المسار : على أراضي بلدة العيزرية جنوب شرقي القدس المحتلة، يتربع تجمع جبل البابا البدوي، الذي يواجه سكانه مصيرًا مجهولًا ونكبة جديدة، مع بدء سلطات الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ مخطط “E1” الاستيطاني.
ويعد جبل البابا واحدًا من التجمعات البدوية الفلسطينية، التي تقع في قلب المخطط الاستيطاني الهادف إلى توسيع المستوطنات وربطها، وفصل القدس عن محيطها الفلسطيني، بما يهدد وجود هذه التجمعات ومستقبل سكانها.
ولا يواجه أهالي التجمع خطر الهدم والتهجير القسري فحسب، بل يخوضون معركة يومية للحفاظ على وجودهم ونمط حياتهم البدوي في أرض يُحاصرها الاستيطان.
وخلال الأشهر الأخيرة، تصاعدت قرارات الهدم بحق منازل وممتلكات التجمع، بالتزامن مع مخططات استيطانية تستهدف المنطقة، ما يُهدد بتهجير سكانها قسرًا ويُعمق معاناتهم، وسياسة تفريغ المنطقة، من أجل فرض واقع استيطاني جديد.
ومخطط “E1” يقع بين مستوطنتي “معاليه أدوميم” و”بسجات زئيف” في مناطق (ج) الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، ويمتد على مساحة نحو 12 كيلومترًا مربعًا بين بلدات عناتا، العيساوية، الزعيم، العيزرية وأبو ديس.
مصير مجهول
رئيس لجنة خدمات تجمع جبل البابا عطا الله جهالين يقول إن 83 عائلة بواقع 450 فردًا يعيشون أوضاعًا صعبة في التجمع، وينتظرون مصيرًا مجهولًا، في ظل تصاعد اعتداءات الاحتلال ومستوطنيه، والبدء في تنفيذ مخطط “E1” الاستيطاني.
ويؤكد جهالين في حديث لوكالة “صفا”، أن سلطات الاحتلال خلال السنوات الأخيرة، صعّدت من استهدافها للتجمع، الذي يقع بين مستوطنة “معاليه أدوميم” والقدس، بشكل كبير، من خلال تطويقه بجدار استيطاني، وإحاطته بالمستوطنات.
ويوضح أن أهالي التجمع يعتمدون على الرعي وتربية الماشية، لكن كثيرًا منهم تأثروا بسبب مصادرة مساحات واسعة من أراضي الرعي لصالح الاستيطان.
ويضيف أن كثيرًا من المناطق بالتجمع تحوّلت إلى مناطق استيطان أو شُقت فيها طرق أو أُعلنت عنها كـ”مناطق عسكرية”، ما أدى إلى تقليص الثروة الحيوانية في التجمع، وعدم وجود مساحات كافية للرعي، حتى أصبح الاعتماد على الأعلاف، التي تكلفتها عالية على المزارع.
ويتابع “الأراضي التي كنا نعتمد عليها للرعي في الوادي تمت مصادرتها لصالح المستوطنات، كما تعرضنا خلال السنوات العشر الماضية لعمليات هدم طالت جميع البيوت، لكننا أعدنا بناءها، لأن الناس ترفض أن تُهدم بيوتها وتعيش نكبة ثانية”.
معاناة مضاعفة
ولم تتوقف معاناة أهالي التجمع البدوي عند ذلك، بل صعّد المستوطنون من اعتداءاتهم على رعاة الأغنام، إذ تعرضوا في كثير من الأحيان لإطلاق النار، ما أدى إلى استشهاد وإصابة عدد من أبنائه، وبالتالي أصبحت المعاناة تزداد أكثر فأكثر. وفق جهالين
ووفقًا لجهالين، يسعى الاحتلال إلى إقامة طريق “شريان الحياة” الاستيطاني، الذي يفصل المناطق المحيطة بالقدس، مثل بلدتي العيزرية وأبو ديس عن المدينة المحتلة، ويمنع امتدادها الطبيعي، إضافة إلى مصادرة جميع الأراضي التي تقع ضمن مشروع “E1”.
