المسار: يتداول الفلسطينيون منذ سنوات أمثالاً شعبية وتعابير مجازية للتعبير عن نظرتهم إلى منظومة الاحتلال الإسرائيلي، ومن بين أكثرها تداولاً عبارة “الكلب لا يعض ذيله”، التي تُستخدم مجازاً للتعبير عن اعتقاد شائع بأن المؤسسات الإسرائيلية، رغم تعددها، تعمل ضمن منظومة واحدة، وبالتالي لا تتخذ قرارات تمس السياسات الأساسية للدولة، ولا سيما في الملفات المتعلقة بالأراضي والاستيطان.
ويبرز هذا التصور بصورة خاصة عند الحديث عن القضايا التي يرفعها الفلسطينيون أمام المحاكم الإسرائيلية اعتراضاً على مصادرة الأراضي أو إقامة المستوطنات أو شق الطرق الالتفافية والأوامر العسكرية. ويرى كثير من أصحاب الأراضي والمتابعين لهذه الملفات أن فرص نجاح هذه الدعاوى محدودة، مستندين إلى تجارب سابقة يعتبرون أنها لم تؤدِّ إلى وقف السياسة الاستيطانية بشكل جوهري.
ويقول مواطنون وحقوقيون إن منظومة الاحتلال تضم الجيش، والإدارة المدنية، والمستشارين القانونيين، والنيابة، والمحاكم، وهي مؤسسات تختلف في اختصاصاتها، إلا أن منتقديها يرون أنها تعمل في إطار السياسات العامة للدولة، وهو ما يدفع بعض الفلسطينيين إلى التشكيك في قدرة القضاء الإسرائيلي على إحداث تغيير جذري في القضايا المرتبطة بالأرض والاستيطان.
وفي هذا السياق، أعلنت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في أكثر من مناسبة متابعتها عشرات الملفات القانونية المتعلقة بمصادرة الأراضي والإجراءات الاستيطانية. ويشير مسؤولون فلسطينيون إلى أن النتائج التي تحققت عبر هذه المسارات القضائية بقيت محدودة، معتبرين أن الواقع الميداني غالباً ما يستمر حتى أثناء نظر القضايا أمام المحاكم.
وتؤكد المؤسسات الفلسطينية أن سياسة الاستيطان تتواصل من خلال إصدار أوامر عسكرية، وإقامة بؤر استيطانية جديدة، وتوسيع مستوطنات قائمة، إلى جانب شق طرق وبناء بنى تحتية تخدم المستوطنات. وتعتبر هذه المؤسسات أن تلك الإجراءات تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض وتقليص المساحات المتاحة للتوسع العمراني والزراعي الفلسطيني.
من جانب آخر، تشير الحكومة الإسرائيلية إلى اعتبارات أمنية وقانونية في عدد من الإجراءات المتعلقة بالأراضي، بينما تؤكد منظمات حقوقية دولية والأمم المتحدة أن المستوطنات المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة تُعد، وفق غالبية التفسيرات القانونية الدولية، مخالفة للقانون الدولي، وهو ما ترفضه إسرائيل.
ويرى محللون أن محدودية النتائج التي يحققها الفلسطينيون عبر القضاء الإسرائيلي دفعت كثيرين إلى البحث عن مسارات أخرى، من بينها توثيق الانتهاكات، والعمل مع المؤسسات الحقوقية الدولية، وإثارة القضية في المحافل الدولية، إلى جانب تعزيز صمود المواطنين في أراضيهم.
وبالنسبة للفلسطينيين الذين يواجهون أوامر المصادرة أو التوسع الاستيطاني، فإن القضية لا تتعلق بإجراءات قانونية فحسب، بل ترتبط بمصدر رزقهم ومستقبل قراهم وبلداتهم، وهو ما يجعل أي قرار قضائي أو إداري ذا أثر مباشر على حياتهم اليومية.
وفي ظل استمرار الخلاف السياسي والقانوني حول شرعية الاستيطان، تبقى عبارة “الكلب لا يعض ذيله” حاضرة في الخطاب الشعبي الفلسطيني بوصفها تعبيراً مجازياً عن فقدان الثقة بقدرة مؤسسات الاحتلال، من وجهة نظر أصحاب هذا الرأي، على إصدار قرارات تتعارض مع السياسات الرسمية المتعلقة بالأرض والاستيطان

