المسار : بعد سنوات طويلة من الغياب القسري عن صناديق الاقتراع، وتآكل الشرعيات وغياب المرجعيات واستشراء التفرد والفساد فظل غياب المسائلة والمحاسبة. يستعد الفلسطينيون لاستحقاق تشريعي طال انتظاره. جيلٌ كامل وُلد وكبر وبلغ سن الاقتراع دون أن يمارس حقه في اختيار من يمثله ويشرّع له ويحاسب باسمه. وكان يُفترض أن تكون هذه اللحظة فرصة لتجديد الشرعية وإصلاح دورة النظام السياسي وبنيته. غير أن ثمة من يتربص بها قبل أن تبدأ فالمال السياسي الذي يشتري الذمم، والسلطة الوظيفية التي ترهب الرقاب، والمؤسسات العامة التي تُجيَّر لصالح فريق دون آخر.
ليست كل الأطراف تنظر إلى المجلس التشريعي بالعين نفسها. فمنهم من يراه بوابة لإعادة بناء النظام السياسي وتجديد النخب وربط الموقع بالمساءلة. ومنهم من يريد بقاء الحال على ما هو عليه، لأن الجمود يحفظ المصالح المتراكمة ويصون موازين النفوذ. ومنهم، وهم الأخطر، من لا يرى في المقعد تكليفًا وطنيًا، بل غنيمة ووجاهة وامتيازًا شخصيًا، بعيدًا كل البعد عن الهم العام. وهذا الفريق الأخير لا يقدم برنامجًا، لأن بضاعته ليست الأفكار. إنه يعامل المقعد كاستثمار، يدفع ثمنه مقدمًا ليستردّه مضاعفًا بعد الفوز. ومن يدخل البرلمان بهذه العقلية لن يخرج منه إلا وقد حوّل التشريع إلى سلعة والرقابة إلى صفقة.
لا ينمو المال السياسي في الفراغ، بل يتغذى على واقع اقتصادي متردٍّ وضائقة مالية طالت كل مناحي الحياة الفلسطينية، رواتب منقوصة، وبطالة تنهش الشباب والخريجين، وأسر تؤجل احتياجاتها الأساسية من شهر إلى آخر. وفي هذا المناخ تغدو الحقيبة المالية وسلة المساعدات والوعد بوظيفة عروضًا شديدة الإغراء لمن أنهكه العوز. ولنكن منصفين في الحكم، فالمواطن الذي يمدّ يده في ضيقه ضحية معادلة ظالمة قبل أن يكون شريكًا فيها. الجريمة الأكبر على من يتقصّد توظيف الحاجة لتحويل الحق الانتخابي إلى سلعة، وعلى من ترك الناس في هذه الحاجة ثم جاءهم في موسم الاقتراع بصفة المحسن. إن من يُفقر الناس ثم يشتري أصواتهم لا يعرض عليهم مساعدة، بل يفرض عليهم ثمن حريتهم. لا يقتصر المال السياسي على المظروف الذي يُدسّ قبيل يوم الاقتراع، فصوره أوسع وأكثر تخفيًا ومنها، الشراء المباشر للأصوات بمبالغ نقدية أو عينية، الزبائنية والمحسوبية وعود بالتوظيف والخدمات والتسهيلات تجعل الناخب تابعًا لا مواطنًا، توظيف العمل الخيري والمساعدات وتحويل المبادرات الإغاثية إلى منن بعينها. يجمع الإنفاق الإعلامي غير المتكافئ الذي يخلّ بتكافؤ الفرص بين من يملك ومن لا يملك، شراء الولاءات داخل التنظيمات والتأثير في الترشيحات وترتيب القوائم قبل أن يصل الأمر إلى الناخب، التمويل الخارجي المشروط، مال بأجندات لا تخدم المصلحة الوطنية، استغلال الوظيفة العامة والمؤسسات والتهديد بالفصل والنقل، وتجيير الموارد والمنابر الرسمية لجهة بعينها. يجمع هذه الصور منطق واحد هو استبدال الإقناع بالإغراء، والبرنامج بالمظروف، والمساءلة بامتنان مصطنع.
