كتب “أحمد زكي العريدي”مشاهدات ووقائع على الأرض.. الصحة الفلسطينية أمام أسئلة صعبة

 المسار : من حق المواطن الفلسطيني أن يسأل، ومن واجب المسؤول أن يستمع ويجيب. وما أكتبه هنا ليس مبنياً على أرقام أو تقارير نظرية، وإنما على مشاهدات ووقائع نراها ونسمعها على الأرض، وعلى شكاوى تتكرر من مواطنين وأطباء وممرضين ومرضى ومراجعين للمستشفيات.
إنني أستغرب كثيراً مما يحصل في الوضع الصحي في فلسطين، وأستغرب أكثر من حجم التذمر الذي أصبح يتكرر في أكثر من مكان، سواء بسبب نقص الأدوية، أو صعوبة الحصول على بعض الخدمات، أو التحويلات الطبية، أو نقص الأسرة، أو نقص المستلزمات الطبية.
والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن لوزارة تسمى وزارة الصحة أن تواجه المواطن وهي عاجزة عن توفير بعض أبسط الأدوية والمستلزمات؟
هل وصل الأمر إلى نقص الأدوية الأساسية؟
المشكلة، في تقديري، لا تتعلق فقط بدواء مثل “الأكامول” أو “الأسبرين”، ولا ينبغي أن ننظر إلى هذه الأسماء باعتبارها القضية الأساسية بحد ذاتها، وإنما هي مؤشر على مشكلة أوسع تتعلق بتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية داخل المؤسسات الصحية.
فعندما يدخل مواطن إلى مستشفى أو مركز صحي ويبحث عن دواء أساسي، ثم يقال له إنه غير متوفر، فإنه يبدأ بالسؤال عن بقية الأدوية والخدمات.
وهنا لا بد أن نسأل: ماذا عن أدوية الأمراض المزمنة؟ ماذا عن أدوية الأطفال؟ ماذا عن المستلزمات الخاصة بالعمليات؟ ماذا عن المواد الطبية الضرورية للأقسام المختلفة؟ وماذا عن قدرة المستشفيات على تلبية الاحتياجات اليومية للمرضى؟
هذه أسئلة لا يجوز أن تبقى معلقة.
المواطن يدخل المستشفى وهو يحمل أكثر من هم
المريض الفلسطيني يدخل المستشفى وهو يعاني من المرض، لكنه قد يخرج منه وهو يحمل هماً إضافياً يتعلق بتوفير الدواء أو الحصول على سرير أو إجراء الفحوصات أو تأمين مستلزم طبي.
والأصعب من ذلك أن المريض في كثير من الأحيان لا يعرف إلى أين يذهب عندما يقال له إن الدواء غير موجود، أو إن التحويلة تحتاج إلى وقت، أو إن السرير غير متوفر.
فيصبح المواطن أمام دائرة من الانتظار والمراجعات، بينما المرض لا ينتظر.
وهنا تكمن خطورة الأزمة.
الأطباء والممرضون ليسوا المشكلة
ومن المهم جداً أن أقول ذلك بوضوح: أنا لا أحمّل الطبيب أو الممرض أو العامل الصحي مسؤولية هذا الواقع.
بل على العكس، فإن كثيراً من الأطباء والممرضين والعاملين في المستشفيات يبذلون جهوداً كبيرة في ظروف صعبة، ويواصلون العمل رغم نقص الإمكانيات وضغط العمل وكثرة أعداد المرضى.
وما نسمعه منهم أحياناً هو عبارة: “ربنا يهونها.. إن شاء الله تنحل الأزمة”.
لكن هذه العبارات، على الرغم من أنها تعكس الأمل والصبر، لا يمكن أن تكون خطة صحية.
نحن بحاجة إلى قرار، وإلى موازنة، وإلى دواء، وإلى مستلزمات، وإلى إدارة قادرة على تأمين احتياجات المستشفيات.
المستشفى ليس سريراً وطبيباً فقط
الرعاية الصحية ليست مجرد طبيب وممرض وسرير.
المستشفى منظومة متكاملة تبدأ من النظافة والتعقيم، مروراً بالأدوية والمستلزمات والأجهزة، وصولاً إلى الطبيب والممرض والخدمة الطبية والمتابعة.
ومن المشاهد التي تؤلم المواطن ما يتعلق بمستوى النظافة في بعض المرافق الصحية.
عندما يدخل المواطن إلى بعض المستشفيات ويشم روائح كريهة صادرة عن الحمامات، أو يلاحظ نقصاً في مواد التنظيف والتعقيم والمطهرات، فإن السؤال يصبح مشروعاً:
أين الخدمات الأساسية التي يجب أن تكون متوفرة في أي مستشفى؟
هل من المعقول أن يبحث المريض أو مرافقه عن مواد تنظيف أو مناديل ورقية داخل مستشفى؟
وقد يبدو الحديث عن “لفة محارم” أمراً بسيطاً أمام أزمة الدواء والأسرة، لكنه في الحقيقة ليس تفصيلاً هامشياً. فالكرامة الإنسانية تبدأ من البيئة التي يتلقى فيها الإنسان علاجه.
