تقرير: “اتفاقية مكة مقابل الإبراهيمية”.. أي شرق أوسط يتشكل؟

المسار : لا تكمن الأهمية الأساسية لـ”اتفاقية مكة للدفاع المشترك” بين السعودية وتركيا وباكستان في التزاماتها العسكرية بقدر ما تكمن في دلالتها على تحول أوسع في الشرق الأوسط، تسعى خلاله قوى إقليمية إلى بناء ترتيبات أمنية وسياسية تتيح لها دورا أكبر في تحديد مسار المنطقة بعيدًا عن القيادة الأميركية التي استمرت نحو خمسة عقود.

هذه الخلاصة يطرحها ستيفن كوك، الخبير في شؤون الشرق الأوسط وتركيا في “مجلس العلاقات الخارجية” الأميركي، في تحليل نشره المجلس ونقلته وكالة الأنباء الألمانية (د ب أ)، تناول فيه الاتفاقية التي وقعتها الدول الثلاث مؤخرًا، من دون نشر نص رسمي لها حتى الآن.

وبحسب تقارير تناولت الاتفاقية، فإنها تتضمن في جوهرها التزامًا شبيها بالمادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، يقوم على اعتبار أي هجوم على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا.

ويرى كوك أن هذا النوع من الضمانات يعني، من الناحية النظرية، التزام السعودية وتركيا بالدفاع عن باكستان إذا اندلعت حرب في جنوب آسيا، كما يفترض مشاركة قوات سعودية وباكستانية إذا وقع صدام بين تركيا وإسرائيل في سورية أو شرق البحر المتوسط.

لكن الاتفاقية واجهت اختبارًا عمليًا بعد 48 ساعة فقط من توقيعها، عندما شن الحوثيون هجومًا على مصفاة تابعة لشركة أرامكو السعودية في جازان، جنوب غربي المملكة، من دون أن تطلب الرياض مساعدة شريكيها الجديدين.

ويشير كوك إلى احتمال أن يكون السعوديون قد اعتبروا التهديد الحوثي غير خطير بالقدر الذي يستدعي تفعيل الاتفاقية، لكنه يرجح كذلك أن الرياض لم تكن تتوقع استعداد أنقرة وإسلام آباد للانخراط في قتال داخل شبه الجزيرة العربية.

أبعد من الضمانات العسكرية

ولا يرى كوك في ذلك ما يقلل من أهمية الاتفاقية، إذ يعتبر أن قيمتها الأساسية تكمن في كونها مؤشرًا إلى تحول في النظام الإقليمي نفسه، وليس بالضرورة في اختبار قدرتها الفورية على دفع الدول الثلاث إلى القتال دفاعًا عن بعضها.

ويضع هذا التحول في سياق تراجع تدريجي للنظام الذي عملت الولايات المتحدة على بنائه وقيادته في الشرق الأوسط منذ سبعينيات القرن الماضي.

وكان ذلك النظام، بحسب كوك، يهدف إلى حماية مجموعة من المصالح الأميركية الأساسية، وفي مقدمتها ضمان استمرار تدفق النفط، والمساهمة في ضمان أمن إسرائيل، ومنع ظهور دولة أو مجموعة دول قادرة على تحدي الهيمنة الأميركية في المنطقة.

ورغم انتكاسات بارزة، بينها حظر النفط العربي عام 1973 والثورة الإيرانية عام 1979، نجحت واشنطن عمومًا في حماية هذه المصالح.

ويرى كوك أن النظام الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة ربما بلغ ذروة قوته عندما نجحت واشنطن في تشكيل تحالف دولي للدفاع عن السعودية واستعادة سيادة الكويت عقب الغزو العراقي عام 1990.

تراكم الشكوك تجاه واشنطن

لكن هذا النظام تعرض، وفق التحليل، لضغوط متزايدة خلال العقود التالية، بدءًا من الغزو الأميركي للعراق عام 2003، مرورًا بموقف واشنطن من احتجاجات “الربيع العربي” وإحجامها عن اتخاذ خطوات حاسمة لإطاحة نظام الرئيس السوري بشار الأسد.

ويضيف كوك إلى ذلك ما يصفه بالدعم الأميركي الفاتر للتدخل السعودي في حرب اليمن، ورفض الرئيس دونالد ترامب توفير دفاع مباشر عن السعودية عقب الهجوم الإيراني على منشآتها النفطية عام 2019، وصولاً إلى الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عقب هجمات 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

كما ساهمت الحروب الأميركية غير الحاسمة في أفغانستان والعراق في تعزيز النقاش داخل الولايات المتحدة بشأن تقليص الانخراط في الشرق الأوسط.

وترافق ذلك مع تصور مفاده أن زيادة إنتاج النفط والغاز داخل الولايات المتحدة تقلل اعتمادها على موارد الطاقة في المنطقة، وبالتالي تسمح لها بخفض وجودها هناك، إلى جانب الاعتقاد بأن التحول نحو مصادر الطاقة البديلة سيقلص تدريجيًا الحاجة إلى حماية حقول النفط.