ويشير إلى أن 40 عائلة تسكن التجمع البدوي تلقت في الفترة الماضية قرارات هدم لمنازلها التي تقع على مسار الشارع الاستيطاني، وهناك قضايا مرفوعة في محاكم الاحتلال لوقف تهجير تلك العائلات وهدم منازلهم.
ويمتد الشارع الاستيطاني من منطقة المشتل في أقصى شرق بلدة العيزرية وصولًا إلى حاجز الزعيم العسكري، بمحاذاة مباشرة للمنازل الفلسطينية، ويستهدف عزل التجمعات البدوية المحيطة عن مركز البلدة، وقطع التواصل الجغرافي بينها وبين امتدادها الطبيعي.
ويردف جهالين: إن “جبل البابا سيصبح خارج بلدة العيزرية حال تنفيذ المشروع، لأن اعتمادنا الأساسي من ناحية التعليم والصحة على البلدة، كما سيتم فصلنا وسنصبح موجودين في منطقة بين (معاليه أدوميم) والقدس”.
مخاطر المشروع
وعن مشروع “E1″، يقول إن المشروع له تأثير كبير على السكان، إذ سيؤدي إلى تهجيرهم، وسيؤثر على حياتهم الطبيعية، خاصة من ناحية التعليم والصحة، خاصة في ظل عدم توفر مقومات للحياة، التي تساعد السكان على بقائهم في المنطقة.
ويضيف أن هذا المشروع من شأنه فصل مدينة القدس عن محيطها الفلسطيني، وجنوبي الضفة عن شمالها، فضلٕا عن قتل حلم إقامة دولة فلسطينية مستقبلًا.
ولا تقتصر خطورة المشروع الاستيطاني على عدد الوحدات الاستيطانية المستهدفة، وإنما في موقع المشروع وطبيعته الجغرافية والسياسية، لأن منطقة “E1” تمثل إحدى أكثر المناطق حساسية في الضفة الغربية، نظرًا لوقوعها بين القدس وكتلة “معاليه أدوميم”.
ويبين جهالين أن الاحتلال يستهدف التجمعات البدوية لتحقيق أطماعه في السيطرة على الأرض وطرد الفلسطينيين منها لصالح إقامة المستوطنات والتوسع الاستيطاني، خاصة أن هذه التجمعات تشكل عائقًا أمام تحقيق أطماعه.
ويوضح أن طبيعة الحياة البدوية لا تتناسب مع حصر السكان في مساحات ضيقة، في ظل اعتمادهم على الرعي وتربية الماشية.
ويؤكد أن قضية التجمعات البدوية لا تقتصر على الخيام أو العيش في المناطق المفتوحة، بل ترتبط بالحفاظ على نمط حياة وموروث حضاري متوارث، باعتبارة جزءًا من النسيج الوطني الفلسطيني.
وحسب منظمة البيدر الحقوقية، فإن التجمعات البدوية الفلسطينية المنتشرة في المنطقة المحيطة بمخطط “E1” شرق القدس تكتسب أهمية مركزية في فهم الأبعاد الجغرافية والاستيطانية للمخططات الإسرائيلية الجارية في هذه المنطقة.
وأوضحت أن هذه التجمعات لا تقع في هامش جغرافي بعيد عن المشروع الاستيطاني، وإنما توجد في قلب المجال الذي تسعى سلطات الاحتلال إلى إعادة تنظيمه عمرانيًا وديموغرافيًا، بما يخدم توسيع الكتل الاستيطانية وربطها ببعضها وتحقيق تواصل جغرافي إسرائيلي متزايد على حساب الوجود الفلسطيني.
وسبق أن حذرت الأمم المتحدة من التداعيات المحتملة لمشروع “E1” على التجمعات الفلسطينية، مع التركيز بصورة خاصة على مخاطر الإخلاء والنقل القسري التي تُهدد الخان الأحمر والتجمعات البدوية المحيطة.








