المسار: تباينت ردود أفعال المتابعين في عالم السوشيال ميديا، بعد إعلان نادي طرابزون سبور التركي عن ضم قائد المنتخب المصري محمد صلاح، في صفقة انتقال حر، بعد رحيله عن ليفربول بالتراضي فور انتهاء الموسم الماضي، ما بين مجموعة تبدو مصدومة من قرار الفرعون، خاصة بعد التقارير التي كانت تضع اسمه في جمل مفيدة مع أندية من الوزن الثقيل في أوروبا، آخرهم أتلتيكو مدريد الإسباني، وسبقها عاصفة من الروايات التي كانت تتحدث عن إمكانية ذهابه إلى أحد كبار الدوري السعودي، أو يحذو حذو البرغوث ليونيل ميسي بالذهاب إلى أحد أندية الدوري الأمريكي، ما يعني أنه كان مرشحا للذهاب إما لناد كبير أو متوسط في إحدى الدوريات الأوروبية الكبرى، وإما يحتم مشواره مع أحد أثرياء جنة كرة القدم الجديدة في الشرق الأوسط أو في دوري الميجور ليغ الأمريكي، لكن في الأخير خالف التوقعات بالذهاب إلى ناد أقل ما يُقال عنه إنه كان مجهولا بالنسبة للأغلبية الكاسحة لعشاق صلاح، قبل تسونامي الأخبار التي تحدثت عن استعداداه للسفر إلى تركيا من أجل التوقيع على عقد ارتباطه بناديه الجديد، والسؤال الآن.. لماذا وافق صلاح على خيار طرابزون سبور؟ وهل حقا كان بإمكانه الذهاب إلى مكان أفضل؟ هذا ما سيستعرضه التقرير التالي.
التحول السريع
لا شك أبدا، أن عالم كرة القدم على علم مسبق أن صلاح سيغادر «الآنفيلد» بمجرد انتهاء الموسم الماضي، حيث كانت البداية بما وصف بالصدام المباشر مع المدرب الهولندي آرني سلوت، حين أطلق تصريحه الشهير بأن «هناك شخص ما يريد إلقائه تحت عجلات الحافلة»، وكان ذلك اعتراضا على جلوسه على مقاعد البدلاء أمام ليدز يونايتد للمباراة الثالثة على التوالي في الدوري الإنكليزي الممتاز، وعلى الرغم من نجاح الإدارة في تهدئة الصراع بين الميغا ستار والمدرب السابق، فقد بادرت الإدارة بإعلان خبر الانفصال عن الهداف التاريخي للفريق على مستوى البريميرليغ ودوري أبطال أوروبا، وذلك قبل أسابيع من انتهاء الموسم، ما أعطى إيحاء للملايين من متابعي صلاح بأن وكيله رامي عباس، سيجد ما يكفي من الوقت للتوصل إلى أفضل عرض متاح سواء في الدوريات الأوروبية الكبرى أو في أحد أثرياء السعودية وأمريكا، وذلك على افتراض أن صاحب الـ34 عاما، ما زال بإمكانه استعادة نسخته الخارقة التي كان عليها في مثل هذه الأيام من العام الماضي، عندما ختم موسم 2024-2025، بسلسلة من الأرقام القياسية في حملة الفوز بلقب البريميرليغ للمرة الثانية بالمسمى الجديد، والتي وصلت لحد المساهمة في تسجيل 61 هدفا في مختلف المسابقات، لكنه لم يقترب من القائمة المختصرة المرشحة للفوز بالكرة الذهبية كأفضل لاعب في العالم من قبل مجلة «فرانس فوتبول»، والسبب خروج ليفربول المبكر من مراحل خروج المغلوب لدوري أبطال أوروبا على يد باريس سان جيرمان، في المقابل حصل على مكافأة ضخمة من قبل إدارة النادي، بتمديد عقده لمدة موسمين براتب سنوي وُصف بالأكبر في تاريخ النادي.
في تلك الفترة، كان صلاح هدفا بعيد المنال لعمالقة اللعبة في إنكلترا وأوروبا، بما في ذلك برشلونة وريال مدريد، وبالأخص النادي الملكي الذي كان ولا يزال في أمس الحاجة لجناح أيمن من أصحاب القدم اليسرى السحرية مثل المو، لكن من الواضح أن الطريقة التي غادر بها «الآنفيلد»، كنجم تحول في غضون 12 شهرا من القمة إلى فقدان 55% من تأثيره وبصمته في الثلث الأخير من الملعب، أثرت بشكل سلبي على سمعته في الميركاتو، وذلك على خلفية المشاكل التي تفاقمت بينه وبين المدرب الهولندي، والتي امتدت إلى آخر أيام الفرعون في الجزء الأحمر لمدينة نهر الميرسيسايد، والإشارة إلى المنشور الذي رفعه على مختلف صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي، للمطالبة بعودة النسخة المهيبة المعروفة عن ليفربول، في ما فسرت على نطاق واسع، بالرسالة غير المباشرة إلى مجلس الإدارة، من أجل البحث عن مدرب آخر يملك من الشخصية والأفكار الكروية الثورية ما يكفي لإعادة الريدز إلى ما كان عليه قبل الوصول إلى قاع الحضيض الكروي بعد الإنفاق التاريخي، الذي كسر حاجز النصف مليار دولار في سوق الانتقالات الصيفية الماضية لضم أسماء من نوعية فلوريان فيرتز، وهوغو إيكيتيكي، وألكسندر إيزاك وباقي المجموعة التي فشل المدرب السابق في إخراج أفضل ما لديها في موسمها الأول مع الفريق، لكن في النهاية تقاسم سلوت وصلاح الخسائر، برحيل المدرب بقرار أحادي من قبل الإدارة، وفقدان صلاح لجزء كبير من البريق الذي كان عليه في فترة ما بعد انتهاء موسم 2024-2025، وإلا لكان من الممكن أن نرى المو بالقميص الأبيض الأشهر عالميا، لا سيما بعد تعقد مهمة ريال مدريد في استقطاب جناح بايرن ميونخ مايكل أوليسيه هذا الصيف، وكلمة السر، تكمن أولا في مخاوف الإدارة من تكرار صفقة أخرى من البريميرليغ مع لاعب في منتصف الثلاثينات، بعد الفشل الذريع لصفقة البلجيكي إدين هازارد، الذي كبد الخزينة أكثر من 100 مليون دولار، وفي الأخير اكتفى بقضاء جُل وقته في صراعه مع لعنة الإصابة، ثانيا لصعوبة ضمه في ظل وجود جوزيه مورينيو على رأس الجهاز الفني للفريق، وهو المدرب الذي كان قد تعاقد معه أثناء وجوده في تشيلسي في ولايته الثانية في «ستامفورد بريدج»، وبعد فترة قصيرة وافق على إرساله إلى فيورنتينا الإيطالي على سبيل الإعارة.
