الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

 افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

يديعوت أحرونوت 17/7/2026 

في هذه الأثناء، نحن غير مرغوب فينا: طهران تحاول إبقاء إسرائيل والنقاش النووي خارج الحدث

بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين 

يبدو أن طهران تُبقي عمدا التوتر حول هرمز من خلال تعطيل حركة الملاحة البحرية وتقييدها، بل ومهاجمة عدد منها، وهي خطوة دفعت ترامب إلى إعلان استئناف الأعمال العدائية قبل نحو أسبوع. ويبدو أن هذه هي طريقة إيران لتحويل قضية هرمز، وهي ورقة لم تكن موجودة قبل الحرب، إلى محور الصراع، مع تهميش الملف النووي. وصرّح محسن رضائي، المستشار العسكري للزعيم الإيراني، هذا الأسبوع: “هرمز أهم من عشرات القنابل الذرية، وسندافع عنه”، مضيفًا: “بعد الهجمات الأخيرة، بات من المستحيل الحديث عن صداقة مع أمريكا”.

ويوضح داني سيترينوفيتش، الخبير في الشأن الإيراني ومحور المقاومة: “تُقدّم هذه المناوشة لمحةً مثيرةً للاهتمام عن عملية صنع القرار في النظام القديم الجديد، حيث يلعب الحرس الثوري دورًا مهيمنًا، ولا يملك المرشد الأعلى الكلمة الفصل”. ترى القيادة في طهران في واشنطن عدوًا لدودًا يجب الانتقام منه لاغتيال خامنئي الأب، وهي أكثر ميلًا من أي وقت مضى لاستخدام القوة، لكنها في الوقت نفسه تولي أهمية بالغة للمفاوضات التي تخدم مصالحها. تُظهر طهران تصلبًا في موقفها، وهي مستعدة لتحمل مخاطرة كبيرة بالتصعيد والمواجهة المطولة، لكن طموحها هو العودة إلى المفاوضات بشروط أفضل لها.

يحطم ترامب، المعروف بنشاطه المفرط، الأرقام القياسية هذا الأسبوع. فهو مُحبط من تصلب الإيرانيين، الذين زعم ​​أنهم “يتوقون إلى اتفاق”، ومن الارتفاع المتجدد في أسعار النفط (حوالي 80 دولارًا للبرميل مقارنة بأقل من 70 دولارًا قبل الأزمة)، الأمر الذي يؤثر على حياة المواطنين الأمريكيين. وأعلن هذا الأسبوع أنه سيفرض رسومًا باهظة على السفن العابرة لمضيق هرمز، لكنه تراجع عن ذلك في اليوم التالي، بعد عرض، كما قال، من قادة الخليج لاستثمار المبلغ الذي طالب به في الاقتصاد الأمريكي. خلال ذلك، صرّح ترامب بأن مجتبى خامنئي “تم القضاء عليه بنسبة 90 في المئة”، وأنه يتحقق مما إذا كان الإيرانيون قد نصبوا صواريخ وطائرات مسيّرة في كوبا، وأنه “سيتولى الأمر”، وأنه ترك تعليمات دقيقة حول كيفية توجيه ضربة قوية لطهران في حال تصفيتة.

 على الأقل في هذه المرحلة، يبدو أن ترامب لا يغفل الملف النووي. وفي هذا السياق، برز التركيز هذا الأسبوع على “جبل الفأس”، وهو منشأة سرية منحوتة على عمق 100 متر في جبل من الجرانيت بالقرب من موقع تخصيب اليورانيوم في نطنز. على عكس نطنز وأصفهان وفوردو، لم تُستهدف هذه المنشأة في حملات 2025-2026، ولم يزرها مفتشون دوليون قط. في الأسابيع الأخيرة، رُصد نشاط غير معتاد في الموقع، ربما في سياق تخصيب اليورانيوم. من جانبه، صرّح ترامب: “الموقع هدف محتمل لضربة قوية وكبيرة… سنُدمّر جبل الفأس، على الأرجح قريبًا”. يؤكد سيترينوفيتش على المخاطر الكامنة في الملف النووي في ظل الوضع الراهن، قائلاً: “على عكس خامنئي الأب، الذي أبدى حذراً شديداً في هذا الشأن، من المرجح أن تُقدم القيادة الحالية على مزيد من المخاطر وأن تنظر في إمكانية التقدم نحو امتلاك أسلحة نووية. وقد تُشير التصريحات الأخيرة الصادرة عن مسؤولين كبار في طهران في هذا السياق إلى تحول جذري في تفكير القيادة الجديدة”.

في غضون ذلك، انفجرت هذا الأسبوع فضيحةٌ مُثيرةٌ حول اتصالات الموساد بالرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد – المعروف بتصريحاته المتكررة حول ضرورة تدمير إسرائيل – وذلك في إطار خطةٍ للإطاحة بالنظام في إيران وإقامة نظامٍ جديدٍ يُفترض أن يكون “معتدلاً”. تعزز هذه المعلومات الشكوك حول الأسس الواهية، التي تقترب من الخيال، التي بُنيت عليها أهداف عملية “زئير الأسد”، وتضاف إلى معلومات أخرى حول نية استخدام الميليشيات الكردية ضد النظام في إيران، وتعكس نقصًا حادًا في فهم طبيعة “الآخر”، وهي مشكلة جوهرية ظهرت في 7 أكتوبر، ويبدو أنها لم تُعالج، بل ربما تفاقمت.

كما امتد التوتر الإيراني الأمريكي هذا الأسبوع إلى اليمن. وفي هذا السياق، برز هجوم سعودي غير مألوف على مطار صنعاء، في محاولة لمنع هبوط طائرة إيرانية، تزعم الرياض أنها انتهكت المجال الجوي للحكومة الرسمية في اليمن، التي تخوض صراعًا مع الحوثيين. وكما كان متوقعًا، لم يلتزم الحوثيون الصمت، وهاجموا مطارًا في جنوب السعودية بالصواريخ والطائرات المسيّرة. “يمثل الهجوم انحرافاً معيناً عن النهج الحذر الذي اتبعته الرياض في الأشهر الأخيرة. وقد ينبع هذا من مخاوف بشأن تعميق التدخل الإيراني في اليمن بطريقة تهدد المصالح السعودية، وتتطلب وضع خطوط حمراء، دون المخاطرة بتصعيد واسع النطاق”، كما أوضحت في حديث لها معنا الدكتورة ميخال يعاري، الخبيرة في شؤون الخليج.

يُعدّ الهجوم السعودي استثناءً لا يُمثّل القاعدة، أي الجهد العربي والإسلامي الشامل لمنع تفاقم التصعيد الحالي. ويبذل القطريون والباكستانيون، رعاة مذكرة التفاهم، إلى جانب العمانيين، جهودًا حثيثة لإقناع الولايات المتحدة وإيران بوقف القتال واستئناف المفاوضات. وقد تكبّدت دول الخليج، وكذلك الأردن، ضربات موجعة من الإيرانيين هذا الأسبوع كالمعتاد ردًا على الهجمات الأمريكية، إلا أنها لا تزال تُصرّ على رأيها بأنّ الحفاظ على الوضع الراهن والهدوء في ظل نظامٍ مُتشبّعٍ برغبة الانتقام والثقة بالنفس أفضل من مناوشاتٍ مُستمرةٍ تُقوّضها سياسيًا واقتصاديًا، والتي قد تُتيح لإسرائيل، من بين أمورٍ أخرى، فرصةً جديدةً لمحاولة فرض هيمنتها في المنطقة.

