أبراج الموت الإسرائيلية تلاحق المدنيين في غزة

المسار : المتزايد استهداف المواطنين في المناطق التي يفترضا أنها آمنة في قطاع غزة، بنيران الطائرات العسكرية والطائرات المسيّرة والقناصة الإسرائيليين، في وقت يواصل فيه الاحتلال قتل المدنيين عن بُعد خلال وقف إطلاق النار.

وقبل أقل من أسبوعين من زفاف ابنته، انطلق المواطن خليل المصري مع ابنه الأكبر لإتمام ما كان يفترض أن يكون أحد أسعد الاستعدادات النهائية للعائلة، من أجل دفع ثمن فستان الزفاف الذي اختارته ابنته وتأكيد حجزه في متجر بحي الرمال بمدينة غزة.

وبعد تأكيد الحجز، توقف الاثنان عند محل حلويات قريب للاحتفال، حيث التقيا بصديقين. وبينما كانوا يجلسون معًا على طاولة خارج المحل، اخترقت رصاصة حية رأس المصري، فأفقدته الوعي أمام أنظار ابنه وأصدقائه.

ونُقل الأب البالغ من العمر 43 عامًا، وهو أب لسبعة أطفال، إلى مستشفى الشفاء، لكنه استشهد متأثرًا بجراحه في اليوم التالي، في 14 يونيو/حزيران.

وقال محمود، شقيق المصري، لموقع “ميدل إيست آي” البريطاني: “لقد كانت صدمة كاملة. كان سعيدًا جدًا ويضحك مع أصدقائه. طلب حلوى، لكن الرصاصة اخترقت رأسه قبل أن يتم تقديم الطلب”، مضيفا “تحول حفل الزفاف إلى جنازة”.

والتقطت كاميرا مراقبة عند مدخل المتجر الحادثة، التي لم تكن حالة معزولة، إذ وقعت وسط تصاعد وتيرة إطلاق النار الإسرائيلي الذي يستهدف المدنيين الفلسطينيين في مناطق مختلفة من قطاع غزة خلال الأسابيع الأخيرة.

وقال محمود إن إطلاق النار جاء من الشرق، مرجحًا أن يكون مصدره إما طائرة إسرائيلية رباعية المراوح أو برج مراقبة عسكري.

وأضاف أنه كانت هناك طائرة رباعية المراوح في المنطقة قبل إطلاق النار على شقيقه، كما كانت هناك رافعة عسكرية في الاتجاه نفسه داخل المنطقة الصفراء، على بعد نحو 1.7 كيلومتر.

القتل من الأعلى

تشبه الرافعات العسكرية أبراج مراقبة مجهزة بالرشاشات، أنشأها الجيش الإسرائيلي داخل المناطق التي يحتلها بالقرب من الخط الأصفر، وهي منطقة كان من المتوقع أن تسيطر عليها دولة الاحتلال بصورة مؤقتة خلال المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار، لكنها رفضت التخلي عنها والانسحاب الشامل.

ولم تمض دولة الاحتلال قدمًا في المرحلة الثانية من الاتفاق، التي تتطلب انسحابها، فيما باتت تسيطر على أكثر من 60% من مساحة قطاع غزة.

وتستخدم الرافعات لرفع الأسلحة ومعدات المراقبة فوق مستوى سطح الأرض، ما يتيح تغطية بصرية واسعة لمساحات شاسعة والقدرة على فتح النار على مناطق

وبحسب المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، نشر الجيش الإسرائيلي هذه الهياكل في 23 موقعًا مختلفًا داخل المنطقة الصفراء في شرق قطاع غزة.

استهداف ممنهج للمدنيين

في اليوم نفسه الذي أطلق فيه النار على المصري، أصيب خمسة فلسطينيين آخرين على الأقل بنيران إسرائيلية في حي آخر وسط مدينة غزة.

وكان من بينهم الطالب الجامعي محمد أبو حصيرة، البالغ من العمر 19 عامًا، الذي كان يسير في شارع الوحدة عندما فتحت القوات الإسرائيلية النار، وفقًا لشهود عيان.

وقال الشهود إنهم لم يتمكنوا من تحديد ما إذا كانت الطلقات قد صدرت من طائرة رباعية المراوح مسلحة أو من برج مراقبة عسكري إسرائيلي.

وقال خالد عم أبو حصيرة، إن محمد كان في طريقه إلى المنزل عائدًا من النادي الرياضي نحو الساعة السابعة مساء، عندما فتح الجيش الإسرائيلي النار فجأة، ما أدى إلى إصابته وإصابة عدد من المارة.

