استنزاف «باتريوت» يضع واشنطن أمام معضلة استراتيجية.. إيران تغيّر قواعد المواجهة

المسار :كشفت تقارير صحفية أمريكية عن تطورات ميدانية أثارت مخاوف داخل واشنطن بشأن قدرة منظومات الدفاع الجوي الأمريكية على التعامل مع هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة مكثفة، في ظل ما وصفته صحيفة «نيويورك تايمز» بتطور لافت في التكتيكات الإيرانية خلال جولة من المواجهات في يوليو/تموز الماضي.

وبحسب التقرير، اعتمدت إيران على إطلاق موجات متزامنة من الطائرات المسيّرة والصواريخ، بينها صواريخ قادرة على تغيير مسارها، بهدف إرباك الدفاعات الجوية واستنزاف صواريخ الاعتراض الأمريكية، في تكتيك قالت الصحيفة إنه يستلهم بعض أساليب الحرب في أوكرانيا.

وشملت الهجمات، وفق المعطيات الواردة، قواعد أمريكية في الأردن، من بينها قاعدة موفق السلطي الجوية في الأزرق، التي تستضيف أعدادًا كبيرة من القوات الأمريكية.

وذكرت الصحيفة أن أحد الصواريخ تمكن، في 17 يوليو/تموز، من اختراق الدفاعات والوصول إلى القاعدة، حيث أصاب منشآت سكنية، ما أدى، وفق التقرير، إلى مقتل ثلاثة جنود أمريكيين وإصابة أكثر من 100 آخرين.

استنزاف المخزونات

وتشير البيانات التي أوردها التقرير، استنادًا إلى تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، إلى استهلاك الولايات المتحدة ما بين 1503 و1571 صاروخًا من طراز باتريوت خلال خمسة أشهر، من أصل مخزون أولي يقدر بنحو 2330 صاروخًا.

وبحسب هذه التقديرات، فإن المخزون المتبقي قد يتراوح بين 700 و800 صاروخ، في حين لا يتجاوز الإنتاج السنوي نحو 600 صاروخ، ما يجعل إعادة بناء المخزون عملية تمتد لسنوات.

ولا يقتصر الضغط على منظومة «باتريوت»، إذ أشار التقرير إلى تراجع مخزون صواريخ ثاد (THAAD) بنسب كبيرة، إلى جانب استهلاك أعداد من صواريخ توماهوك، الأمر الذي يضيف مزيدًا من الضغوط على الترسانة الأمريكية.

من الدفاع إلى حرب الاستنزاف

ويرى التقرير أن التطور الأبرز لا يتمثل فقط في قدرة بعض الهجمات على اختراق الدفاعات، وإنما في تحويل كثافة الهجوم نفسها إلى أداة لاستنزاف الخصم؛ فحتى عندما تتمكن منظومات الدفاع الجوي من اعتراض معظم المقذوفات، فإن تكلفة الاعتراض واستهلاك الذخائر قد تتحول إلى مشكلة استراتيجية إذا استمرت الهجمات لفترة طويلة.

كما أشار التقرير إلى اتساع نطاق المواجهة ليشمل مناطق وقواعد مرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، مع اعتماد إيران على الطائرات المسيّرة في جمع المعلومات وتحديد تحركات القوات والطائرات الأمريكية.

وتضع هذه التطورات واشنطن أمام معادلة صعبة: القدرة على حماية القوات والحلفاء من جهة، والحفاظ على مخزون كافٍ من صواريخ الاعتراض لخوض مواجهات طويلة من جهة أخرى.

مليارات لإعادة بناء الترسانة

وفي محاولة لمعالجة النقص، اتجهت الولايات المتحدة إلى تعزيز إنتاج صواريخ الدفاع الجوي، بما في ذلك صفقة ضخمة مع شركة لوكهيد مارتن لإنتاج صواريخ «باتريوت» على مدى سنوات.

لكن زيادة الإنتاج لن تعني حل الأزمة بصورة فورية، إذ تحتاج إعادة بناء المخزونات إلى وقت طويل، وهو ما قد يفرض قيودًا جديدة على خيارات واشنطن العسكرية ويعيد تشكيل حسابات الخصوم، خصوصًا روسيا والصين.

وبذلك، تبدو المواجهة، وفق ما خلصت إليه المعطيات الأمريكية، أبعد من مجرد معركة صاروخية؛ فهي اختبار لقدرة الولايات المتحدة على تحمل حرب استنزاف مكلفة في الذخائر، وموازنة حماية قواتها مع الحفاظ على جاهزية ترسانتها لمواجهة أزمات أخرى حول العالم.

Share This Article