المياه تجري من تحتها والاحتلال يتحكم بها.. العطش يضرب 16 قرية شمال الضفة

المسار : تخوض 16 بلدة وقرية في شمال الضفة الغربية صيفاً غير اعتيادي يتسم بأزمة مياه حادة وقاسية، عقب دخول انقطاع الإمدادات الرئيسية أسبوعه الثاني على التوالي.

ورغم أن أحواض المياه الجوفية الغنية تجري تحت أقدام أهالي هذه القرى، إلا أن صمامات التحكم باستخراجها وضخها تظل حصريًا بيد سلطات الاحتلال الإسرائيلي، التي تُوظّف الموارد الحيوية كأداة للتضييق الممنهج وتحويل الحياة اليومية للمواطنين إلى معاناة مستمرة.

ففي الرابع والعشرين من يوليو/ تموز الماضي، أوقفت شركة “مكوروت” الإسرائيلية ضخ المياه من بئر “بيت إيبا” المحوري الواقع غرب مدينة نابلس.

وعزت الشركة هذا التوقف المفاجئ إلى خروج البئر عن الخدمة إثر تعطل مضخته الرئيسية، لتبدأ منذ تلك اللحظة موجة عطش شملت 16 تجمعاً سكانياً يتوزع بين محافظات نابلس وقلقيلية وجنين.

ورغم أن “مكوروت” أبلغت سلطة المياه الفلسطينية بأنها ستستأنف العمل بعد إنهاء عمليات الصيانة دون تحديد سقف زمني منجز، وتعهدت بتقديم ضخ مؤقت عبر آبار أخرى بحسب الإمكانيات المتاحة، إلا أن الواقع الميداني عكس خلاف ذلك، حيث تراجعت الكميات المتدفقة إلى مستويات شحيحة للغاية.

أعباء مضاعفة يفرضها توقف البئر

وفي قرية بيت إيبا التي يقع البئر على أراضيها، بات نقص المياه يهدد المقومات الأساسية للمواطنين، مجبراً إياهم على البحث عن بدائل مكلفة للغاية في ظل غياب أي مصادر مائية ذاتية.

وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمد طالب دبوس، رئيس مجلس قروي بيت إيبا،أن تعطل البئر تسبب بأزمة مياه خانقة مست آلاف السكان والقطاعات التجارية، موضحاً أن عدم وجود أي مصدر مائي بديل للبلدة أجبر الأهالي على الاستعانة بالصهاريج الخاصة بأسعار باهظة.

وأوضحت البيانات أن سعر كوب المياه عبر الصهاريج قفز ليصل إلى 45 شيقلاً، مقارنة بالتكلفة الاعتيادية التي تزودها البلديات والمجالس والتي لا تتجاوز 5 شواقل للكوب، مما فرض أعباءً مالية إضافية تفوق قدرة الأسر في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

وأضاف دبوس أن الجهات الرسمية أبلغت المجلس القروي بأن عملية صيانة المضخة وإصلاح العطل قد تتطلب فترة تزيد عن الشهر، ما يعني استمرار الضائقة لأسابيع قادمة.

وبين أن الإمدادات البديلة التي توفرها “مكوروت” لا تكفي سد الرمق، حيث لم تضخ الشركة سوى كميات رمزية تعجز عن الوصول إلى المنازل والمناطق المرتفعة.

وأشار رئيس المجلس القروي إلى أن البلدة كانت تعاني من عجز مائي هيكلي حتى قبل وقوع العطل؛ إذ كانت “مكوروت” تزود بيت إيبا بنحو 25 إلى 30 كوباً في الساعة، بينما تحتاج البلدة فعلياً إلى 45 كوباً في الساعة دون حساب متطلبات المنطقة الصناعية.

ولفت إلى أن بلدية نابلس كانت تغطي جزءاً من الاحتياج بنحو 3 آلاف كوب شهرياً للمنطقة الصناعية، إلا أن هذه الكمية تقلصت حالياً إلى نحو ألف كوب فقط، نتيجة الأزمة المائية الخانقة التي تضرب مدينة نابلس نفسها، مما حدّ من قدرة البلدية على تقديم أي دعم إضافي للقرى المجاورة. وتزامن كل ذلك مع شح السولار وارتفاع أسعاره، ما زاد من تكلفة نقل الصهاريج وأزمة الأهالي.

