| الصحافة الاسرائيلية- الملف اليومي
افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
هآرتس 24/8/2026
لأعضاء الكنيست العرب: اتركوهم لحضنهم الدافئ.. لقوميتهم اليهودية المتطرفة
بقلم: عودة بشارات
تساءل المتنبي: “أصخرة أنا مالي لا تحركني/ هذي المُدام ولا هذي الأغاريد”. بيت الشعر هذا يتردد في عقلي منذ زمن. أشاهد أفلام فيديو وأصادف أصواتاً مضللة مليئة بالتحريض والكراهية: هناك من يقولون بأن سائقي الحافلات العرب يبطئون بشكل متعمد عند المفترقات لإحداث ازدحام مروري، وهناك من يقولون إن السائق العربي الذي ينقل خمسين مسافراً يهودياً يشبه القنبلة الموقوتة، وآخرون يقولون إن الطبيب العربي يسيء معاملة جنود الجيش الإسرائيلي، أو فيلم فيديو عن مداهمة حفل زفاف في أم الفحم، الذي اجتمع فيه كل الرجال ووجدوا أنفسهم ملقين على الأرض.
هل تعرفون، ربما أقوالي هنا في هذه الصحيفة ليست إلا أقوالاً سحرية مصممة لتهدئة اليهود وتنويمهم من أجل أن نثور وندمرهم. كل شيء محتمل في هذا الواقع المجنون الذي نعيش فيه. وعندما أشاهد هذا الشر قد بلغ الزبى، أجد العزاء في المثل العربي “كل إناء بما فيه ينضح”. فالعقل المريض لا ينضح إلا الأهوال.
هذا كله ولم نتحدث بعد عن غزة – سفك الدماء، الدموع والدمار – أو الأرض المحتلة، التي هي ساحة للانتهاكات التي تبث مباشرة. ساحة الانتهاكات في الضفة الغربية هي الأكثر وضوحاً في تاريخ البشرية. صحيح أن هناك شراً كبيراً في العالم، لكنه على الأغلب يحدث بالسر بسبب الخجل. هنا يمارس الشر بأسلوب “شوفوني”.
ويطلب من العربي المشي على أطراف الأصابع، دون أن يصدر أي أنين بسبب الألم. عليك أن تصمت… الأخ الأكبر يستمع. ماذا، هل تعتقدون أننا صخر بلا مشاعر، وأن هذه الأمور لا تنغص حياتنا؟ لقد تحدث المتنبي عن الخمر والشعر اللذين لا يثيرانه، في حين أننا نحن نعاني من شر جعل حياتنا مُرة.
المفارقة هنا أنه مطلوب مني الرد على أقوال شخص مثل أوسنات مارك، التي تسعى إلى تهويد الطب، وشرح مدى ضلالها وقبح كلامها. في الأوقات العادية لا يلتفت الإنسان الأخلاقي إلى وجود مارك أصلاً، لكن في هذه الأيام العصيبة تجرى معها مقابلة وتعرض لنا بالتفصيل أفكارها. أتذكر بيني وبين نفسي أسلافها اليهود العظام مثل حنة ارنديت وسيغموند فرويد وكارل ماركس. وأضيف بين قوسين: عزائي للمحاور العربي والديمقراطي اليهودي اللذين ظهرا ذات مرة في اليوبيل على الشاشات ويجبران على مواجهة العنصريين المتجاهلين لعنصريتهم، حسب تعبير صديقنا افيشاي بن حاييم.
وللإنصاف، نقول بأن مارك ليست الأولى التي سعت إلى تهويد مهنة معينة. ففي بداية الصهيونية، سعى قادتها إلى تهويد العمل. وبعد ذلك لم يتم قبول المهندسين العرب، بمن فيهم خريجو التخنيون، في الشركات الحكومية بسبب عدم خدمتهم في الجيش. فانتقلوا إلى مهن أخرى، مثل التعليم أو حتى عمال بناء.
يكمن خطأ مارك الكبير في أنها حولت التهويد إلى كلمة مرادفة للعنصرية. ففي ذلك الحين، مزق الرئيس حاييم هرتسوغ أمام كل ممثلي العالم قرار الأمم المتحدة الذي اعتبر الصهيونية عنصرية، أما الآن فلا تقتصر العنصرية على الصهيونية فقط، بل إن اليهودية نفسها تحولت على لسان متحدثين يمينيين إلى عنصرية.