وأصيب أبو حصيرة برصاصة في بطنه، فيما سارع الأهالي إلى نقله والجرحى الآخرين إلى المستشفى. ونُقل على كرسي متحرك بسبب عدم وجود سيارات، لكن الأطباء لم يتمكنوا من إنقاذه بعدما فقد كمية كبيرة من الدم.

وكان أبو حصيرة قد أنهى لتوه الفصل الدراسي الثاني في الجامعة، بعدما تمكن من إنهاء دراسته الثانوية وسط حرب الإبادة، والتحق ببرنامج هندسي في إحدى جامعات غزة.

وقال عمه: “كان ذكيًا وصبورًا ومخلصًا لوالديه دائمًا. شعرت والدته بصدمة كبيرة عندما تلقت الخبر، لكن والده كان أكثر حزنًا. كان محمد ابنه البكر وأحب أبنائه إليه”.

وأضاف أن محمد نجا من الهجمات الإسرائيلية المدمرة طوال حرب الإبادة التي استمرت عامين ونصف العام، ورفض مغادرة مدينة غزة أو النزوح إلى الجنوب، وتمكن من البقاء على قيد الحياة خلال أسوأ مراحل الحرب.

وتابع: “لكنه قُتل خلال فترة وقف إطلاق النار بواسطة طائرة رباعية المراوح أو رافعة”.

استهداف المناطق الآمنة

لا تمثل الرافعات والطائرات المسيّرة سوى اثنتين من الوسائل العديدة التي يواجه بها الفلسطينيون الموت في قطاع غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول.

وفتحت الدبابات والقناصة الإسرائيليون المنتشرون داخل المنطقة الصفراء النار مرارًا على المشاة والخيام المؤقتة في ما يسمى بالمناطق الآمنة، ما أسفر عن استشهاد وإصابة عشرات الفلسطينيين خلال الأشهر الثمانية الماضية.

وبعد يوم واحد فقط من إطلاق النار على المصري وأبو حصيرة، اخترقت رصاصة إسرائيلية رأس أمير البشيتي، البالغ من العمر 13 عامًا، بينما كان داخل خيمته المؤقتة في خان يونس جنوب قطاع غزة.

وقال عماد البشيتي والد أمير، إن ابنه كان يلعب مع أبناء عمومته وأصدقائه خارج الخيمة نحو منتصف الليل، قبل أن يطلب منه الدخول والنوم بسبب أصوات الدبابات وإطلاق النار في المنطقة.

وأضاف أن أمير دخل إلى الخيمة حاملًا بطانيته، وأصر على إخبار والده بقصة قبل النوم، لكن رصاصة إسرائيلية أصابت رأسه وخرجت من رقبته أمام والديه وإخوته قبل أن يتمكن من إنهاء حديثه.

وقال والده: “لم تكن رصاصة عادية، بل كانت رصاصة متفجرة. سمعت صوت انفجارها بعد أن اخترقت رأسه”.

وأضاف: “سقط على الأرض وتقيأ دمًا. ژ لى ىولجأوا إلى منطقة بطن السمين في خان يونس، وهي منطقة آمنة نسبيًا لجأ إليها عشرات الآلاف من النازحين.

واشتد الاستهداف الإسرائيلي للمدنيين خلال الأسابيع الأخيرة، مع تزايد أعداد الشهداء والجرحى في مناطق تقع خارج الخط الأصفر، بما في ذلك المواقع المصنفة آمنة بموجب اتفاق وقف إطلاق النار.

وفي يوم الجمعة وحده، استشهد طفل فلسطيني وأصيب فلسطينيان آخران من عائلة طوطح عندما ألقت طائرة إسرائيلية رباعية المراوح قنبلة عليهم أثناء جمعهم المياه شرق مدينة غزة.

وفي اليوم نفسه، استشهد فلسطيني آخر بنيران إسرائيلية شرق دير البلح وسط قطاع غزة.

ومنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول، استشهد ما لا يقل عن 1072 فلسطينيًا وأصيب 3463 آخرون في قطاع غزة.

وبلغ عدد الشهداء جراء الهجمات الإسرائيلية على غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 ما لا يقل عن 73,098 شخصًا، فيما لا يزال آلاف آخرون في عداد المفقودين ويُفترض أنهم لقوا حتفهم تحت الأنقاض.

وقال عماد البشيتي: “من يسمي هذا وقف إطلاق نار يتجاهل ما يحدث على أرض الواقع. إنه ليس وقفًا لإطلاق النار، بل هو استمرار لإطلاق النار”.

Share This Article