في الواقع، يبدو أن قرار إيران بعدم إلحاق الضرر بإسرائيل مدروسٌ بدقة، ويستند إلى إدراكها أن الانضمام إلى الحملة قد يُفاقم الضرر الذي يلحق بإيران نفسها، ولن يحظى بالضرورة بتأييد شعبي واسع في العالم الإسلامي، والأهم من ذلك، قد يُعقّد الصراع الحالي، الذي يبدو حاليًا “تحت السيطرة”، إلى حدّ إلغاء مذكرة التفاهم الموقعة قبل شهر. كما أن هذا السيناريو، من وجهة نظر طهران، قد يُنقذ نتنياهو من المأزق الاستراتيجي الذي وجد نفسه فيه مؤخرًا عندما أُجبر على قبول أوامر ترامب بإنهاء الحرب ضد إيران من خلال اتفاق مليء بالمشاكل المتعلقة بالقدس وترتيبات غير مُحكمة في لبنان.

يُظهر التصعيد الحالي أن الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة لا يزال قائمًا على أسس هشة وانعدام ثقة عميق بين الطرفين. ومع ذلك، يبدو أن كلا الجانبين لا يرغب في العودة إلى حملة واسعة النطاق ومكثفة، وينظران إلى الصراع الحالي كجزء من المفاوضات السياسية أو استمرار لها، والتي من المرجح أن يعودا إليها بعد الجولة الحالية (التي قد تكون الأولى في سلسلة جولات).

يجب مراقبة إسرائيل عن كثب، وفي حال حدوث تدهور حاد، قد تتمكن من إلحاق ضرر أكبر بالبرنامج النووي – الذي لم يُدمر بعد – مع أنه من المستحسن ألا تُصاحب هذه الفرصة هذه المرة أوهام ضارة بشأن الإطاحة بالنظام، الأمر الذي من شأنه أن يستنزف الموارد ويُحوّل الجهود عن التركيز على البرنامج النووي. وحتى ذلك الحين، يُنصح بعدم مفاجأة الأمريكيين خلال الهجوم، وهي خطوة، كما تعلمت إسرائيل مرارًا منذ 7 أكتوبر، تنتهي بالقوة وتُلحق ضررًا أكبر من النفع.

——————————————

هآرتس 17/7/2026 

نتنياهو يقود الحبكة في الكتاب الجديد عن ترامب. متى سيتم كشف مؤامرات النظام الإسرائيلي؟

بقلم: ألوف بن رئيس تحرير صحيفة هآرتس

يصف كتاب “تغيير النظام” من تاليف الصحافيين الأمريكيين ماغي هابرمان وجونثان سوان، الذي يتناول رئاسة دونالد ترامب الحالية، المسار الذي سلكه الرئيس من بناء حكومة مركزية مطلقة في أمريكا الى الحرب الفاشلة لتغيير النظام في ايران. الشخصية الثانوية التي تقود الحبكة من المقدمة وحتى النهاية هي رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. حسب الكتاب يرى ترامب الزعيم الإسرائيلي محاور مرهق، لكنه وصفه في مقابلته مع المؤلفين بانه “شريك جيد جدا في الحرب”. 

يصور الكتاب نتنياهو على انه مخرب لا يمل، دفع ترامب الى قصف المنشآت النووية الإيرانية ثم الى حرب شاملة. ومثل ترامب، عاد نتنياهو الى موقعه لتشكيل حكومة مركزية، وإلغاء القيود، والحصول على الحق في ممارسة الفساد. في الواقع توجد وجوه تشابه كثيرة بينهما: ازدراء المؤسسات والقوانين، السيطرة على الأحزاب التي تخضع لهما، الاستخدام المدهش لوسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. 

لكن هناك أيضا فرق جوهري بين ترامب ونتنياهو. فالرئيس يتصرف علنا، يجري مقابلات في كل مكان ويتحدث ويغرد بدون انقطاع. ومساعدوه اطلعوا سوان وهابرمان على التفاصيل الدقيقة للمحادثات المغلقة في المكتب البيضوي. والكتاب يشبه عمود نميمة متواصل في صحيفة. ولا يمكن للمراسلين الإسرائيليين الا ان يحسدوا هذه الشفافية، أما رئيس الحكومة فيدير شؤونه في الخفاء، ولا يجري مقابلات في إسرائيل الا مع معجبيه ومحيطه المقرب العصي على الاختراق. حتى المراسلون الذين يعتبرون ابواقه، ويحظون بمحادثات جانبية معه تحت غطاء “مسؤول شرق اوسطي رفيع المستوى، لا يتم اطلاعهم على خبايا مكتبه.

خلال فترة حكومة نتنياهو الحالية شاهدت إسرائيل اضطرابات كبيرة: انقلاب نظامي، هجمات 7 أكتوبر المفاجئة، الحرب متعددة الجبهات في اعقابها، تدمير قطاع غزة، واحتلال أراضي في سوريا ولبنان، وعزلة دولية متزايدة. يتحمل نتنياهو مسؤولية كل هذه الاحداث، لكن تورطه المباشر ما زال غامضا. ولا يعرف الجمهور الا القليل جدا عن آلية اتخاذ القرارات في حكومته.

يميل نتنياهو الى نسب الفضل لنفسه في نجاحات عملياتية مثل اغتيال رئيس حزب الله، حسن نصر الله، او مهاجمة المنشات النووية الإيرانية في السنة الماضية. وقد ظهرت هنا وهناك تفاصيل عن اخفاقاته، في مقابلات ومحادثات جانبية مع مسؤولين امنيين كبار تمت تبرئتهم، وفي تحقيقات مع مساعدي رئيس الحكومة، أو في مواد قدمت في التماسات للمحكمة العليا. ولكن هذه الا تفاصيل جزئية، والوصف المنشور هو قليل وغامض مقارنة بكشف تورط ترامب ودائرته المقربة في “تغيير النظام”.

من الممكن تحديد صندوقين اسودين، تخفى فيها قرارات نتنياهو المصيرية في فترة ولايته الحالية: الانقلاب النظامي والقتل والجماعي والدمار الذي الحقته إسرائيل بغزة في اعقاب هجوم حماس في 7 أكتوبر. في الحالتين النتيجة معروفة، لكن المسار الذي أدى اليها غير معروف. لقد نجح نتنياهو في إخفاء قراراته المصيرية ودائرة شركائه الذين شكلوها. 

لنبدأ بالانقلاب. اطار القصة معروف: تجاهل حزب الليكود النظام القضائي في حملة انتخابات 2022. وعند تشكيل الحكومة تم الإعلان بشكل غير متوقع ان هدفها الأساسي سيكون اصلاح النظام القضائي. قدم وزير العدل ياريف لفين مباديء الانقلاب في 7 كانون الثاني 2023. وتجنب نتنياهو، المتهم بارتكاب جرائم، الخوض علنا في القضية بسبب تضارب المصالح. وقال بعد ذلك انه “سيشارك في الحدث”، لكن مشاكرته بقيت غامضة، ومتجاوزة مجرد ترديد هذه الجملة المبتذلة في الخطاب الإعلامي. 

هذه الرواية غير مقنعة. أولا، لان نتنياهو قام بتعيين لفين المعروف بمواقفه المعارضة لاستقلالية القضاة في المحكمة العليا، في منصب وزير العدل، وليس قاض آخر من حزب الليكود مثل امير اوحانا أو ميكي زوهر. ثانيا، لانه في حزب مركزي مثل الليكود الذي يقوم على عبادة شخصية نتنياهو، ما كان لفين سيتصرف بدون توجيهات من الزعيم. ثالثا، لان القرارات المتعلقة بالانقلاب لم تنته عند انطلاقه في بداية الولاية، فقد قرر شخص ما تجميده عند اندلاع الحرب، وقرر آخر استئنافه بكل القوة في نهاية الولاية.