لكن كوك ينتقد الطرحين، مشيرًا إلى أن أسواق الطاقة عالمية، وبالتالي فإن اضطراب الإمدادات في أي منطقة ينعكس على المستهلك الأميركي، فضلاً عن أن الانتقال إلى منظومة طاقة منخفضة الانبعاثات أكثر تعقيدًا مما تفترضه هذه الرؤية.

سياسة أميركية يصعب التنبؤ بها

ويضيف كوك عاملاً آخر أسهم في إضعاف ثقة حلفاء واشنطن، يتمثل في التقلب المتزايد للسياسة الأميركية بين إدارة وأخرى.

ويستشهد بالاتفاق النووي مع إيران الذي أبرمته إدارة الرئيس باراك أوباما عام 2015، قبل أن ينسحب منه ترامب بعد ثلاث سنوات، وكذلك بالتغيرات المتكررة في السياسة الأميركية تجاه دعم الديمقراطية في الشرق الأوسط.

ويرى أن قادة المنطقة، الذين اعتادوا سابقا قدرًا من الاستمرارية في السياسة الخارجية الأميركية، باتوا أمام نهج يتغير أحيانا لمجرد اختلاف الإدارة الجديدة عن سابقتها.

وزاد أسلوب ترامب الدبلوماسي، القائم بحسب كوك على الحدس وإبقاء الخيارات مفتوحة، من صعوبة توقع خطوات واشنطن.

ويرى أن شركاء الولايات المتحدة في المنطقة دفعوا ثمنًا لهذه التقلبات، خصوصًا مع استعداد إيران لاستهدافهم ردًا على تحركات أميركية، ما أثار تساؤلات لديهم بشأن احتمال أن يجدوا أنفسهم منفردين في مواجهة طهران.

من “الاتفاقيات الإبراهيمية” إلى مسار منافس

ويلفت كوك إلى أن فرصًا ظهرت خلال السنوات الماضية لإعادة بناء النظام الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة، وفي مقدمتها “الاتفاقيات الإبراهيمية”.

وأدت هذه الاتفاقيات لاحقًا إلى ظهور ترتيبات تعاون ضمت الولايات المتحدة والهند وإسرائيل والإمارات، وأسهمت في طرح مشروع “ممر الهند – الشرق الأوسط – أوروبا الاقتصادي”، بالتزامن مع محاولات لم تكتمل لتطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل.

لكن هجوم حماس على إسرائيل، والخلافات السعودية – الإماراتية بشأن ملفات إسرائيل والسودان واليمن، إضافة إلى الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، أسهمت، وفق كوك، في تعميق الانقسامات الإقليمية.

وفي هذا السياق، يقرأ كوك توجه السعودية نحو “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” باعتباره بحثًا عن خيارات أمنية إضافية في ظل تزايد القلق بشأن مدى موثوقية الولايات المتحدة.

ويرى أن السعودية، إلى جانب شريكيها الجديدين تركيا وباكستان، تسعى إلى بناء نظام إقليمي يمنح الدول الثلاث، بدلاً من واشنطن، قدرة أكبر على رسم ملامح المنطقة وتحديد مسارها.

مكاسب لتركيا وباكستان

ولا تقتصر دوافع الاتفاقية، بحسب التحليل، على السعودية. فهي تمنح باكستان وتركيا فرصة لتعزيز نفوذهما في منطقة الخليج على حساب خصميهما الهند وإسرائيل على الترتيب.

ويربط كوك كذلك انخراط الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الاتفاقية باهتمام إسلامي – تركي قديم بفكرة إقامة إطار دفاعي يشبه “ناتو إسلاميًا”.

ويشير إلى أن الرياض وأنقرة ذهبتا أبعد من التعاون العسكري، إذ طرحتا تصورًا لتغيير مسار خط السكك الحديدية المرتبط بـ”ممر الهند – الشرق الأوسط – أوروبا الاقتصادي”.

وبدلاً من مرور الخط من الأردن إلى إسرائيل ثم ارتباطه بأوروبا عبر قبرص واليونان، يقوم التصور، بحسب كوك، على تجاوز إسرائيل ونقل البضائع من السعودية عبر الأردن إلى سورية، ثم تركيا، ومنها إلى الأسواق الأوروبية.

ويرى كوك أن هذا المسار يمثل رؤية تنافس بصورة مباشرة النظام الإقليمي الذي حاولت “الاتفاقيات الإبراهيمية” ترسيخه.

ويخلص إلى أن ما تفعله السعودية وتركيا وباكستان يتجاوز إقامة تحالف دفاعي جديد، ويعكس تحولاً كبيرًا في بنية الشرق الأوسط، معتبرًا أنه بعد خمسة عقود لم يعد ممكنا الحديث عن نظام إقليمي تقوده الولايات المتحدة

Share This Article