إذا كانوا يهودون بالفعل، فالعرب ملزمون بدعم إخوانهم اليهود العنصريين، وعليهم طواعية الاختفاء من الكنيست، وهو مجلس النواب للدولة اليهودية (كلمة “ديمقراطية” آخذة في التلاشي)، لا سيما أن الاسم الثاني للعرب في إسرائيل هو “الغائبون”، وهذا الأمر بالتحديد يؤتي أكله. في ظل ما تظهره معظم الاستطلاعات من تزايد نفوذ الكتلة المناهضة لنتنياهو حتى في أوساط اليهود، أقترح على أعضاء الكنيست العرب عدم التصويت على تشكيل الحكومة القادمة، لأنني أخشى أن يرفض الأخوان بينيت – لبيد دعم العرب بفخر، ويفضلا الحضن الدافئ للقومية اليهودية المتطرفة، حتى لو كان ذلك على حساب تدمير كل شيء جميل في البلاد.
——————————————
هآرتس 24/8/2026
دعوة انضمام طهران لـ “حلف مكة”.. حقيقة أم تضليل؟
بقلم: كيسينيا سبتلوفا
أفاد مهدي رحيمي، رئيس وكالة الأنباء الرئيسية للبرلمان الإيراني، في مقابلة مع قناة “الميادين” اللبنانية المقربة من حزب الله، أن إيران تفحص دعوة للانضمام إلى “اتفاق مكة للدفاع المشترك”، وهو اتفاق الدفاع الذي وقع بين باكستان والسعودية وتركيا. وأكد المسؤول الإيراني بأن طهران تفحص حالياً العرض الذي حصلت عليه. وأشاد رحيمي أيضاً بجهود دول غرب آسيا في “إنشاء مظلة أمنية إقليمية”، وقال إن “إيران تؤيد هذه المبادرة منذ فترة طويلة”.
لم تؤكد الدول الثلاث التي وقعت على الاتفاق على هذا النبأ المثير حتى الآن. وتلتزم وزارة الخارجية الإيرانية الصمت في الوقت الحالي. وكانت تقارير سابقة أشارت إلى أن سوريا “تفحص” الانضمام إلى التحالف الإقليمي الجديد، وأن مصر تعدّ مرشحة أيضاً (لكن في الوقت نفسه، قالت عدة وسائل إعلام موالية لقطر بأن السعودية تعارض انضمام القاهرة). وتجرى حالياً محادثات مكثفة بين إيران وباكستان، ومن المقرر أن يزور رئيس أركان الجيش الباكستاني، عاصم منير، طهران اليوم (الإثنين).
وسبق التوقيع على اتفاق مكة في بداية آب عدة مراحل. فقبل سنة تقريباً، وقعت اتفاقية دفاع بين السعودية وباكستان في أعقاب الهجوم الإسرائيلي في قطر، في حين يستمر التعاون بين أنقرة وإسلام أباد منذ فترة طويلة. وقد أكدت هذه الدول الثلاث دائماً أن هذا التحالف غير موجه ضد إيران، بل أشارت إلى إسرائيل في سياق صياغة الاتفاقية باعتبارها قوة إقليمية عدوانية ومهددة يجب توحيد الجهود لمواجهتها. وقال المبعوث الأمريكي إلى المنطقة توم باراك، إن هذا التحالف لا يعتبر تحالفاً مناهضاً لإيران، بل هو “رغبة طبيعية لدول المنطقة في التوحد والعمل معا”.
مع ذلك، واضح أن السعودية التي تعرضت أراضيها لهجمات متكررة من إيران وحلفائها الحوثيين، مهددة حالياً من قبل المحور الإيراني. هذا المحور يضغط على السعودية بحركة كماشة، من مضيق هرمز ومنطقة البحر الأحمر، ما يؤثر بشكل كبير على استقرارها الاقتصادي ووضعها الأمني. هل تعتبر الرياض بالفعل إيران لاعبة إقليمية جديرة بالانضمام إلى حلف الدفاع الجديد، الذي سيلزم السعودية بالالتزام بأمن طهران؟ من المهم الإشارة إلى أن بنود الاتفاقية لم تنشر بالكامل، وأن أجزاء كبيرة منها تم حجبها تماماً.
إذا تبين أن وراء هذا النبأ تطوراً حقيقياً، وليس مجرد تضليل إيراني، فسيكتسب هذا التحالف معنى مختلفاً كلياً، عما كان يعتقد حتى الآن. منذ بداية الحرب، كان هدف إيران إظهار عدم قدرة دول المنطقة على الاعتماد على المساعدة العسكرية الأمريكية، وأن المظلة الأمنية التي توفرها الولايات المتحدة عاجزة عن حمايتها. لم يقتصر هجوم الإيرانيين على القواعد الأمريكية فقط، بل طال البنى التحتية الحيوية في كل الدول العربية المطلة على الخليج، باستثناء سلطنة عمان التي تلقت كمية قليلة من الصواريخ والمسيرات.