دائما يتهرب نتنياهو من تحمل مسؤولية القرارات المثيرة للجدل، ويفضل ان تظهر كمبادرات مستقلة من مرؤوسيه أو كاستسلام لضغوط الرئيس ترامب من اليسار، وايتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش من اليمين. كان غيابه في هذا الأسبوع عن التصويت على قوانين دولة الشريعة اليهودية والتهرب من الجيش، أمر معتاد، كما كان امتناعه العلني لقيادة الانقلاب خلال السنوات الثلاثة والنصف الماضية. مع ذلك يصعب تصديق ان نتنياهو اكتفى بالجلوس في مكتبه ومشاهدة لفين وسمحا روتمان ومساعدوهما على الشاشات بدون ابداء أي اهتمام بافعالهما.

ان أي اعلان عن تضارب المصالح يعتبر إشارة للمرؤوسين بان الرئيس له مصلحة في القرارات، وانه يجب عليهم ارضاءه. لكن يصعب تصديق ان نتنياهو اكتفى بالاشارات والتلميحات أو التحريض ضد حركة الاحتجاج. سيكون مثير للاهتمام معرفة كيف ادار الانقلاب في دائرته المقربة، قبل تشكيل الحكومة واثناء فترة ولايتها، ومن همسوا في اذنه، وكيف عبر عن رايه بشان النظام القانوني. هل كشف عن أهدافه النهائية من البداية – وقف محاكمته واضعاف الضوابط والتوازنات في حكمه، أو انه اكتفى بتقديم التوجيه والتشجيع والحث؟  كيف ارسل رسائله الى المنفذين؟.

تشكل مساعي سحق الديمقراطية وإقامة حكم ديني استبدادي بقيادة نتنياهو جوهر النقاش السياسي في إسرائيل، لكن الحدث الذي سيحدد ارثه التاريخي، والذي سيشكل محور أي سيرة ذاتية مستقلة له هو الحرب التي اندلعت بعد هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر. ان مسؤولية نتنياهو عن الفشل ودعمه لتقوية حماس ضد السلطة الفلسطينية، وتجاهل تحذيرات الاستخبارات من اندلاع حرب وشيكة، والصدمة التي اصابته في الأيام الأولى من الحرب، كل ذلك أمور موثقة جيدا، كما تم توثيق معارضته لعودة الرهائن الإسرائيليين في حينه.

لكن لا يعرف الكثير عن كيفية تعامل نتنياهو مع الهجوم الإسرائيلي المضاد في قطاع غزة، الذي قتل فيه الجيش الإسرائيلي عشرات آلاف الفلسطينيين، وهجر الملايين من بيوتهم، واحتل اكثر من نصف القطاع، ودمر مدنه وقراه. ما الذي كان يعرفه في كل مرحلة من مراحل القتل والتدمير؟ هل شجع الجيش على استخدام القوة المفرطة؟ هل كان يهتم أصلا بما يحدث في غزة، أو انه فضل الصمت؟.

  أسباب صمته واضحة. هناك مذكرة اعتقال دولية معلقة بحق نتنياهو (ووزير الدفاع السابق يوآف غالنت)، بتهمة ارتكاب جرائم حرب، وهو يخشى ترك أي اثر قد يستخدم كدليل ضده في المستقبل. وهو ليس لوحده. رؤساء الجيش ورؤساء جهاز الاستخبارات، الذين يتفاخرون بحق بالتحذيرات المبكرة التي قدموها لنتنياهو، يفضلون التقليل من شأن دورهم في حرب يصفها الكثيرون في العالم بالابادة الجماعية. لماذا يورطون انفسهم؟ لقد ايدت المستشارة القانونية للحكومة، وهي مدافعة شرسة عن الديمقراطية داخل الخط الأخضر، تصرفات الجيش ولم ترفع امامه راية القانون الدولي وقوانين الحرب. حتى الرأي العام الإسرائيلي الذي أيد بحماس “الحرب على الإرهاب” ضد الفلسطينيين في غزة، ويخشى مقاطعة دولية وقيود على السفر الى الخارج، لا يظهر أي حماس للكشف عن قرارات تدمير غزة.

ان الصمت حيال غزة يريح الجميع، لكنه ينخر إسرائيل من الداخل ويعزلها عن اسرة الدول المتنورة. مهم ان نعرف، ليس فقط في الدراسات التاريخية المستقبلية، كيف تصرف نتنياهو خلال الحرب: ما هي تعليماته، من كان الى جانبه في اللحظات الحاسمة، وما الذي طمح الى تحقيقه، ولماذا استمر في الهجوم حتى عندما باتت ابعاد الدمار والموت في غزة واضحة للعيان. ما زالت إجابات هذه الأسئلة مجهولة، ويرغب نتنياهو في ان تبقى هكذا، وسيتم لوم الجيش وقادته، بالضبط مثلما القى عليهم كل المسؤولية عن كارثة 7 أكتوبر، وسمح لجهاز اعلامه بتلفيق اتهامات بالخيانة العظمى لكبار مسؤولي الجيش وجهاز الشباك بهدف اسقاط الحكومة. هل اختلق نتنياهو نظرية المؤامرة بنفسه أو انه تواطأ مع ابنه يئير وعضوة الكنيست تالي غوتلب والمتآمرين الآخرين. هذا لغز آخر بحاجة الى حل.

وصف المؤرخ يغئال عيلام في كتابه “منفذو الأوامر” كيف يتم اتخاذ قرارات مصيرية تشكل التاريخ أحيانا بدون توجيه من القيادة، لا سيما عندما تنطوي على انتهاك القانون وجرائم حرب ومظالم أخلاقية. ويرى ان من حق المرؤوسين ان يفهموا وجهة نظر رئيسهم وان يتصرفوا حسب ذلك. دائما تبنى نتنياهو هذا النهج، خلافا لترامب الذي يركز على الذات فقط. مع ذلك، لا يجب تجاهل مسؤولية رئيس الحكومة عن القرارات الحاسمة خلال فترة ولايته، ومن المهم الكشف عن دوره وتصريحاته وأسلوب عمله، كما فعل هابرمان وسوان مع ترامب في كتاب “تغيير النظام”.

——————————————

 

معاريف 17/7/2026 

فترة الانتظار

بقلم: ألون بن دافيد 

الموقف الإيراني العنيد في وجه الهجمات اليومية للقوات الامريكية كفيل بان يضلل: من خلفه تختبىء أزمة اقتصادية عسيرة آخذة في التعمق كل يوم، وصراع سياسي حاد بين رجال النظام القديم لعلي خامنئي وبين الجناح الأكثر تطرفا في الحرس الثوري الذي يمسك في هذه اللحظة بدفة الحكم في طهران. 

وفرت جنازة الزعيم الأعلى الذي صفي بضع اطلالات على الصراع العنيد الجاري حاليا في ايران. فاناس الجناح المتطرف هم الذين أملوا نبرة الاحتفال ونسقوا بعناية الايات القرآنية التي تليت لكل من توجه الى تابوت خامنئي. الوفود التركية، القطرية والسعودية (التي اختارت الظهور في الجنازة بملابس بيضاء) تلقى كل واحد منها آيات تشكك بقوة ايمانها. 

وكانت الذروة عندما توجه الى التابوت حسن الخميني، حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية ومن حدده من الأكثر اعتدالا كخليفة مناسب لخامنئي. فقد حظي بآية تتحدث عن الفرق بين من يضحون في سبيل الايمان وبين من يبقون في بيوتهم. وفهم الخميني الرسالة وسارع الى مغادرة الاحتفال. اما الرئيس الإيراني مسعود بزاشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي فقد حظيا بتجربة اقل تلميحا: جمهور غاضب هاجمهما جسديا، وانقذ الاثنان بصعوبة. 