ليست قضية “فاين” فقط
قد يقول البعض: لماذا الحديث عن المناديل أو نظافة الحمامات في ظل وجود نقص في الأدوية والتحويلات؟
والجواب أنني لا أضع هذه القضية في مرتبة الدواء أو العملية الجراحية، ولكنني أقول إن المؤسسة الصحية يجب أن تكون قادرة على توفير الحد الأدنى من مقومات النظافة والصحة العامة.
إذا كان المستشفى لا يستطيع توفير أبسط المستلزمات، فذلك مؤشر على ضرورة مراجعة شاملة لطريقة إدارة الموارد والاحتياجات.
المريض الذي يدخل المستشفى يجب ألا يشعر بأنه دخل مكاناً يزيد من معاناته.
التحويلات الطبية.. معاناة أخرى
هناك أيضاً ملف التحويلات الطبية، وهو من أكثر الملفات حساسية، خصوصاً بالنسبة للمرضى الذين يحتاجون إلى خدمات غير متوفرة في المستشفيات الحكومية.
المريض الذي يحتاج إلى علاج متخصص لا يستطيع الانتظار طويلاً أمام الإجراءات البيروقراطية، لأن بعض الحالات مرتبطة بالوقت.
وعندما تتأخر التحويلة أو تتعقد الإجراءات أو لا تتوفر الإمكانيات، فإن المواطن يجد نفسه في مواجهة أزمة صحية ونفسية ومالية في آن واحد.
وهنا يجب أن تكون هناك آلية واضحة وسريعة للتعامل مع الحالات التي تحتاج إلى علاج خارج المستشفى أو خارج منظومة الخدمات المتوفرة فيه.
نقص الأسرة.. معاناة لا يجوز تجاهلها
ومن الملفات التي تتكرر أيضاً مسألة نقص الأسرة.
فالمستشفى الذي لا يملك الأسرة الكافية لا يستطيع استيعاب جميع المرضى، والطبيب قد يجد نفسه أمام خيارات صعبة، والمريض قد يضطر إلى الانتظار أو البحث عن مكان آخر.
وهذه ليست مسؤولية الطبيب الذي يقف أمام المريض، وإنما مسؤولية منظومة صحية كاملة يجب أن تخطط لاحتياجات السكان الحالية والمستقبلية.
ماذا بقي من التأمين الصحي؟
الحكومة تتحدث عن التأمين الصحي، وهناك من يرى أن التأمين الصحي الفلسطيني من أفضل أنظمة التأمين في المنطقة.
لكنني أسأل: ما قيمة بطاقة التأمين الصحي إذا ذهب المواطن إلى المستشفى ولم يجد الدواء أو السرير أو المستلزم الذي يحتاجه؟
التأمين الصحي ليس مجرد بطاقة أو ورقة.
التأمين الحقيقي هو أن يعرف المواطن أنه عندما يمرض، هناك مؤسسة ستستقبله، وطبيب سيعالجه، ودواء سيعطى له، وفحص سيجرى له، وسرير سيتوفر له عندما يحتاجه، وتحويلة ستنجز له عندما تكون ضرورية.
أما إذا أصبح المواطن يحمل بطاقة تأمين ولا يجد الخدمة المطلوبة، فإن التأمين يتحول في نظره إلى مجرد عنوان لا يترجم إلى واقع.
الصحة ليست ملفاً ثانوياً
الحكومة الفلسطينية تواجه ظروفاً اقتصادية وسياسية صعبة، وهذا أمر لا يمكن تجاهله.
لكن صعوبة الظروف لا تعني أن الصحة يمكن أن تكون في آخر سلم الأولويات.
بل ربما العكس تماماً.
في ظل الأزمات الاقتصادية والبطالة والحصار والإغلاق والضغط النفسي الذي يعيشه المواطن الفلسطيني، يجب أن يكون القطاع الصحي من أكثر القطاعات التي تحصل على الاهتمام والدعم.
فالمواطن الذي يخسر عمله أو دخله يستطيع أن ينتظر أحياناً، لكن المريض لا يستطيع أن ينتظر عندما تكون حالته الصحية حرجة.
رسالة وليست تشهيراً
وأؤكد هنا أن ما أكتبه ليس بهدف التجريح أو التشهير بوزارة الصحة، ولا بهدف الإساءة إلى الأطباء والممرضين والعاملين في القطاع الصحي.
على العكس، هذه رسالة إلى وزارة الصحة والحكومة وإلى كل من له علاقة بالقطاع الصحي.
نحن نريد لوزارة الصحة أن تكون قوية، ونريد مستشفياتنا أن تكون أفضل، ونريد للطبيب الفلسطيني أن يمتلك الأدوات التي تمكنه من أداء رسالته.
