المسار : لم تعد المرأة الفلسطينية تقف على هامش المشهد السياسي ولا تقبل أن يختزل حضورها في رقمٍ يستدعى خلال المناسبات الانتخابية ثم يعاد إلى الصفوف الخلفية بعد انتهاء صناديق الاقتراع ، فهي التي حملت البندقية في مراحل مختلفة ورفعت صوتها في المظاهرات وأسست المؤسسات وخاضت غمار العمل الوطني وأسرت في سجون الاحتلال ودفعت أثماناً باهظة جراء الاحتلال والحرب والنزوح والفقد كما حملت على عاتقها مسؤولية الأسرة وعلمت أبناءها معنى الوطن والانتماء. وبين كل هذه المحطات ظلت المرأة الفلسطينية حاضرة في تفاصيل الصمود والمواجهة لتصل اليوم إلى سؤال أكثر إلحاحاً متى يتحول هذا الحضور المتجذر في المجتمع إلى قوة سياسية مؤثرة وشريكة حقيقية في صناعة القرار؟
▪︎ مشاركة المرأة
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 يعود ملف المشاركة السياسية للمرأة الفلسطينية إلى واجهة المشهد باعتباره أحد الاختبارات المهمة لمدى جدية العملية الديمقراطية وقدرة النظام السياسي الفلسطيني على تمثيل المجتمع بكل مكوناته ومنح المرأة موقعاً يتناسب مع دورها وحضورها الوطني والمجتمعي.
فالانتخابات لا تختزل في يومٍ تفتح فيه صناديق الاقتراع ولا تنتهي بإعلان النتائج وإنما تمثل محطة لإعادة تشكيل المشهد السياسي وتحديد طبيعة القوى والبرامج التي ستتولى التعبير عن مصالح المواطنين وهمومهم وتطلعاتهم ومن هنا فإن حضور المرأة في هذه الانتخابات لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد المرشحات أو المقاعد التي تحصل عليها بل بمدى قدرتها على الوصول إلى مواقع مؤثرة والمشاركة الفعلية في صياغة التشريعات والسياسات والقرارات فمشاركة المرأة ليست تفصيلاً انتخابياً بل مؤشر حقيقي على نضج الديمقراطية وشمولها وعدالة التمثيل السياسي.
▪︎ شريكة في القرار
أثبتت المرأة الفلسطينية على امتداد عقود طويلة أنها شريك أصيل في النضال الوطني وقادرة على تحمل المسؤولية السياسية والمجتمعية ولم تكن يوماً بعيدة عن ساحات الفعل والتأثير ، فقد تقدمت الصفوف خلال الانتفاضات وانخرطت في المؤسسات الشعبية والنقابية والمجتمعية وحضرت في ميادين التعليم والصحة والإغاثة والعمل الوطني وأسهمت في حماية النسيج الاجتماعي وتعزيز صمود المجتمع في أصعب الظروف.
وخلال حرب الإبادة الجماعية على غزة تجلى دورها بصورة أكثر وضوحاً إذ تحملت المرأة أعباءً إنسانية واجتماعية واقتصادية قاسية ووقفت في مواجهة النزوح والفقد والدمار وحافظت على تماسك الأسرة والمجتمع لتؤكد مرة أخرى أن دورها لا يقتصر على الصمود في مواجهة الأزمات بل يمتد إلى المشاركة في صياغة الأولويات الوطنية وتحديد مستقبل المجتمع.
ومن هنا فإن انتقال المرأة من دور الصمود وتحمل المسؤولية إلى موقع الشراكة الفعلية في صناعة القرار لم يعد مطلباً مؤجلاً بل استحقاقاً سياسياً وديمقراطياً يفرض نفسه بقوة.
الشراكة الفعلية
شراكة المرأة لا يجب أن تقيد في عدد المقاعد التي تحصل عليها بل في طبيعة القضايا التي تحملها إلى البرلمان الحريات، العدالة الاجتماعية، حماية الأسرة، تمكين الشباب، مكافحة الفقر والبطالة، إعادة الإعمار، حقوق النازحين، والتعليم والصحة، وقبل كل ذلك مستقبل القضية الفلسطينية ومشروعها الوطني.
كما أن المرأة نفسها مطالبة بكسر الصورة النمطية التي تحصر دورها في النشاط الاجتماعي والمجتمعي والتقدم بثقة نحو مواقع القيادة السياسية والنقابية والمجتمعية ، فالمطلوب ليس حضوراً نسائياً في الصورة بل حضوراً قادراً على التأثير في مضمون القرار.
▪︎ العلاقة بين المرأة والسياسة
الانتخابات التشريعية المقبلة قد تشكل فرصة حقيقية لإعادة تعريف العلاقة بين المرأة والسياسة ليس من زاوية حجم حضورها في القوائم الانتخابية فحسب وإنما من خلال طبيعة الدور الذي ستؤديه داخل مؤسسات صنع القرار
فالاختبار الحقيقي لا يكمن فقط في عدد النساء اللواتي ستضمهن القوائم ولا في عدد من سيصلن إلى المجلس التشريعي بل في السؤال الأهم ماذا سيحدث بعد الوصول؟
هل ستكون المرأة شريكاً فعلياً في صناعة القرار أم سيبقى حضورها محصوراً في حدود التمثيل؟
هل ستشارك في صياغة السياسات العامة وتحديد الأولويات الوطنية أم ستقتصر مشاركتها على التصويت على قرارات جرى إعدادها مسبقاً؟
وهل ستقاس كفاءتها بما تمتلكه من قدرة وخبرة ورؤية أم ستظل أسيرة اعتبارات تتجاوز الكفاءة والبرنامج السياسي؟
فالمرأة الفلسطينية لم تكن يوماً بعيدة عن المسؤولية الوطنية والاجتماعية وقد أثبتت حضورها عبر محطات التاريخ الفلسطيني المختلفة وقدرتها على تحمل المسؤولية والمشاركة في مواجهة الأزمات والتحديات سواء داخل الأسرة والمجتمع أو في ميادين العمل الوطني والعام.
لقد آن الأوان أن ينتهي زمن المرأة التي تطلب أصواتها في الانتخابات ويبدأ زمن المرأة التي يسمع صوتها في القرار.
فالمرأة الفلسطينية لم تعد تريد أن تكون جزءاً من المشهد السياسي بل جزءاً من صناعة المشهد.
ومن هنا يبدأ التغيير من امرأة حاضرة في الوطن إلى امرأة حاضرة في القرار.