هل كانت هذه مبادرات محلية أم سياسة يمليها النظام الجديد؟ أجهزة الاستخبارات الغربية تجد صعوبة في رسم سجل تسلسل اتخاذ القرارات في ايران بعد الحرب. فعلى مدى الـ 36 سنة كان هناك مقرر واحد في ايران في كل شأن قومي أو استراتيجي. علي خامنئي كان يلتقي الجنرالات، الوزراء والموظفين ويسلمهم قراراته. 

اما في هذه اللحظة فليس واضحا دوما من يقرر في ماذا في ايران. صلاحيات مجتبى خامنئي مقبولة من كل أصحاب المناصب غير أنهم يكاد لا يحظون برؤيته او بالاتصال به. مجتبى يختبىء في مكان ما، محوط بعصبة مساعدين وهم الذين يترجمون كل هزة رأس الى تعليمات عن السياسة. 

في المجال العسكري فقط يوجد مقرر واحد وواضح الا وهو احمد وحيدي، قائد الحرس الثوري. بمسؤوليته ان يقرر من سيتلقى الرد الإيراني على الهجمات الامريكية. وحيدي ورجاله يرون بالملكية على مضيق هرمز انجازهم اللازم من الحرب الأخيرة، انجاز يمنحهم تفوقا إقليميا ولا نية لهم للمساومة عليه. 

نفذ الإيرانيون هجمات على كل دول المنطقة تقريبا، بما فيها الوسيطتان قطر وعُمان، لكن حتى ساعة كتابة هذه السطور لم يهاجموا السعودية وإسرائيل. شعب لالاستحبارات في الجيش الإسرائيلي تأخذ بالحسبان اطلاق صواريخ من ايران على إسرائيل. 

سلاح الجو ومنظومة الدفاع الجوي عندنا توجد في حالة تأهب عال، محفوظ منذ نهاية حرب الأربعين يوما. 

يهيئون المواقع

يحتمل أن يكون وحيدي يلاحظ شهية القيادة الإسرائيلية لاستئناف الحرب ويفهم بان النار على إسرائيل ستؤدي الى ضربة اشد للاقتصاد الإيراني. وعلى الرغم من الخط الصقري الذي يتصدره، مشكوك أن يكون أعمى بما يجري داخل ايران: نقص في الكهرباء وفي الماء في الصيف الإيراني الحاد هو وصفة للاضطراب الداخلي. وهو يعرف انه اذا هاجم إسرائيل فالرد لن يكون رمزيا. 

وعليه فهو يحسب أيضا حسابا لترميم القدرات التي تضررت في الحرب. ايران تهيىء المواقع النووية لاعادة التفعيل، لكن حتى الان لا تتجرأ على استئناف تخصيب اليورانيوم كما لا تخرج المادة المخصبة المدفونة في ثلاثة مواقع. السؤال الكبير الذي يشغل بال الاستخبارات الإسرائيلية هو هل استأنفت ايران عمل مجموعة السلاح – الهيئة المسؤولة عن تطوير السلاح النووي. حتى الان لم توجد ادلة على ذلك، لكن أحدا في أجهزة الاستخبارات في الغرب لن يتعهد في الا يكون هذا يجري منذ الان في الخفاء.

جهود الاعمار الإيرانية تتركز في هذه اللحظة على استئناف انتاج الصواريخ الباليستية. صحيح حتى اليوم استؤنف جزئيا، ومخزون الصواريخ الإيرانية يقترب من الاعداد التي كانت لديها عشية الحرب الأخيرة. وبالتوازي يوجد جهد عظيم لترميم قدرات الدفاع الجوي. الامريكيون يستهدفون هذا في منطقة المضيق، لكن في باقي ارجاء ايران نصبت منذ الان منظومات جديدة.

هذا الوضع غير المثالي لا يضعف التصميم الإيراني للسيطرة على مضيق هرمز. كما أنهم تلقوا هذا الأسبوع تعزيزا من الرئيس الأمريكي، عندما أعلن دونالد ترامب بانه سيجبي عمولة على العبور في المضيق، الخطوة التي أعطت شرعية للسيطرة على ممر مائي دولي واستخلاص أرباح منه. 

في وابل تصريحات ترامب أيضا التي تتراوح كل ساعة بين استئناف المفاوضات وبين خطوة عسكرية برية في ايران، يمكن الافتراض بان الرئيس على وعي بالضائقة الاقتصادية العسيرة التي تسود هناك. فايران تستصعب الصمود على مدى الزمن تحت عقوبات تفرض على تصدير النفط وامام الاحتكاك الدائم مع الأمريكيين.

وعليه، فان هذا الوضع الذي لا يوجد فيه لا اتفاق ولا حرب، كفيل بان يستمر الى ما بعد الـ 60 يوما التي قررها اتفاق المبادئ قبل شهر، الى ما بعد انتخابات منتصف الولاية في الولايات المتحدة في تشرين الثاني. المعنى بالنسبة لنا هو أن التخوف من استئناف الحرب سيرافقنا نحن أيضا حتى الانتخابات المصيرية في شهر أكتوبر.

——————————————

 

هآرتس 17/7/2026 

بين الضفتين: ترامب حبيس بين هرمز وباب المندب، وايران لا تعرص سلما

بقلم: تسفي برئيل محلل الشؤون العربية في صحيفة هآرتس

“ان سبيل النصر وتحقيق حقوق الامة في هذه الحرب يكمن في العمل وفقا لتوجيهات القيادة وخارطة طريق دقيقة تقوم على المقاومة والعقلانية والاستخدام الأمثل لكل القدرات الامنية والدبلوماسية لفرض ارادتكم على العدو وتقليل الاضرار الاقتصادية للحرب على الشعب”، هذا ما قاله محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان ورئيس فريق التفاوض الإيراني في يوم الثلاثاء، في بيان مطول وبليغ حافل بالدعوات الى “الوحدة والاتزامن”، و”طاعة القيادة” والتوصية بعدم الاستماع الى الأصوات التي تسعى الى بث الفرقة والخوف. وقد وصف قاليباف التحديات التي يواجهها النظام والشعب حاليا، وكانت له أيضا رسالة شخصية.

“لقد كرست حياتي لمحاربة العدو. لا اخشى الحرب مع العدو أو الافتراء أو التهديد أو الدمار، وأريد الانضمام الى أصدقائي وقادتي في هذا الدرب”، قال. تشير هذه الاقوال بوضوح الى صراعات النفوذ الدائرة علنا منذ أسابيع بين الأقطاب الراديكالية المعارضة للمفاوضات، أي مفاوضات مع الولايات المتحدة، وبين الجهات الساعية الى العودة الى طاولة المفاوضات، بمن فيها قاليباف نفسه. لا يقتصر هذا التنافس على المستوى السياسي والإعلامي فقط، بل يملي أيضا مكان اطلاق الصواريخ ومن تستهدفها ومتى، والاهم من كل ذلك من يصدر الامر.

على سبيل المثال ليس من الواضح من قرر مهاجمة القواعد العسكرية الامريكية في عُمان في يوم الاحد، بعد وقت قصير من مغادرة وزير الخارجية عباس عراقجي للعاصمة مسقط في اعقاب نقاش مطول حول الترتيبات المحتملة لحل ازمة الملاحة في مضيق هرمز. هل كان هذا قرار المجلس الأعلى للامن القومي برئاسة محمد باقر ذو القادر، خليفة علي لاريجاني الذي اغتيل في آذار؟ وهل يعرف وزير الخارجية حتى بوجود نية للهجوم؟ هل يتم ابلاغ قاليباف مسبقا بكل قرار يتخذه الحرس الثوري، حتى وهو ينشغل بمهمة دبلوماسية حساسة؟.