اعتداءات المستوطنين وجفاف الينابيع..

ولا تختلف المعاناة في قرية الناقورة شمال غرب نابلس، التي تعيش ظروفاً مائية صحية وإنسانية حادّة؛ حيث أوضح المواطن عبد السلام محسن، أن فترات انقطاع المياه عن منازل القرية باتت تتراوح بين 9 إلى 13 يوماً متواصلة، مما ينذر بكارثة إنسانية.

وبعد أن كانت الناقورة تعتمد تاريخياً على نبع “عين هارون” لتوفير كامل احتياجاتها شتاءً و40% منها صيفاً، تسبب تراجع مياه الأمطار بتراجع تدفق النبع خلال السنوات الأخيرة، ليصبح الاعتماد كلياً على الخطوط المائية القادمة من بئر بيت إيبا الخاضع لسيطرة “مكوروت”.

وأضاف محسن في لقاء صحفي ، أن القرية فقدت مصادرها المائية الاحتياطية التاريخية بفعل تصاعد اعتداءات المستوطنين؛ إذ كان الأهالي يلجأون سابقاً إلى ينابيع حيوية مثل “عين الكفارات” و”عين قبلة” لتأمين مياه الشرب والاستخدامات المنزلية، قبل أن يسيطر المستوطنون عليها ويغلقوها بالكامل، حارمين السكان المحليين من الاستفادة منها.

المياه كأداة ابتزاز سياسي..

وعلى الصعيد الفني والسياسي، أكد خبير المياه المهندس سامي داوود، أن السبب الجوهري للأزمة لا يقتصر على عطل طارئ، بل يعود إلى التحكم الإسرائيلي الكامل بمصادر المياه وضبط كمياتها، والقيود الصارمة المفرومة على حفر آبار جديدة أو تطوير البنية التحتية حتى داخل المناطق المصنفة (أ).

وأشار داوود إلى أن الضفة الغربية تشتري سنوياً نحو 100 مليون متر مكعب من المياه من شركة “مكوروت” الإسرائيلية (بتعرفة 2.8 شيقل للمتر)، رغم أن جميع هذه المياه تُستخرج من آبار جوفية تقع في عمق الأراضي الفلسطينية بالضفة، وتُشكل 25% من مجموع الاستهلاك المحلي.

وتساءل الخبير داوود في حديث مع “وكالة سند للأنباء”، عن سبب إهمال شركة “مكوروت” توفير أجهزة مراقبة دورية للمضخات لمنع تعطلها الكلي، وتوقيت إيقاف البئر في ذروة الموجة الصيفية الحارة، إلى جانب غياب قطع الغيار السريعة لدى شركة بهذه الإمكانيات.

ولفت داوود إلى أن المستوطنات الإسرائيلية المجاورة لا تشهد أي انقطاعات أو أزمات مائية، كونها ترتبط بشبكة قطاعية موحدة ومتقاطعة تمكنها من تعويض أي نقص فوراً، وهو ما يمنعه الاحتلال عن المدن والقرى الفلسطينية جراء التقسيمات الجغرافية والعسكرية (أ، ب، ج).

وشدد الخبير، أن السيطرة على المياه باتت تُستخدم بوضوح كأداة ضغط وابتزاز سياسي ضد الفلسطينيين.

وتنعكس هذه السيطرة والقيود الهيكلية بشكل مباشر على حصة المواطن الفلسطيني؛ حيث تُظهر بيانات سلطة المياه الفلسطينية أن متوسط استهلاك الفرد في بعض مناطق الضفة الغربية ينخفض إلى أقل من 70 لتراً يومياً، وهو ما يقل بوضوح عن الحد الأدنى الذي توصي به منظمة الصحة العالمية والبالغ 100 لتر يومياً.

وفي المقابل، يستهلك المستوطن الإسرائيلي في الضفة الغربية ما يزيد على 300 لتر يومياً في المتوسط، وفق تقارير حقوقية ودولية.

ومع استمرار الأزمة وتزامنها مع موجات الحر الشديدة، يهدد هذا الجفاف المفروض بتفاقم الأوضاع الصحية والإنسانية في عشرات القرى، مضاعفاً الأعباء الاقتصادية على الأسر التي أضحت تعتمد بصورة متزايدة على شراء المياه المنقولة بالصهاريج، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية وتتسع دائرة الفقر في الضفة الغربية.

Share This Article