطني، وتغليب المصالح العامة، وإيجاد مساحات للعمل المشترك، بما يسهم في دعم صمود المجتمع وتعزيز ثقته بقدرة مؤسساته على تجاوز الأزمة. وفي المقابل، لا تستطيع الفصائل الفلسطينية أن تتعامل مع هذه المرحلة بالأدوات ذاتها التي أدارت بها خلافات العقود الماضية. فالأزمات الكبرى لا تنتظر توافقات مؤجلة. إن اللحظة الراهنة تستدعي إعادة الاعتبار لفكرة الشراكة الوطنية، ليس كشعار سياسي، وإنما كضرورة وجودية. فكل انقسام داخلي يضاعف كلفة مواجهة التحديات، وكل مساحة اتفاق تعزز قدرة المجتمع على الصمود.
اليوم لم يعد مسموح التعامل بردود الأفعال الموسمية، ولا بالحلول المؤقتة التي تعالج الأعراض وتترك الأسباب. ما نحتاجه اليوم هو مشروع وطني شامل لإدارة الصمود الفلسطيني، تتكامل فيه أدوار السلطة، والفصائل، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، والنخب الأكاديمية، والطاقات الشبابية، ضمن رؤية واحدة تعتبر الإنسان الفلسطيني رأس المال الحقيقي الذي يجب حمايته وهذا يتم فقط من خلال حوار وطني شامل ومسؤول يقوم على صياغة رؤية جمعية لمعالجة وتصحيح الوضع القائم.
لعل الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من السنوات الأخيرة هو أن الصمود لم يعد مجرد شعار سياسي يرفع في المناسبات، بل أصبح علماً في الإدارة، والاقتصاد، والسياسات العامة، وبناء المؤسسات. فالمجتمع الذي يمتلك مؤسسات قوية، واقتصاداً أكثر قدرة على التكيف، وشبكات حماية اجتماعية فاعلة، يكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات مهما بلغت حدتها. القضية الفلسطينية كانت، وستبقى، قضية شعب يناضل من أجل حقوقه الوطنية وبسط سيادته الوطنية على أرضه. لكن هذا النضال لا يكتمل إلا بحماية المجتمع الذي يحمل هذه القضية على كتفيه. فحين يضعف المجتمع، تضعف السياسة، ويخسر الاقتصاد، وتتراجع قدرة المؤسسات على القيام بأدوارها. المعركة الحقيقية اليوم لا تدور فقط على الأرض، ولا في أروقة السياسة والدبلوماسية، بل تدور أيضاً داخل المجتمع الفلسطيني نفسه؛ وفي قدرته على الحفاظ على وحدته، وصون كرامة مواطنيه، وحماية مؤسساته، وتعزيز ثقافة التكافل والشراكة. وإعادة إحياء فكرة الشعار القائل شركاء بالدم والمعانة شركاء بالقرار.
في ظل التحولات الكبرى، ربما يكون الانتصار الحقيقي هو أن يبقى المجتمع متماسكاً صامدا على أرضه وفي وطنه، وأن تظل مؤسساته قادرة على العطاء، وأن يحافظ الإنسان الفلسطيني على إيمانه بأن المستقبل، مهما طال ليله، لا يُصنع إلا بإرادة حرة للشعوب، ووحدة صفها، وقوة مؤسساتها عبر شراكة حقيقة لمكونات هذا المجتمع في صياغة رؤيته المستقبلية للخلاص.