الأهم من ذلك هو أين مجتبى خامنئي الذي يتحدث قاليباف باسمه؟ ليس هو وحده، بل ان خصومه أيضا يستخدمون اسم المرشد الأعلى أو تصريحات منسوبة اليه لتاكيد صحة مزاعمهم ضد بعضهم البعض. يكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في إدارة النزاعات المسلحة الدائرة بين الولايات المتحدة وايران.

حسب قاليباف، تعتبر هذه النزاعات جزء من سياسة الرد و”عدم الخوف” في مواجهة القوة الهائلة للولايات المتحدة، لكنها أيضا عنصر ضروري في إدارة الصراع الدبلوماسي. “يتم تحديد الخط الفاصل بين الحرب والتفاوض مع العدو بناء على المصالح الأمنية والمصالح الوطنية، ويعهد للمرشد الأعلى والقائد الأعلى بتحديد استخدام كل أداة من هذه الأدوات وفقا لمتطلبات الزمان والظروف”. وأوضح قائلا: “نحن جميعا ملزمون بالسعي نحو الحرب أو الدبلوماسية أو الاثنان، وفقا للمهمة التي حددها المرشد الأعلى”.

لا يختلف هذا الموقف كثيرا عن موقف الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الذي يهدد بالحاق اضرار جسيمة بالبنى التحتية الإيرانية للكهرباء والطاقة. “الى ان يوافقوا على العودة الى طاولة المفاوضات”. لا يتعلق الامر بتدمير النظام أو “تدمير حضارة ايران”، بل هو وسيلة لاجبار ايران على التفاوض. المفارقة تكمن في ان الطرفين يقران بان مذكرة التفاهم قد فقدت صلاحيتها، ويتهم كل طرف الأخر الطرف الآخر بارتكاب انتهاكات جوهرية مثل تجديد العقوبات الامريكية على ايران وشن الجيش الأمريكي هجمات على اهداف داخل حدودها، في حين يتهم الطرف الإيراني بشن هجمات على ناقلات نفط واهداف أخرى في الدول العربية. لكن استخدام مصطلح “الانتهاكات” بحد ذاته، ربما يشير الى ان الطرفين ما زالا يعتبران مذكرة التفاهم الأساس لأي مفاوضات مستقبلية.

مع ذلك، من الواضح في الولايات المتحدة من يتخذ القرارات، بينما ما زال هذا الامر غامض في ايران. ولهذا الامر اثار عملية على ارض الواقع، حيث تملي الخلافات والمنافسات السياسية تطورات تنفذ بتصعيد الصراع وتدهوره الى حرب شاملة. ومع اضطرار قاليباف للدفاع سياسيا عن أهمية الدبلواسية (“المفاوضات ليست حل وسط، بل جزء من استراتيجية المقاومة”، كما قال)، وللدفاع عن نفسه ضد منتقديه الذين يطالبون باقالته، يصعد الإيرانيون الان تهديدهم باغلاق مضيق باب المندب قبالة سواحل اليمن في حال شنت الولايات المتحدة هجمات على منشآت الطاقة في ايران.

التقرير الذي يفيد بان ايران امرت الحوثيين بالاستعداد لاغلاق المضيق، وان قواتهم انتشرت بالفعل في مواقع تتيح لها مهاجمة السفن، لا يضمن امتثال الحوثيين بالفعل للامر الصادر من طهران، حتى لو صدر. ولكنه يحتم علينا افتراض انهم سيتصرفون على هذا النحو. ولا حاجة للخوض في تفاصيل الاضرار الاقتصادية العالمية المترتبة على ذلك. فهذه التجربة معروفة من الحملة السابقة ضد الحوثيين. 

ستكون الضربة الأولى والرئيسية من نصيب السعودية، التي حولت خط انابيب النفط الذي يمر في المملكة من شرق بقيق وصولا الى مدينة ينبع على ساحل البحر الأحمر، حيث يوجد شريان التصدير الرئيسي. ورغم ان هذا الخط قادر على نقل حوالي 7 ملايين برميل نفط يوميا الا ان محطات التحميل في ينبع لا تستطيع عمليا استيعاب الا 4 – 4.5 مليون برميل كل يوم. نظريا، في حالة اغلاق مضيق باب المندب سيبقى بإمكان السعودية تسويق نفطها عبر قناة السويس، ولكن القيود الملاحية في القناة تمنع مرور ناقلات النفط العملاقة، وبالتالي لن يكون امام السعودية الا الطريق الشرقي نحو آسيا. مع ذلك، اذا قرر الحوثيون اغلاق الملاحة في المضيق فلن يكون امام السعودية طريق تصدير آمنة.

وتتضمن قصة باب المندب خلل خطير آخر في طريقة إدارة الولايات المتحدة للمفاوضات. فعندما نوقشت اتفاقية وقف اطلاق النار في نيسان، طالبت ايران بتطبيقها في كل الجبهات، لا سيما في لبنان. وافقت الولايات المتحدة على هذا الشرط وفرضت وقف اطلاق النار في لبنان على إسرائيل، وقف جزئي في البداية وبعد ذلك وقف كامل، لكنها لم تشترط انضمام الحوثيين للاتفاق. يبدو ان ترامب قد اعتمد على اتفاق وقف اطلاق النار الذي توصل اليه مع الحوثيين في 6 أيار 2025 والذي تعهدوا فيه بعدم مهاجمة السفن في البحر الأحمر، باستثناء السفن الإسرائيلية أو المتجهة الى إسرائيل.

ولكن الحوثيين اوضحوا في حينه بانهم سيتجاهلون وقف اطلاق النار اذا هاجمت الولايات المتحدة أو إسرائيل ايران. وقد امتنعوا عمليا عن شن أي هجمات خلال حرب الـ 12 يوم في حزيران 2025، ولم يستانفوا هجماتهم على السفن غير الامريكية الا في شهر تموز، حيث اغرقوا سفينة ترفع علم ليبيريا. والان سيتعين على الحوثيين ان يقرروا اذا كانوا يريدون انهيار وقف اطلاق النار الذي وقعوه مع السعودية في العام 2022 بشكل كامل، والذي انتهكل بشكل واضح للمرة الأولى في هذا الأسبوع عندما قاموا بمهاجمة اهداف في السعودية بالصواريخ ردا على قصف مدرجات مطار صنعاء الخاضع لسيطرة الحوثيين.

وقد تحررت ايران بالفعل من العلاقات التقليدية لها مع دول الخليج، بعد ان اثبتت الأخيرة عجزها عن حمايتها من هجمات الولايات المتحدة وإسرائيل. والان لا توجد أي دولة عربية قادرة على التاثير في ايران، فضلا عن املاء تحركاتها. على النقيض يجد ترامب نفسه محاصر بضغوط تجبره على مراعاة المصالح الإقليمية والدولية الى جانب الضغوط الداخلية.

يصعب إحصاء المرات التي تراجع فيها ترامب عن نواياه للهجوم، واوقف عمليات القصف الكثيف قبل بدايتها بقليل، ومنح نفسه المزيد من الوقت للتفاوض، مرة بناء على طلب من باكستان، ومرة أخرى بفضل السعودية أو قطر التي تمكنت من وقفها، واحيانا وفرت ايران الذريعة لاستئناف جلسات الوساطة. في نهاية الأسبوع سيتضح اذا كان سيتم العثور هذه المرة أيضا على وسيط يقدم لترامب الدعم المطلوب للتخلص من خطر استئناف الحرب.

