أزمة سبتة تشعل أوروبا.. دعوات لاستبعاد إسبانيا من منطقة “شنغن”

المسار : تسببت قضية المهاجرين الذين عبروا إلى سبتة الإسبانية بالآلاف أخيراً، بأزمة دبلوماسية في أوروبا، وصلت إلى حدّ المطالبة بإغلاق فضاء “شنغن” أمام إسبانيا. واستدعت إسبانيا السفير الإيطالي لديها، بعدما دعت روما إلى تعليق عضوية مدريد في منطقة شنغن، الأمر الذي أيّدته كلّ من فنلندا والدنمارك. ودعت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، الخميس، إلى تعليق عضوية إسبانيا في منطقة شنغن، قائلة عبر منصة إكس: “نحن بصدد جمع الجهات المختصة، وبمجرد انتهاء الاجتماعات، سنكون مستعدين للتحرك، بما في ذلك اتخاذ تدابير استثنائية… مثل تعليق اتفاقية شنغن مع إسبانيا”.

وتابعت أن صور المهاجرين الواردة من سبتة كانت “صادمة”. واضطر معظمهم، ومن بينهم أطفال، إلى السباحة للوصول إلى هناك. وأضافت ميلوني: “لن تقف إيطاليا مكتوفة اليدين”. وتأتي تعليقات ميلوني بعد تصريحات مماثلة أدلى بها في وقت سابق الخميس، وزير الخارجية أنتونيو تاياني. وأيّد تاياني في منشور على “إكس”، “إغلاق منطقة شنغن أمام إسبانيا”، واعتبر أن “الهجرة غير النظامية وغير المنضبطة تشكّل خطراً على الأمن القومي”.

وأضاف: “إن الصور الواردة من سبتة تُظهر أن قرار حكومة مدريد منح الجنسية الإسبانية، وبالتالي الأوروبية، لأكثر من 500 ألف مهاجر غير نظامي، هو خطأ فادح وشجع على الاتجار بالبشر”. ومنطقة شنغن هي فضاء يضم 29 دولة أوروبية ألغت رسمياً إجراءات المراقبة على حدودها المشتركة.

ورداً على التصريحات الإيطالية، استدعت مدريد، مساء الخميس، سفير روما لديها احتجاجاً. وقال وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، عبر منصة إكس، إن تصريحات تاياني “لا تليق بوزير خارجية دولة صديقة وشريكة، في وقت ننتظر التضامن الأوروبي بعيداً عن المزايدات السياسية”، معلناً استدعاء السفير الإيطالي.

أعلنت فنلندا تأييدها طلب إيطاليا استبعاد إسبانيا من منطقة شنغن

وقال حاكم سبتة خوان خيسوس فيفاس للصحافيين اليوم، إن ما يُقدّر بنحو 60 ألف شخص عبروا إلى الجيب الإسباني في شمال أفريقيا خلال الأيام القليلة الماضية، وهو ما يمثل أكثر من نصف عدد سكان المنطقة، معلناً ارتفاع عدد الوفيات الناجمة عن عبور المهاجرين إلى 34، وذلك بعدما أفادت السلطات الإسبانية في وقت سابق بوفاة 19 شخصاً.

من جانبها، أعلنت فنلندا، اليوم الجمعة، أنّها تؤيد طلب إيطاليا استبعاد إسبانيا من منطقة شنغن. وقالت وزيرة الداخلية الفنلندية اليمينية ماري رانتان في منشور على منصة إكس: “لقد فشلت إسبانيا تماماً في حماية الحدود الخارجية لمنطقة شنغن من التوغّلات. لا يمكن أن يستمر هذا الوضع”. وأضافت: “لا يمكن للدول التي لا تفي بالتزاماتها بحماية حدودها الخارجية أن تكون عضواً في شنغن”، داعية كل الدول الأوروبية إلى اتباع اقتراح ميلوني.

وفي السياق نفسه، اعتبرت رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن أنّ على الاتحاد الأوروبي أن يدرس تعليق عضوية إسبانيا في منطقة شنغن. وقالت فريدريكسن في بيان إلى وكالة فرانس برس “من نافل القول إنه يجب على الاتحاد الأوروبي وفوراً، اتخاذ كل التدابير اللازمة وبحث كل الخيارات، بما في ذلك تعليق التعاون في إطار اتفاقية شنغن”، واعتبرت أن “الهجرة غير المنضبطة تشكل تهديداً لأوروبا وللدنمارك”.

وتأتي هذه التطورات بعد عبور “آلاف المهاجرين” ليل الخميس الجمعة الحدود بين المغرب وجيب سبتة الإسباني. وتقع سبتة ضمن الأراضي المغربية، لكنها تخضع للإدارة الإسبانية، وهي محاطة بسياج، ما يدفع مهاجرين غير نظاميين إلى محاولة دخولها سباحةً عبر مياه البحر المتوسط. ويحاول مهاجرون من دول أفريقية، بينها المغرب، الوصول إلى أوروبا بطرق غير نظامية، مدفوعين بأوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة.

