المسار :لم تعد الحرب في قطاع غزة تقتصر على الدمار الذي أصاب المباني والبنية التحتية، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية، لتجعل المرأة الفلسطينية تواجه واقعًا يفوق الاحتمال. فمنذ لحظة النزوح، لم تفقد النساء منازلهن فحسب، بل فقدن خصوصيتهن، واستقرارهن، وأبسط مقومات الحياة التي تحفظ لهن كرامتهن الإنسانية.
داخل الخيام، حيث لا أبواب تُغلق ولا جدران تستر، تعيش آلاف النساء في مساحات مكتظة تضم أحيانًا أكثر من عائلة. هناك، يصبح تبديل الملابس مهمة شاقة، والنوم بطمأنينة حلمًا بعيدًا، فيما تتحول كل لحظة إلى محاولة دائمة لحماية الخصوصية وسط ازدحام لا ينتهي، وأصوات لا تهدأ، وواقع لا يمنح المرأة أي مساحة شخصية.
وتواجه النساء تحديًا آخر يتمثل في نقص الملابس المناسبة بعد أن فقدت كثيرات جميع مقتنياتهن خلال النزوح المتكرر أو تحت أنقاض منازلهن. وتعتمد معظم الأسر على ما يصل من مساعدات محدودة، لا تكفي لتلبية الاحتياجات الأساسية، ولا تراعي المقاسات أو الفئات العمرية أو التغيرات المناخية، لتجد المرأة نفسها مضطرة للتكيف مع واقع يفرض عليها الاكتفاء بالقليل، مهما كان غير ملائم.
لكن الخيمة لا تعفي المرأة من مسؤولياتها، بل تضاعفها. فهي تستيقظ قبل الجميع لتبحث عن الماء، وتقف لساعات طويلة في طوابير الحصول على الغذاء أو المساعدات، ثم تعود لإعداد الطعام بإمكانات شبه معدومة، وغسل الملابس يدويًا، والعناية بالأطفال وكبار السن والمرضى، في وقت تعاني فيه هي نفسها من الإرهاق وسوء التغذية والضغط النفسي.
ولا تنتهي المعاناة عند هذا الحد، إذ تتحول المرافق الصحية المشتركة إلى مصدر دائم للقلق، خصوصًا في ظل انعدام الخصوصية، وضعف النظافة، وبعد المسافات، الأمر الذي يزيد من الأعباء الصحية والنفسية على النساء والفتيات، ويجعل أبسط الاحتياجات اليومية رحلة محفوفة بالمشقة والخوف.
أما الأم الفلسطينية، فتعيش حربًا أخرى داخل قلبها. تحاول أن تخفي دموعها عن أطفالها، وأن تبدو قوية رغم الجوع والخوف والتعب، فتبتسم وهي لا تعرف كيف ستوفر وجبة اليوم، وتطمئن أبناءها وهي لا تملك إجابة عن سؤالهم: متى سنعود إلى بيتنا؟
وتواجه النساء الحوامل والمرضعات واقعًا أكثر قسوة، في ظل نقص الغذاء والرعاية الصحية والأدوية، وصعوبة الوصول إلى الخدمات الطبية، بينما تزداد المخاطر مع استمرار النزوح وغياب الظروف الصحية الملائمة للحمل والولادة.
ورغم هذا المشهد الثقيل، لا تزال المرأة الفلسطينية تمارس دورها بوصفها العمود الفقري للأسرة. فهي التي تحاول الحفاظ على تماسك العائلة، وتزرع الأمل في نفوس أطفالها، وتواصل الحياة وسط ظروف لا تشبه الحياة، مثبتة أن الصمود ليس شعارًا، بل ممارسة يومية تدفع ثمنها من صحتها وراحتها وكرامتها.
إن معاناة نساء قطاع غزة ليست مجرد أرقام في تقارير إنسانية، بل قصص يومية تختصر حجم المأساة التي يعيشها المجتمع بأكمله. إنها معاناة امرأة تبحث عن زاوية تستر بها نفسها داخل خيمة، وأم تقضي ساعات طويلة لتأمين شربة ماء أو رغيف خبز، وفتاة تحلم بمساحة من الخصوصية، وحامل تخشى أن تلد في مكان لا تتوافر فيه أبسط مقومات الرعاية.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه الأزمة، يبقى السؤال الإنساني حاضرًا: إلى متى ستبقى المرأة الفلسطينية مطالبة بأن تواجه الحرب، والنزوح، والجوع، وفقدان الخصوصية، وأن تحمل وحدها أعباء أسرة كاملة، بينما يتراجع الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة يومًا بعد يوم؟