——————————————

يديعوت احرونوت 17/7/2026 

إسرائيل انحرفت  عن المسار وفوتت قطار التطبيع

بقلم: نداف ايال

التقى مؤخرًا مسؤول أمريكي بنظيره الإسرائيلي. هذا المسؤول مقربٌ جدًا، وله مكانة مرموقة. وفي لحظة، أفصح المسؤول الأمريكي للإسرائيلي عن سرٍّ مفاده أن حدثًا جللًا سيقع في الشرق الأوسط. إيران على وشك تغيير ولائها. إنها تسعى لعبور الحاجز باتجاه الغرب. تغيير تاريخي يتكشف هناك. بيرسترويكا حقيقية. ثمة فرصة لشرق أوسط جديد.

تفاجأ الإسرائيلي، بل صُدم. فقد وردت أنباء عن هجمات شنّها سلاح الجو الأمريكي على إيران، وظهرت تهديدات الرئيس ترامب بتدمير منشآت الطاقة التابعة للجمهورية الإسلامية على مواقع التواصل الاجتماعي. وفي مضيق هرمز، لا تزال ناقلات النفط الثقيلة تحاول العبور دون أن تُصاب بطائرات مسيّرة وصواريخ من الحرس الثوري. واتضح أن هناك في واشنطن من يعتقدون – وهم شخصيات نافذة – أن مجتبى خامنئي على وشك أن يصبح ميخائيل غورباتشوف الأصولية الشيعية.

فكر الإسرائيلي في نفسه أن هذا يبدو ضربًا من الجنون، ومنفصلًا تمامًا عن جميع التقييمات الاستخباراتية في إسرائيل. ثم فكّر في نفسه: الإدارة تعرف كيف تُفاجئ، وقد فاجأت في الماضي – بشكلٍ كبير. في عودة المختطفين، في لبنان، في سوريا. فمن يدري.

هذا رجلٌ ذو تفكير ايجابي. أما أنا فاستنتاجي أكثر تهكماً: فوضى عارمة. يسمع الرئيس من جهة عن الانتهاكات الإيرانية وغطرسة الحرس الثوري، الذين يهددون باغتياله. ومن جهة أخرى، يُقال له إن طهران ستكون جنيف. أمرٌ مُحيّر.

في هذه الأثناء، يتقدّم الشرق الأوسط الجديد بخطىً حثيثة – ولكن بدون إسرائيل. في الأسبوع الماضي، وصلت فرقٌ من الخليج والسعودية بهدوء إلى واشنطن لإجراء محادثات حول ما كان يُسمى سابقاً “ممر السلام”، برنامج IMEC. يهدف هذا البرنامج في جوهره إلى ربط آسيا والشرق الأوسط بشبكة سكك حديدية لنقل البضائع، من شواطئ الخليج العربي، وربما من الهند، إلى شواطئ حيفا. في أيلول 2023، أعلنت إدارة بايدن عن الخطة، التي يدعمها الاتحاد الأوروبي بقوة، في محاولة لتوحيد الصفوف، وتعزيز النفوذ الأمريكي في المنطقة، والمساهمة في تطبيع العلاقات الإسرائيلية السعودية. وكان عاموس هوكشتاين، مبعوث البيت الأبيض لشؤون الطاقة، وخاصة في الشرق الأوسط، هو من نسق هذه الجهود. وأعلنت المملكة على الفور عن استثمار عشرات المليارات من الدولارات في مشروع IMEC. أما في إسرائيل، فكانت الأمور تسير ببطء، بالطبع.

جمدت الحرب عملية التطبيع وكل ما يتعلق بها. وفي غضون ذلك، توسع المشروع: ستربط دول في جميع أنحاء المنطقة بالسكك الحديدية البنية التحتية السيبرانية البصرية، وبنية الهيدروجين الأخضر، والأتمتة، والذكاء الاصطناعي، وما إلى ذلك.

الشيء الوحيد الذي تغير هو أن إسرائيل لم تعد على مسار سكة السلام، حرفيًا. ويجري السعوديون محادثات على افتراض أن المشروع برمته يجري بمعزل عن إسرائيل. تُرسَم الخرائط بالسكك الحديدية والكابلات، وإسرائيل لم تعد عليها.

في خطوة غير مسبوقة، وجّهت وزيرة المواصلات ميري ريغيف، قبل أسابيع، رسالة تحذيرية شديدة اللهجة إلى نتنياهو بشأن هذه المسألة. وجاء في الرسالة: “نشهد تناميًا ملحوظًا في التعاون الإقليمي المحيط بنا في مجالي التجارة والطاقة، والذي يتجاوز إسرائيل عمدًا، ويُشكّل خطرًا استراتيجيًا حقيقيًا على أمننا القومي”. إن المشروع الذي كان من المفترض أن يربط إسرائيل بالعالم الخارجي يتجاوزها (كما هو الحال مع العديد من المشاريع الأخرى)، ويجري التخطيط له الآن بالتعاون المتزايد مع تركيا. تخيّلوا، إلى جانب مسارات أخرى (بين السعودية ومصر)، شبكة من القطارات فائقة السرعة، وقطارات شحن ضخمة، وكابلات ألياف ضوئية متطورة، تربط الشرق الأوسط بأكمله؛ باستثناء جزيرة معزولة ونائية. إسرائيل. هذا ما “يتشكل”، على حد تعبير ريغيف. يتضح مدى خطورة الوضع عندما تُوجّه ميري ريغيف تحذيرات استراتيجية إلى نتنياهو.

رئيس الوزراء لن يأبه بالأمر، إن لم يكن قد فعل ذلك بالفعل. لقد كانت هناك حرب، وكان لا بد من خوضها. تهربت السعودية من التطبيع، أو طالبت بثمن باهظ، يفوق قدرة غالبية الشعب الإسرائيلي على تقبله: إقامة دولة فلسطينية في أسرع وقت ممكن. ما العمل إذن؟

استنادًا إلى أربعة مصادر، اثنان إسرائيليان واثنان أمريكيان، يمكن رسم صورة مختلفة بعض الشيء. هذه الصورة لا تروق للرأي العام الإسرائيلي. يجدر بنا العودة إلى تفاصيل تلك اللحظة، التي فوت فيها التطبيع. ربما كان ذلك سيحدد مسار دولة إسرائيل لعقود طويلة. نأمل ألا يكون الأمر كذلك.

باختصار: كانت السعودية مستعدة للتطبيع حتى أثناء الحرب، أو على الأقل هذا ما تعهدت به العائلة المالكة السعودية. تم تهميش قضية الدولة الفلسطينية بشكل كبير، وكانت السعودية مستعدة لوجود إسرائيلي مكثف وأمني في غزة. دارت نقاشات حادة، وتم تبادل مسودات وصياغة بنود. لكن نتنياهو استبعدها من المشهد حفاظًا على استمرار الحرب، ولتجنب المخاطر السياسية.

كان صيف عام 2024 مصيريًا. كانت إدارة بايدن، التي تعاني من الانتقادات الداخلية والانتخابات المقبلة، تتوق إلى صفقة رهائن وإنهاء الحرب في غزة. وكانت إسرائيل قد بدأت عملياتها في رفح منذ أيار. وكان الجيش الإسرائيلي يعتقد أن الوقت قد حان للانتقال إلى التعامل مع حزب الله، وأنه لم يعد هناك ما يمكن فعله في غزة؛ وأن النجاحات العملياتية في الشمال ستبدأ في تموز.

كانت هذه هي الخلفية لاجتماعات مبعوثي الإدارة الأمريكية مع ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان.

وفيما يتعلق بالجانب الإسرائيلي، كان الحديث مع ولي العهد دائمًا على نفس المنوال. كان واضحًا للجميع أن الثمن هو دولة فلسطينية، وكان واضحًا أن نتنياهو يعتبر هذا الأمر بمثابة حبة مسمومة سياسيًا لن يبتلعها – خاصة بعد السابع من أكتوبر. كان صناع القرار في إسرائيل مقتنعين تمامًا (ولا يزال نتنياهو مقتنعًا بذلك حتى اليوم) بأن السعودية غير مهتمة بدولة فلسطينية على الإطلاق وأن إدارة بايدن، في سعيها لاسترضاء الجناح التقدمي، قد أدرجت هذا البند في مفاوضات التطبيع، مما أدى إلى فشلها.