ليس المال وحده ما يُفسد الإرادة الحرة، فثمة أداة أخفى وأشد فتكًا وهي سلطة الوظيفة والموقع، الموظف الذي يرتبط راتبه بقرار مسؤوله، ويخشى النقل التعسفي أو الحرمان من الترقية أو الفصل، يدخل غرفة الاقتراع وفي ذهنه حساب آخر غير حساب الضمير. وفي مجتمع يُعيل فيه الراتب الواحد أسرًا ممتدة، يصبح التلميح بالتهديد أبلغ من أي خطاب انتخابي، ويحلّ الخوف محل القناعة. فالتهديد المباشر أو المبطّن بالفصل أو الإحالة إلى التقاعد المبكر أو النقل إلى مواقع نائية لمن لا يمتثل. وربط الترقيات والعلاوات بالولاء السياسي بدل الكفاءة والأداء. والتوظيف الانتقائي قبل الانتخابات ووعود التعيين مقابل التأييد، فتتحول الوظيفة العامة إلى عملة انتخابية. الضغط على الموظفين لحضور فعاليات جهة بعينها وإظهار الولاء لها. مراقبة الموظفين ورصد توجهاتهم، وتحويل الاختلاف في الرأي إلى شبهة. إنه اعتداء مزدوج على حق الموظف في اقتراع حر وسري، وعلى مبدأ حياد الخدمة المدنية الذي يفترض أن الموظف العام يخدم الشعب كله، لا حزبًا ولا شخصًا. ومن يهدد موظفًا بلقمة عيشه ليصوّت كما يريد، لا يمارس السياسة، بل يمارس الإكراه.
ويتصل بذلك استغلال المؤسسات العامة من وزارات وبلديات ومدارس ومرافق خدمية ووسائل إعلام رسمية وتحويلها إلى منابر ومحطات دعائية لطرف دون آخر. تُسخَّر مقارّها وسياراتها وميزانياتها وكوادرها للترويج، وتُحوّل المناسبات الرسمية وافتتاح المشاريع إلى مهرجانات انتخابية، وتُوزَّع الخدمات بمعيار الانتماء لا الاستحقاق، ويُحجب الوصول إلى المنابر الرسمية عن المنافسين. وهذا مال سياسي من النوع الأوقح، لأن المورد المسخَّر هو المال العام المملوك للشعب بأسره. أن يُستعمل مال الناس لإقناعهم بالتصويت لمن يستعمله، فتلك مفارقة تفضح حجم الاستخفاف بوعي الناخب. وهي تخلّ بتكافؤ الفرص، فيخوض المتنافسون السباق من خطوط بداية مختلفة، ثم يُطلب من المواطن أن يصدّق أن النتيجة تعبّر عن إرادته الحرة.
حين يتسلل المال والسلطة الوظيفية إلى العملية الانتخابية، لا يتوقف الضرر عند دائرة أو مقعد. أولى الخسائر نزاهة التمثيل، إذ يصل إلى المجلس من يملك القدرة على الدفع أو الضغط، لا من يملك الكفاءة والرؤية. وثانيتها أن النائب يتحول من ممثل للشعب إلى مدين لممولّيه وراعيه، فيشرّع لمن موّله ويحمي من أوصله. وثالثتها انهيار ثقة المواطن بالسياسة والصندوق، فيقتنع أن “كل شيء يُباع ويُشترى”، فيعزف أو يساوم. وحين يجتمع المال والسلطة الوظيفية، يتحول الناخب من صاحب قرار إلى طرف مُكرَه، وتصبح النتيجة تعبيرًا عن توازن الخوف والحاجة لا عن توازن الإرادات. وبهذا يصير المال السياسي وسيلة لإعادة إنتاج الأزمة ذاتها التي جاءت الانتخابات لعلاجها.