ما بين السطور
بإلقاء نظرة على مكان صلاح في أغلب عمالقة أوروبا، سنجد أنه في غاية التعقيد، مثل وجود الفرنسي أوليسيه في «آليانز آرينا»، ومواطنيه برادلي باركولا ودوي في باريس سان جيرمان، وفي إيطاليا يمتلك ميلان نجم الميركاتو كريستيان بوليسيتش، بينما جاره الشمالي يوفنتوس، فلم يتعاف بعد من تبعات التوقيع مع كريستيانو رونالدو بنفس عمر صلاح حاليا، فقط كان من الممكن أن يعود إلى بيته القديم في فلورنسا عبر بوابة فيرونتينا أو ممثل العاصمة روما، وذلك بالتزامن مع احتفالات الناديين بمرور 100 عام على تأسيسهما، إلا أن أيا منهما لم يكن بإمكانه تحمل تكاليف العقد حتى لو رغبا في عملية لم الشمل مرة أخرى، وذلك بسبب الضرائب الجديدة المنصوص عليها في مرسوم النمو على أندية الكالتشيو، إلى جانب اللوائح المالية الجديدة للاتحاد الأوروبي لكرة القدم، وعلى رأسها قاعدة تكلفة الفريق التي تنص على ألا تتجاوز نسبة الأجور إلى الإيرادات 70%، لم تُسهم في تحسين الوضع، وهي القاعدة التي تسببت في معاقبة روما بغرامة قُدرت بنحو 4.6 مليون يورو لتجاوزه هذه النسبة، ولهذا تحولت أنظار صلاح ووكيله أعماله تجاه الدوري التركي، وكانت البداية بالبروباغندا التي أثيرت حول إمكانية ذهابه إلى بيشكتاش، ثم بعد ذلك المفاجأة المدوية، بإعلان انتقاله بشكل رسمي إلى طرابزون سبور، في صفقة تبدو من الوهلة الأولى عادية أو في المتناول من حيث الأمور المادية والراتب السنوي، بحصوله على راتب سنوي يُقدر بنحو 10 ملايين يورو صافية بعد الضرائب، بالإضافة إلى سبعة ملايين أخرى في شكل مكافأة على التوقيع المجاني، ما يعني أنها لم تختلف كثيرا عن صفقة بيشكتاش التي لم تر النور.
لكن المصادر المقربة من صاحب الشأن، تشير إلى رغبته في الابتعاد عن صخب وضغوط اللعب مع أحد عمالقة العاصمة الثانية اسطنبول، إلى جانب رغبة الأسرة في العيش على المدينة الهادئة التي تطل على شواطئ البحر الأسود، وفي نفس الوقت على مسافة قريبة جدا من مصر، أما على المستوى الفني والطموحات، فمن الواضح أن صلاح اختار تجربة مختلفة، من خلال الذهاب إلى فريق يعتبر من الكبار في تركيا، على أمل أن يحاكي نفس تأثيره مع ليفربول، الذي كان بعيدا عن البطولات لفترة ليست بالقصيرة، إلى أن جاء صلاح وقاده للفوز بكل البطولات المحلية والقارية، على رأسها البريميرليغ ودوري أبطال أوروبا، وبالنسبة لطرابزون سبور، فكما هو معروف عنه، أنه فريق لا يٌستهان به في تركيا، باعتباره أول من تجرأ على احتكار عمالقة اسطنبول للقب الدوري التركي في سبعينات القرن الماضي، قبل أن يتوقف عن التتويج لأكثر من ثلاثة عقود، حين فاز باللقب للمرة السابعة في تاريخه عام 2022، لذلك رحب بهذه المغامرة الجريئة على أمل أن يتحول إلى بطل قومي في المدينة المفضلة للسياح العرب في تركيا، خاصة بعد الاستقبال الأسطوري الذي حظي به من قبل المشجعين سواء على أرض الواقع أو في عالم «السوشيال ميديا»، وأيضا ما يُقال عن الامتيازات المادية الأخرى التي لم يتم الإفصاح عنها أمام وسائل الإعلام، والمدعومة من الحكومة التركية في ظل رغبة المسؤولين في استقطاب صلاح لإنعاش السياحة في المدينة الساحلية الخلابة.
عن القدس العربي