من خلال محادثاتي مع مسؤولين عرب في الخليج، تبين لي أن هذا غير صحيح. فالأمير ليس من أنصار الفلسطينيين، ولا يطمح إلى قيام دولة فلسطينية. لكن الرأي السائد في المملكة – معقل المحافظة الحذرة – هو أنه من المستحيل المضي قدمًا في العلاقات مع إسرائيل دون تغيير جذري في الموقف تجاه الفلسطينيين. الأمر لا يتعلق بالاهتمام، بل ببقاء النظام السعودي، وهم يدركون ذلك جيدًا.

في المحادثات بين إدارة بايدن وولي العهد، تبلورت الخطوط العريضة التالية: صفقة رهائن في قطاع غزة، وإنهاء الحرب. وتحصل إسرائيل على منطقة سيطرة داخل القطاع. وقال ابن سلمان للبيت الأبيض: “أنا مستعد لإرسال جنود سعوديين لإدارة غزة”. كانت الرؤية التي عُرضت عليه هي رؤية ابن سلمان كنبي سلام: السعودية، حامية المقدسات، تقود إلى إنهاء الحرب وإراقة الدماء. وبحسب الصيغة، يُطلق سراح “جميع الأبرياء”، أي يُعاد جميع الرهائن في صفقة مماثلة لتلك التي وُقّعت في نهاية المطاف. بعد وقف إطلاق النار الدائم، ودخول قوة أخرى لإدارة غزة بدلاً من حماس، يتقدم التطبيع بين الرياض والقدس. وكجزء من هذا التطبيع، تلتزم إسرائيل بمسار واقعي نحو إقامة دولة فلسطينية.

كان هناك خلاف كبير حول هذه القضية، لا سيما مسألة التوقيت. فقد حدد الموقف السعودي الأصلي، قبل 7 أكتوبر، هدفاً زمنياً يبلغ عامين تقريباً. وخلال الحرب، أجرت إدارة بايدن مفاوضات، شارك فيها رون ديرمر بشكل كبير من الجانب الإسرائيلي. وكانت الصيغة النهائية المقترحة لولي العهد، والتي قبلها، التزاماً إسرائيلياً بإقامة دولة فلسطينية في غضون خمس إلى سبع سنوات.

هذه تفصيلة بالغة الأهمية. فخمس إلى سبع سنوات، في سياق الشرق الأوسط، تُعدّ مدة طويلة جداً. وأضاف السعوديون تصريحًا بالغ الأهمية: ألا يقلق الإسرائيليون. فإذا تأخرت الدولة، فسنُحمّل أبو مازن المسؤولية على أي حال. لن ننقض الاتفاق في عام 2034 لأن الدولة لم تُقم بعد.

في الوقت نفسه، كان من المفترض أن تدعم الولايات المتحدة سلسلة من المبادرات الحاسمة للمملكة العربية السعودية، بعضها يتطلب أغلبية مطلقة في مجلس الشيوخ الأمريكي. كل شيء سيترابط: الرغبة الديمقراطية في إنهاء الحرب، والبيت الأبيض وضغطه على المشرعين، والجمهوريون المقربون من المملكة العربية السعودية والذين سيصوتون لصالح الاتفاق، وعودة الرهائن، والتطبيع. وفي نهاية المطاف، هناك أيضًا شبكة مسار السلام الإقليمي. ولكن حتى قبل ذلك، هناك شرق أوسط جديد. ليس مع إيران، بل مع إسرائيل.

كان من الواضح أن بن غفير وسموتريتش سيحاولان الإطاحة بالحكومة فورًا، إذا تم توقيع اتفاق سلام إقليمي كهذا. لذا، طلبت إدارة بايدن من زعيم المعارضة يائير لابيد وعدد من الشخصيات الأخرى منح حكومة نتنياهو دعماً سياسيا لبضعة أشهر لإتمام العملية برمتها. وافق لابيد، وأُبلغ نتنياهو بذلك.

يعتقد الكثيرون أن كل هذا كان ولد ميتا منذ البداية، كما يُقال في أمريكا. لم يتمكن نتنياهو من إحداث هذا التحول الجذري، بعد أقل من عام على أحداث 7 أكتوبر. لم يكن السنوار قد قُتل بعد بنيران الجيش الإسرائيلي، ولم يكن حزب الله قد سُحق بعد، والأهم من ذلك: أن فكرة “الدولة الفلسطينية” أصبحت مستحيلة.

حاول المقربون من نتنياهو إقناعه، أولئك الذين يُعتبرون حلفاءه، قائلين له: السعودية هي المفتاح، هي ما تبقى من الصراع برمته. قليلون هم صناع القرار في إسرائيل الذين يُدركون، حتى هذه اللحظة، الشعبية الهائلة التي يتمتع بها ابن سلمان في المنطقة، ونظرة الناس إليه كمصلح، كشخص يفهم دوافع الشباب.

رفض نتنياهو. لم يعتقد أن المملكة تستحق كل هذا العناء. كان يعتقد أن غزة ستنتهي باستسلام آلاف الإرهابيين ورفعهم أيديهم، وأن لحظة انفراجة ستكون فارقة. لكن إسرائيل أفشلت مقترح وقف إطلاق النار في تموز، ربما لكسب الوقت قبل انتخابات تشرين الثاني 2024 في الولايات المتحدة؛ وفي آب، قُتل المختطفون الستة في نفق رفح. وبدأ السعوديون يدركون أنه ما دام نتنياهو في السلطة، فلا شريك لهم. على أي حال، كانوا ينظرون بإعجاب إلى إدارة ترامب، معتقدين أن كل ما كان من المفترض أن يحصلوا عليه مقابل التطبيع سيُمنح لهم مجانًا.

لا جدوى من تجميل الواقع. من المحتمل أن مبادرة إدارة بايدن لم تكن لها فرصة حقيقية. كانت ستمنع بعض عمليات قتل قادة حماس، مما كان سيُبقي الجيش الإسرائيلي في محيط ضيق من القطاع؛ أعلن ابن سلمان أن السعودية ستسيطر على غزة، لكن الكلام يختلف عن واقع غزة.

لكن هذا ما حدث بالفعل: في الوقت الراهن، انتهى التطبيع. إسرائيل أكثر عزلة في المنطقة والعالم من أي وقت مضى. لم تُفلح كل الضربات القاسية التي وُجّهت لحزب الله وحماس في القضاء عليهما، ما يُطمئن إيران. وتُجري واشنطن محادثات معها. وقد قُتل بعض الرهائن. وتخطط دول المنطقة لشرق أوسط جديد، لكن بدون إسرائيل. والجدير بالذكر أن نتنياهو وافق في أيلول 2025 على خطة الرئيس ترامب المكونة من 21 بندًا، والتي تتضمن بندًا صريحًا يُشير إلى مسار إقامة دولة فلسطينية. وفي غزة، لا تزال حماس فاعلة. والسعوديون راضون تمامًا؛ فهم يُحققون نجاحًا كبيرًا بدون إسرائيل.

——————————————

هآرتس 17/7/2026 

انتهى عصر الهيمنة الامريكية، وانتهى معه عصر العالم احادي القطب، ومعه عهد نتنياهو

بقلم: افنر بن زاكين 

لماذا حكم بنيامين نتنياهو إسرائيل لفترة طويلة؟ تنسب التفسيرات السائدة ذلك الى مهارته السياسية وضعف خصومه والتغييرات التي شهدها المجتمع الإسرائيلي. لكن هناك تفسير اعمق، وهو تزامن مسار نتنياهو السياسي تقريبا مع عصر العالم احادي القطب، حيث كانت الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة في العالم.