المواجهة ليست موعظة أخلاقية، بل منظومة متكاملة تتالعام. تأسيسرات متدرجة، إقرار سقف للإنفاق الانتخابي، وإلزام القوائم والمرشحين بالإفصاح عن مصادر التمويل وأوجه الصرف بشكل فعلي لا شكلي و إصدار تعميم رسمي يحظر استخدام الوظيفة والمرافق والموارد العامة في الدعاية، ويمنع أي تمييز بحق الموظفين بسبب آرائهم أو خياراتهم .فتح قناة آمنة وسرية لشكاوى الموظفين عن التهديد والضغط، وتوثيقها ومتابعتها علنًا وتفعيل لجنة الانتخابات المركزية والجهات الرقابية في رصد المخالفات وإعلانها للرأي العام.تأسيس شبكات مراقبة مجتمعية من مؤسسات المجتمع المدني والإعلاميين والشباب لرصد الشراء المباشر وتوظيف الخدمات والمنابر الرسمية، قيادة حملات توعية تقول للناخب بوضوح إن صوته أمانة لا سلعة، وإن “الهدية الانتخابية” دَين يدفعه المجتمع كله.
فالأحزاب والقوى السياسية ليست شاهدًا محايدًا ” هنا مربط الفرس” بل هي إما جزء من العلاج وإما جزء من الداء. ومن يرفع شعار الإصلاح وهو يمارس الزبائنية، فإنما يتاجر بالشعار. وحتى تلعب القوى والأحزاب دورها لا من :
أولًا: القدوة قبل الخطاب، لا يحق لحزب أن يحاضر في النزاهة وهو يوزّع الامتيازات على أنصاره. المطلوب ميثاق شرف انتخابي تلتزم به القوى علنًا، لا شراء للأصوات، وإفصاح طوعي عن التمويل، وتحييد المساعدات الاجتماعية عن الدعاية.
ثانيًا: ضبط الترشيحات من الداخل. معيار الاختيار هو الكفاءة والسجل والنزاهة، لا سعة الجيب. والحزب الذي يبيع مقاعد قائمته لمن يدفع أكثر يشارك في إفساد العملية قبل أن تبدأ، ثم يتباكى على فسادها.
ثالثًا: الامتناع عن توظيف مواقع السلطة، القوى التي تمسك بمواقع في المؤسسات العامة مطالَبة بتعهد علني بتحييدها، وبعدم معاقبة أي موظف على رأيه، وبقبول الرقابة المستقلة على ذلك. فالمصداقية تُختبر أولًا عند من يملك السلطة قبل من يطلبها.
رابعًا: العمل الميداني المباشر. أنجع أسلحة مواجهة المال السياسي هي العلاقة الحية بين الحزب والناس، واللقاءات في البيوت والأحياء، وشبكات المتابعة المحلية، والحضور الدائم لا الموسمي. فالمال يتسلل حيث يغيب الحزب، والثقة المبنية على القرب والصدق أقوى من أي مظروف.
خامسًا: التحالف الواسع حول قواعد اللعبة. مواجهة هذه الآفة تتطلب جبهة مشتركة تتجاوز التنافس الحزبي إلى توافق على حد أدنى من قواعد النزاهة، وتفضح المخالفة أيًّا كان مرتكبها، حتى لو كان حليفًا.
سادسًا: تقديم البديل الحقيقي. لا يكفي أن تقول القوى للناس “لا تبيعوا أصواتكم”. عليها أن تقدم برامج اقتصادية واجتماعية واقعية تعالج همومهم، وتثبت أن الطريق إلى حياة أفضل يمر عبر الصندوق النزيه لا عبر الصفقة العابرة.
الانتخابات التشريعية القادمة فرصة تاريخية، لكنها لن تكون كذلك إلا إذا خرجت من أسر المال والوظيفة والموقع. فالمعركة الحقيقية ليست بين قائمة وأخرى فحسب، بل بين مشروعين، مشروع يحتكم إلى إرادة الناس الحرة ويرى في السياسة تكليفًا عامًا وطريقًا للخلاص الجمعي، ومشروع يحتكم إلى المال والوظيفة والنفوذ ويراها صفقة تُشترى وتُباع. وسيُقاس نجاح هذا الاستحقاق بقدرة الفلسطينيين على حماية صوتهم من السمسرة والترهيب، وعلى تحويل ضائقتهم المعيشية من نقطة ضعف تُستغل إلى دافع للوعي والمساءلة. فالصوت الذي يُباع اليوم بثمن بخس، أو يُنتزع بالخوف، تُدفع كلفته غدًا من كرامة الوطن ومستقبل أبنائه.

