كتب اسماعيل الريماوي/نتنياهو والليكود… معركة البقاء أم بداية الانهيار؟

المسار : لم يعد الصراع داخل حزب الليكود مجرد خلاف تنظيمي حول الانتخابات التمهيدية أو توزيع المقاعد، بل تحول إلى معركة وجودية تهدد بتفكيك الحزب الذي قاد الحياة السياسية الإسرائيلية لعقود، فتهديد بنيامين نتنياهو بالانسحاب من الليكود وتشكيل حزب جديد يعيد إلى الأذهان تجربة أرئيل شارون عام 2005 عندما غادر الحزب وأسس “كديما”، في خطوة أحدثت زلزالاً سياسياً داخل إسرائيل.

 

لكن الفارق بين شارون ونتنياهو أن الأول انشق بسبب خلاف سياسي يتعلق بخطة الانسحاب من قطاع غزة، بينما يأتي تهديد نتنياهو بدوافع شخصية وتنظيمية، هدفها إحكام السيطرة المطلقة على الحزب وضمان استمرار ولاء قياداته له، حتى لو كان الثمن تدمير الليكود نفسه.

 

الأزمة الحالية اندلعت بعدما سعى نتنياهو إلى إلغاء الانتخابات الداخلية للحزب بذريعة ظروف الحرب، ثم عاد ليطرح صيغة تمنحه صلاحيات استثنائية باختيار عدد كبير من المرشحين في مقدمة القائمة الانتخابية، وهو ما يعني عملياً إقصاء عدد كبير من النواب والوزراء الحاليين واستبدال شخصيات أكثر ولاءً له، لذلك جاءت المعارضة من داخل الحزب قوية، لأن المعركة بالنسبة لهم لم تعد سياسية، بل تتعلق بمستقبلهم السياسي وإمكانية بقائهم في الكنيست والحكومة.

 

وفي خضم هذا الصراع، سرّب نتنياهو نتائج استطلاع رأي يفيد بأن أي حزب جديد يقوده سيحصل على عدد كبير من المقاعد، بينما ينهار الليكود من دونه إلى بضعة مقاعد فقط. والرسالة كانت واضحة: “أنا مصدر قوة الحزب، ومن دوني لن يبقى الليكود لاعباً رئيسياً”. إنها ورقة ضغط موجهة إلى خصومه داخل الحزب أكثر من كونها إعلاناً نهائياً عن الانشقاق.

 

غير أن قراءة الأرقام تكشف مفارقة مهمة، فرغم أن نتنياهو يحافظ على قوة انتخابية شخصية، فإن انقسام اليمين سيضعف معسكره بالكامل، ويمنح المعارضة فرصة أكبر لتشكيل حكومة جديدة، وهذا ما يجعل خيار الانشقاق سلاحاً ذا حدين؛ فهو قد يمنح نتنياهو نفوذاً أكبر في مواجهة خصومه داخل الليكود، لكنه قد يكلفه خسارة الحكم إذا أدى إلى تشتيت أصوات معسكره.

 

كما تعكس هذه الأزمة حالة التآكل التي يعيشها اليمين الإسرائيلي بعد سنوات الحرب والأزمات الداخلية، فالخلافات لم تعد تدور حول الأمن أو الاقتصاد أو مستقبل الصراع مع الفلسطينيين، وإنما حول النفوذ الشخصي، وضمان المواقع، والسيطرة على الحزب، الأمر الذي يؤكد أن المصالح الفردية باتت تتقدم على الاعتبارات الحزبية والوطنية حتى داخل الحزب الحاكم.

 

وفي الوقت ذاته، تكشف الأزمة أن الليكود لم يعد الحزب المؤسسي الذي أسسه قادته التاريخيون، بل تحول تدريجياً إلى حزب يدور في فلك نتنياهو، فكل من يعترض على قراراته يصبح مهدداً بالإقصاء، وكل من ينافسه يُتهم بإضعاف الحزب، حتى بات مصير الليكود مرتبطاً بمصير شخص واحد.

 

ويبقى السؤال المطروح: هل يجرؤ نتنياهو فعلاً على تنفيذ تهديده، أم أن الأمر لا يتجاوز كونه ورقة ضغط في معركته الداخلية؟ حتى الآن يبدو أن الهدف هو إخضاع معارضيه وانتزاع تنازلات تمنحه السيطرة الكاملة على القائمة الانتخابية، لكن مجرد طرح خيار الانشقاق يكشف حجم الأزمة التي يعيشها الحزب، ويؤكد أن نتنياهو مستعد للتضحية بالليكود إذا شعر أن الليكود لم يعد يضمن بقاءه في السلطة.

 

إن المفارقة الكبرى أن نتنياهو، الذي أمضى سنوات يقدم نفسه حامياً لليمين الإسرائيلي، أصبح اليوم أكبر مصدر تهديد لوحدة هذا اليمين، فالمعركة لم تعد بين اليمين واليسار، بل بين نتنياهو وحزبه نفسه، وبين

 

زعيم يرى أن مستقبله السياسي أهم من مستقبل الحزب الذي أوصله إلى الحكم، ولذلك فإن الأزمة الحالية ليست مجرد خلاف تنظيمي، بل تعبير عن مرحلة أصبح فيها الولاء للشخص يتقدم على الولاء للمؤسسة، وأصبحت الأحزاب الإسرائيلية، وفي مقدمتها الليكود، رهينة لطموحات قادتها أكثر من كونها مؤسسات سياسية مستقلة.

 

ما يجري داخل الليكود اليوم ليس مجرد خلاف على المقاعد أو آلية اختيار المرشحين، بل هو انعكاس لأزمة قيادة تعيشها إسرائيل بعد أطول حرب في تاريخها الحديث، حيث لم يعد نتنياهو يقاتل فقط للبقاء في رئاسة الحكومة، بل أصبح يقاتل للبقاء على رأس حزبه أيضاً، فالرجل الذي قدّم نفسه لعقود باعتباره الضامن لاستقرار إسرائيل، بات يهدد بتفكيك الحزب الذي أوصله إلى السلطة إذا لم يخضع لقراراته، في مشهد يكشف أن المشروع السياسي لنتنياهو أصبح قائماً على شخصه لا على مؤسسات حزبه.

 

لقد كشفت حرب غزة وما رافقها من إخفاقات عسكرية وسياسية وتراجع في صورة إسرائيل الدولية، أن نتنياهو انتقل من إدارة الدولة إلى إدارة معركة بقائه السياسي، حتى لو كان الثمن تمزيق الليكود وإضعاف معسكر اليمين بأكمله، لذلك فإن التهديد بـ”خيار شارون” لا يعبر عن قوة نتنياهو بقدر ما يعكس حجم المأزق الذي يعيشه، فالقائد الواثق من مستقبله لا يهدد بإحراق سفينته، أما القائد الذي يشعر بأن الأرض تهتز تحت قدميه، فإنه يجعل الحزب والدولة ومستقبل اليمين كله رهينة لمعركته الشخصية من أجل البقاء.

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار 

Share This Article