المسار : لم تعد قضية الصحفية الفلسطينية سمية جوابرة مجرّد ملف قضائي ينتظر الحسم، بل تحوّلت إلى تجربة إنسانية قاسية تمتد منذ أكثر من عامين ونصف، بعدما أبقت المحكمة العسكرية الإسرائيلية محاكمتها معلّقة، وأجّلت جلستها الأخيرة إلى الثاني والعشرين من أيلول/سبتمبر المقبل. بالنسبة لسمية، لم يكن التأجيل قرارًا إداريًا، بل تمديدًا لمعاناة يومية تعيشها داخل منزلها في نابلس تحت واحدة من أطول حالات الحبس المنزلي التي تواجهها صحفية فلسطينية منذ اندلاع الحرب على غزة.
سمية، البالغة من العمر 35 عامًا، لم تعد تقيس الزمن بالأشهر، بل بالمناسبات التي غابت عنها، والأبواب التي لم تستطع عبورها، والأيام التي مرّت وهي تراقب العالم من نافذتها فيما بقيت حياتها معلّقة بقرار قضائي لم يصدر بعد.
بدأت القصة في الرابع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2023، حين اعتُقلت وهي حامل في شهرها السابع، بعد حملة تحريض استهدفتها عبر قناة يديرها مستوطنون على تطبيق “تلغرام”. وبعد أيام من الاحتجاز في سجني “هشارون” و”الدامون”، أُفرج عنها بشروط حوّلت الإفراج إلى شكل آخر من الاحتجاز: منع كامل من مغادرة المنزل، وحظر استخدام الهاتف المحمول والإنترنت، وكفالات مالية وغرامات باهظة، مع إلزام زوجها ووالدتها بالإشراف على تنفيذ القيود.
يقول زوجها طارق يوسف لـ”قدس برس” إن أصعب ما في التجربة ليس فقدان الحرية فقط، بل الشعور بأن الحياة تمضي بينما تبقى سمية في المكان ذاته. ويضيف أن زوجته لم تتمكن طوال 32 شهرًا من حضور زفاف إحدى شقيقاتها، ولا مشاركة شقيقتها الأخرى فرحة تخرجها، كما غابت عن والديها خلال فترات مرضهما، وحرمت من جميع الأعياد والمناسبات العائلية، لتتحول كل مناسبة سعيدة أو حزينة إلى ذكرى تعيشها عن بُعد.
ولم يقتصر أثر الحبس المنزلي على حياتها الاجتماعية، بل امتد إلى هويتها المهنية. فالصحفية التي اعتادت العمل في الميدان وجدت نفسها تتابع الاجتياحات والأحداث الكبرى عبر شاشة التلفاز، بعدما كانت تنقلها بنفسها. ويقول زوجها إن أكثر ما كان يؤلمها هو خوفها من أن تفقد مهاراتها الصحفية نتيجة الانقطاع الطويل عن العمل، في مهنة تقوم أساسًا على الحضور الميداني والممارسة اليومية.
اقتصاديًا، ترك غيابها عن العمل أثرًا ثقيلًا على الأسرة التي فقدت أحد مصادر دخلها الأساسية، بينما تتزايد أعباء إعالة أربعة أطفال في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
لكن أكثر ما يوجع العائلة، كما يروي طارق، هو قصة ابنها الأصغر يوسف، الذي كان جنينًا في رحم والدته لحظة اعتقالها، ثم وُلد ليجدها سجينة منزلها، فنشأ خلال عاميه ونصف العام الأولين وهو لا يعرفها إلا داخل الجدران الأربعة.
ورغم بدء جلسات المحاكمة أخيرًا، لا ترى العائلة في ذلك انفراجًا حقيقيًا، إذ لا تُحتسب فترة الحبس المنزلي الطويلة ضمن أي عقوبة قد تُفرض لاحقًا، ما يعني أن سمية قد تواجه السجن أو عقوبات إضافية، رغم أنها أمضت بالفعل ما يزيد على 32 شهرًا محرومة من حريتها.
وبين جلسة مؤجلة وأخرى مرتقبة، تبقى حياة الصحفية الفلسطينية معلّقة بقرار لم يُتخذ بعد، فيما تحوّلت قضيتها بالنسبة لعائلتها من ملف قانوني إلى حكاية إنسانية تختصر معنى الانتظار الطويل، حين يصبح المنزل زنزانة، ويتحوّل الزمن نفسه إلى عقوبة مفتوحة.
المصدر .. قدس برس