ونريد للممرض أن يعمل في بيئة مناسبة، وللمريض أن يدخل المستشفى وهو يشعر بالأمان، لا أن يدخل وهو يسأل: هل يوجد الدواء؟ هل يوجد السرير؟ هل توجد المستلزمات؟
أعطوا الطبيب أدواته
الطبيب الفلسطيني لديه القدرة والإرادة والخبرة.
والممرض الفلسطيني لديه الاستعداد للعمل وخدمة المرضى.
لكن لا يمكن أن نطلب من هؤلاء أن يصنعوا المعجزات من دون أدوات.
وما يحدث يشبه، كما أقول دائماً، أن تطلب من جندي أن يذهب إلى المعركة وينتصر ويقاتل، بينما لا تضع في بندقيته رصاصة واحدة.
لا يمكن أن نحمّل الطبيب مسؤولية نقص الدواء، ولا الممرض مسؤولية نقص المستلزمات، ولا مدير المستشفى مسؤولية أزمة تتجاوز قدرات المستشفى نفسه.
المسؤولية تبدأ من صاحب القرار الذي يملك الموازنة والقدرة على التخطيط والتوفير.
أين الأولويات الحكومية؟
السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم هو: أين تذهب الأولويات الحكومية؟
كم تحتاج وزارة الصحة فعلياً لتوفير الأدوية الأساسية؟
كم تحتاج المستشفيات لتأمين مواد التنظيف والتعقيم؟
كم تحتاج من الأسرة؟
ما حجم النقص في الأدوية؟
كم عدد المرضى الذين ينتظرون تحويلات؟
وما هي الخطة الحكومية لمعالجة هذه الملفات؟
هذه الأسئلة يجب ألا تبقى داخل المكاتب المغلقة.
المواطن يريد إجابات واضحة وشفافة، ويريد أن يعرف أين تكمن المشكلة، وما الذي تفعله الحكومة لمعالجتها، ومتى يمكن أن يرى نتائج ملموسة.
الصحة حق للمواطن
الصحة ليست منّة من الحكومة، وليست خدمة إضافية يمكن تقديمها عندما تسمح الظروف.
الصحة حق أساسي للمواطن.
ومن حق الفلسطيني الذي يدفع الضرائب ويعمل ويساهم في الاقتصاد أن يحصل على خدمة صحية محترمة.
ومن حق المريض أن يجد الدواء.
ومن حقه أن يجد سريراً عندما يحتاج إليه.
ومن حقه أن يدخل مستشفى نظيفاً.
ومن حق الطبيب أن يجد الأدوات والمستلزمات التي يحتاجها.
ومن حق الممرض أن يعمل في ظروف إنسانية ومهنية مناسبة.
المطلوب خطة إنقاذ للقطاع الصحي
ما نحتاجه اليوم ليس المزيد من التصريحات، وإنما خطة واضحة للنهوض بالقطاع الصحي الفلسطيني.
خطة تحدد الاحتياجات، وترتب الأولويات، وتوفر التمويل، وتراقب شراء الأدوية والمستلزمات، وتضمن توزيعها بعدالة على المستشفيات والمراكز الصحية.
كما نحتاج إلى رقابة حقيقية على الإنفاق، وإلى شفافية في المشتريات والعطاءات، وإلى متابعة مستمرة لما يصل إلى المستشفيات وما ينقصها.
ويجب أن يكون هناك خط ساخن وفعال لتلقي شكاوى المرضى ومتابعتها، وليس مجرد استقبال الشكوى ثم إغلاق الملف.
في النهاية.. المريض ليس رقماً
في النهاية، أقول إنني أنقل مشاهدات ووقائع على الأرض، وأضعها أمام وزارة الصحة والحكومة والمسؤولين.
قد يختلف معي البعض في بعض التفاصيل، وقد يقول آخرون إن هناك خدمات تقدمها وزارة الصحة، وهذا صحيح، وأنا لا أنكر ذلك.
لكن وجود خدمات لا يعني أن المشكلة انتهت.
بل إن الاعتراف بالمشكلة هو الخطوة الأولى نحو حلها.
المواطن الفلسطيني يستحق أفضل من ذلك، والطبيب الفلسطيني يستحق أفضل من ذلك، والممرض والعامل الصحي يستحقون أفضل من ذلك.
لا نريد أن نرى الطبيب واقفاً أمام المريض وهو عاجز عن تقديم الدواء بسبب عدم توفره.
ولا نريد أن يدخل المواطن المستشفى وهو يحمل مرضه، ثم يخرج منه حاملاً معه معاناة أخرى.
هذه ليست صرخة ضد وزارة الصحة، وإنما صرخة من أجل وزارة صحة أقوى، ومستشفيات أفضل، وخدمة صحية تحفظ كرامة المواطن الفلسطيني.
Share This Article