في مثل هذا العالم كانت اهم صفة لرئيس الحكومة الإسرائيلي هي القدرة على العمل امام واشنطن. تعودت غولدا مئير على التحدث عن طفولتها في ملفيكي، ووصل اسحق رابين الى رئاسة الحكومة بعد ان شغل منصب سفير إسرائيل في الولايات المتحدة. نشأ نتنياهو في أمريكا واتقن لغتها وعرف ثقافتها السياسية معرفة كاملة. وقد حول هذه الميزة الى هويته السياسية. فعندما قدم نفسه بانه “يعرف أمريكا” أو “قائد من نوع مختلف”، لم تكن هذه فقط شعارات انتخابية، بل تعبير عن الميزة التي أعطاه إياها النظام العالمي.

بطرق كثيرة، مثلما حولت سياسة نتنيناهو إسرائيل الى ذراع أمريكا في الشرق الأوسط، اصبح نتنياهو ذراع أمريكا في إسرائيل. وطالما كانت واشنطن مركز ثقل النظام الدولي، كانت هذه اهم المهارات التي يمكن أن يقدمها زعيم إسرائيلي. اعطى العالم احادي القطب الولايات المتحدة امتياز نادر في السياسة الدولية: الحق في ارتكاب الأخطاء. كل قوة تخطيء، ولكن عندما لا يكون خصم قادر على استغلال الخطأ فان القرارات الخاطئة لا تغير ميزان القوة. لذلك، استطاعت الولايات المتحدة شن حروب طويلة الأمد والحفاظ على مئات القواعد العسكرية في ارجاء العالم، وتمويل النظام العالمي، وفي نفس الوقت تقديم دعم شبه مطلق لإسرائيل، حتى عندما لا يتوافق ذلك مع المصالح الامريكية. طالما لم تواجه الولايات المتحدة قوة منافسة كان لديها هامش واسع للخطأ، حيث كان يمكنها تحمل المسؤولية عن الأخطاء الاستراتيجية بدون أن يقوض هذا مكانتها كقائدة للنظام العالمي.

وكانت العلاقة الخاصة بين أمريكا وإسرائيل نتيجة هذا النظام العالمي. بني التحالف الاستراتيجي بالتدريج في أواخر الستينيات عند تسليم طائرات “سكاي هوك” في 1968، وتعمق بعد عملية النقل الجوي للمساعدة العسكرية في حرب يوم الغفران. ولكن التحالف لم يبلغ الذروة الا بعد انهيار الاتحاد السوفييني. في تلك السنين بلغت قوة جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن والمعروفة باسم لجنة الشؤون العامة الامريكية – الإسرائيلية (الايباك) الذروة أيضا. لم يكن هذا بسبب تغير في جماعات الضغط، بل لانها كانت تعمل ضمن نظام دولي تتمتع فيه الولايات المتحدة بنفوذ كاف، خاصة هامش خطأ واسع، لتقديم دعم غير محدود تقريبا لإسرائيل بدون دفع أي ثمن استراتيجي.

كان نتنياهو زعيم تتناسب صفاته تماما مع هذه الظروف. لذلك فقد تفوق على جميع خصومه سياسيا. واستندت سياسته أيضا الى هذا الواقع. وكان أسلوبه الحازم في الضغط على الولايات المتحدة للانسحاب من الاتفاق النووي مع ايران الدليل الأفضل على ذلك، وكان خطابه في الكونغرس في 2015 الذي القاه بدون موافقة الرئيس براك أوباما، ومخالفا لموقف الإدارة، بمثابة مقامرة سياسية غير مسبوقة.

كان نتنياهو مستعد للانحياز الى المعسكر المحافظ في الولايات المتحدة، الذي كانت تيارات القومية البيضاء تنمو على اطرافه، والمخاطرة بمواجهة مفتوحة مع اول رئيس اسود في تاريخ الولايات المتحدة، لانه افترض ان التحالف الاستراتيجي بين البلدين قوي بما يكفي لمقاومة الاستقطاب المتزايد في السياسة الامريكية.

عندما تبنت إدارة ترامب موقف نتنياهو في 2018، وانسحبت من الاتفاق النووي، ظهر ان المقامرة قد اثمرت. فقد تبنت الولايات المتحدة سياسة تقترب بدرجة كبيرة من وجهة نظر الحكومة الإسرائيلية، على فرض ان عواقبها ستكون مقبولة. لم يكن هذا القرار محتمل بسبب انه يخلو من الاخطار، بل لان القوة المهيمنة اعتقدت ان لديها هامش خطأ واسع بما يكفي لتحمل تبعاته.

لكن الظروف التي جعلت نتنياهو الزعيم الأفضل لم تعد قائمة، فقد أظهرت الحرب مع ايران ان أمريكا لم تعد تملك هامش المناورة الذي تمتعت به لثلاثة عقود، منذ حرب الخليج. ولم يكن من الصدفة ان يختار روبرت كاغان، المفكر الأكثر ارتباطا بالفكر المحافظ الجديد في أمريكا، وفكرة هيمنة أمريكا، عنوان “اجتماع بشان ايران” للمقال الذي نشره بعد الحرب في مجلة “ذي اتلانتيك”. لم يكن هذا فقط اعتراف بالهزيمة في الحرب، بل كان إقرار من احد ابرز دعاة مفهوم الهيمنة الامريكية، بان حقبة القطب الواحد انتهت.

تقلص هامش خطأ واشنطن بشكل كبير في مواجهة الصين وروسيا والهند وقوى إقليمية أخرى. اصبح كل قرار في الشرق الأوسط له تداعيات على المنافسة مع بجين، وعلى العلاقات مع موسكو، وأسواق الطاقة، وميزان القوة العالمي، وقد يكون ثمنه باهظا. لم يعد بإمكان الولايات المتحدة النظر الى الشرق الأوسط كساحة منفصلة. فكل خطوة تفحص كجزء من صراع أوسع بكثير. 

والمفارقة هي ان الحرب التي صممت لاحتواء ايران تقترب من نهايتها، في حين تقترب ايران اكثر من الهيمنة الإقليمية في الخليج الفارسي. هذا بالضبط ما يعنيه تضييق هامش الخطأ: خطوة اوحت في البداية بان أمريكا قادرة على تشكيل العالم كما تشاء، قد سرعت من تآكل هامش الخطأ لديها.

لسنوات ظهر ان هذه أربعة ظواهر منفصلة: الهيمنة الامريكية في العالم، العلاقات الخاصة مع إسرائيل، القوة العظمى للوبي المؤيد لإسرائيل في أمريكا وصعود نتنياهو للحكم. في الواقع كانت هذه الظواهر الأربعة تعبير عن نظام عالمي واحد. فالهيمنة الامريكية هي التي اتاحت العلاقة الخاصة، وهذه العلاقة الخاصة عززت قوة اللوبي. وكل هذه العوامل معا مهدت الظروف التي جعلت نتنياهو هو الزعيم الأنسب.

لكن هذا النظام  هو الاخر يقترب من نهايته. عندما يغادر دونالد ترامب منصبه في 2028 سيكون قد مر 60 سنة على التحالف الخاص الذي بني منذ تسليم طائرات سكاي هوك لإسرائيل في العام 1968، وخلال ستة عقود تقريبا استند هذا التحالف للقوة غير المسبوقة للولايات المتحدة وهامش الخطأ الواسع المتاح لها.

هذا الامر له أهمية كبيرة بالنسبة لإسرائيل. فقد تغير المناخ العالمي مثلما هي الحال في الطبيعة.

—————-انتهت النشرة—————–

Share This Article