ووصف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز اليوم، التدفق الجماعي لنحو 40 ألف مهاجر من المغرب إلى جيب سبتة بأنه “هجوم وانتهاك لوحدة أراضي إسبانيا”. وقال خلال زيارة لسبتة إن “الحكومة الإسبانية تقف إلى جانب مدينة سبتة. ونتفهم مشاعر القلق والتوتر التي يعيشها السكان خلال الساعات القليلة الماضية، ولا سيما اليوم”، قبل أن يصف “ما حدث بالأمس بأنه هجوم وانتهاك لوحدة أراضي إسبانيا”.

وصف سانشيز التدفق الجماعي لآلاف المهاجرين إلى جيب سبتة بأنه “هجوم وانتهاك لوحدة أراضي إسبانيا”

وأوضح سانشيز أن تدفق المهاجرين إلى جيب سبتة مرتبط بتفسير مضلل روجت له “مافيات” متاجرين بالبشر لحكم قضائي صدر أخيراً بشأن إعادة المهاجرين الذين وصلوا بحراً. وقال “لقد تبين من خلال مناقشاتنا مع السلطات المغربية أن مافيات المتاجرين بالبشر روجت لتفسير يخدم مصالحها الخاصة لحكم صادر عن المحكمة العليا الإسبانية”، موضحاً أن تفسير الحكم الذي ينص على “عدم إمكان إعادة الأفراد الذين وصلوا إلى إسبانيا بحراً إلى الحدود… انتشر بسرعة هائلة في الساعات الأخيرة”.

إلى ذلك، أعلن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونييز اليوم، أن فرنسا ستشدد ضبط حدودها مع إسبانيا على خلفية التطورات في سبتة. وكتب نونييز على منصة إكس، “إزاء الوضع الذي تم رصده في جيب سبتة، أصدرتُ منذ مساء أمس (الخميس) تعليمات لتعزيز عمليات التفتيش على الحدود الإسبانية دون إبطاء”، مشيراً الى تفعيل قوة التدخل السريع الحدودية من للقيام بـ”عمليات تفتيش معمقة”. وأكد نونييز أنه على تواصل مع نظيره الإسباني فرناندو غراندي-مارلاسكا.

وقال في تصريحات لإذاعة “آر تي أل”: “نقوم بعمليات تفتيش على الحدود الفرنسية الإسبانية، فهي قائمة وجرى تعزيزها في الأشهر الأخيرة”، مضيفاً: “لدينا قوة متنقلة منتشرة بشكل دائم. سنقوم، بالطبع، باتخاذ التدابير اللازمة إذا حدثت تحركات باتجاه الأراضي الفرنسية”. وتابع: “في أي حال، سنعزز بالتأكيد عمليات التفتيش على الحدود”.

وفي سياق متصل، نقلت وكالة رويترز عن أوساط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قولها إن الأخير طلب من وزير الداخلية الفرنسي “تعزيز عمليات التفتيش على الحدود مع إسبانيا”. ونقلت الأوساط عن ماكرون قوله إن “فرنسا على أتم الاستعداد لتقديم كل الدعم اللازم للسلطات الإسبانية إذا ما عبّرت هذه الأخيرة عن حاجتها إليه، بما في ذلك عبر (…) فرونتكس”، وهي الوكالة التابعة للاتحاد الأوروبي المكلفة بمراقبة الحدود.

وفي المقابل، أعلن مفوض الاتحاد الأوروبي للشؤون الداخلية والهجرة ماغنوس برونر استعداد الاتحاد لتعزيز دعمه لإسبانيا في مواجهة تصاعد الهجرة غير النظامية إلى سبتة، مؤكداً أن حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي تمثل ركيزة أساسية في جهود مكافحة الهجرة غير الشرعية. وأوضح برونر أنه أبلغ وزير الداخلية الإسباني باستعداد بروكسل لتقديم مزيد من الدعم، بما في ذلك المساعدة عبر وكالة حرس الحدود وخفر السواحل الأوروبية “فرونتكس”.

فون ديرلاين: لعمليات ترحيل سريعة

من جانبها، دعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين إلى إجراء عمليات ترحيل سريعة بموجب القانون الأوروبي، قائلة في منشور عبر منصة إكس، إن “الصور التي تأتي من سبتة غير مقبولة”. وأضافت: “لا يمكننا أن نسمح لأي شخص بالمجيء إلى اتحادنا من دون الالتزام بقواعدنا. ويجب أن تتوقف عمليات العبور الخطيرة على الفور. ويجب تفكيك شبكات التهريب”. ودعت فون دير لاين إلى إجراء عمليات ترحيل سريعة “كما تنص قواعدنا”. وتابعت أن مفوضي الاتحاد الأوروبي يتواصلون مع السلطات الإسبانية والمغربية.

وفي المواقف الأوروبية، دعا المستشار الألماني فريدريش ميرز اليوم، المغرب إلى “إعادة المهاجرين غير النظاميين فوراً”. وقال المستشار المحافظ “ترغب إسبانيا، بل يجب عليها، السيطرة على الوضع في سبتة بأسرع وقت ممكن. ولذلك، أرحب بنية إسبانيا عدم السماح للمهاجرين غير النظاميين بدخول البر الأوروبي”. وشدد ميرز على أن حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي أمر بالغ الأهمية لمكافحة الهجرة غير القانونية. وأتوقع بوضوح من جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الوفاء بهذا الالتزام”.

(فرانس برس، العربي الجديد)

Share This Article