حتى لو لم يكن الهدف من اتفاق مكة ردع إيران وحدها، بل ردع الجهات العدائية الأخرى في المنطقة، فإن انضمام طهران إليه يعدّ خطوة مهمة جداً. تتمتع الدول الموقعة على الاتفاق بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة وإدارة ترامب، التي تظهر اهتماماً كبيراً بإنهاء الحرب في إيران، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في المس بسمعتها. من المؤكد أن انضمام إيران إلى حلف الدفاع للدول السنية، فضلاً عن جهات فاعلة أخرى محتملة، سينهي الأزمة في مضيق هرمز، لكن المشكوك فيه أن يحدث تغيير جذري في الوضع الأمني؛ لأن احتمالية موافقة إيران على التنازل عن وكلائها الإقليميين وتوسيع نفوذها العسكري ومشروعها النووي، ضعيفة جداً، هذا إذا لم تكن معدومة.
إذا استمرت التوجهات الحالية فستواصل طهران بث عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، ولن يكون أمام دول أخرى – مثل إسرائيل – أي خيار إلا الرد من جديد للحد من التهديدات الناتجة عنه. نظرياً، يعدّ هذا الاتفاق في صالح إيران، حيث يضمن لها إعادة التأهيل من قبل جيرانها الأثرياء، ويضمن أمنها واستمرار حكم القيادة الحالية إلى أجل غير مسمى. هذا مكسب للجميع.
هل يعقل أن يفكر ترامب، المستاء من عجزه عن تغيير معادلة ما بعد الحرب، في مثل هذا الخيار؟ هل يمكنه الموافقة على تعزيز موقف إيران مقابل بعض السلام في الخليج، في حين أن شركاء الولايات المتحدة الآخرين، بما في ذلك إسرائيل والإمارات، لن يرحبوا بهذا التطور؟ في نهاية المطاف، هذا يشكل ضربة قوية لهيبة الولايات المتحدة أو ما بقي منها. ومن ناحية أخرى، من غير المستبعد أن تكون الصين هي التي رحبت بهذا التحالف، بل وساعدت في تشكيله؛ فهي تحافظ على علاقات وثيقة جداً مع كل الأطراف المعنية.
في الوقت الحالي، من السابق لأوانه مناقشة هذا التطور، حيث لا تأكيد حتى الآن على طرح اقتراح كهذا على الطاولة الإيرانية. ربما يكون هذا مجرد تلاعب يهدف إلى اختبار فائدة سيناريو ما قبل زيارة رئيس الأركان الباكستاني لطهران، وخلق ديناميكية جديدة حتى لو لم يكن وراء هذا النشر أي أساس من الصحة. وربما يشير هذا النشر إلى قلق إيران من هذا التطور، ومحاولة التظاهر بأنها مرحب بها في هذا النادي الجديد، حتى لو كان المخفي أكثر من الظاهر في الوقت الحالي.
——————————————
هآرتس 24/8/2026
منصور عباس قال ما هو مسلّم به.. وآيزنكوت: لن تقوم دولة فلسطينية في عهدي
بقلم: أسرة التحرير
في كل ما يتعلق بالنزاع الإسرائيلي – الفلسطيني، تعمل الساحة السياسية الإسرائيلية وفقاً لتعليمات قيادة الجبهة الداخلية. مع سماع كلمتي “دولة فلسطينية”، يجب الدخول على الفور إلى المجال المحمي وإغلاق الأبواب والنوافذ، كان رئيس “الموحدة” منصور عباس هو الذي شغل صافرة الإنذار القطرية وألزم كل المرشحين لرئاسة الوزراء “بالرد”. عباس بالإجمال دعا للاعتراف بالدولة الفلسطينية. في المؤتمر العام لـ”الموحدة” الذي انعقد في الطيبة السبت، قال عباس: “نحن، المواطنين العرب في إسرائيل، نشكل جسراً لتحقيق السلام. دولة فلسطين قائمة ومعترف بها من معظم دول العالم، باستثناء الولايات المتحدة وإسرائيل، ونريدهما أن تعترفا بها، وتعملا من أجل السلام والمصالحة وإنهاء الاحتلال والنزاع”. بمعنى أن عباس أعرب عن تأييده لحل الدولتين.
لخيبة الأمل، أول من رد على هذه الأقوال التافهة هو رئيس “يشار”! غادي آيزنكوت، الذي كتب في شبكة X أنه “لا توجد دولة فلسطينية. ولن تقوم دولة فلسطينية. آيزنكوت سبق نتنياهو، ولم يفوت أي فرصة للتحريض ضد المواطنين العرب، وكتب: “ثمن ائتلاف يسار مع الإخوان المسلمين انكشف مرة أخرى”، ووعد بعدم قيام دولة فلسطينية.
يبدو أن الطيف السياسي الإسرائيلي كله يحتاج إلى التذكير: عباس كان محقاً في كل كلمة. حل الدولتين للشعبين هو الحل الذي يقوم على أساسه موقف معظم الأسرة الدولية. وإسرائيل الوحيدة التي ترى غير ذلك.
محظور الوقوع في الخطأ: نزع شرعية حل الدولتين بدأ قبل وقت طويل من 7 أكتوبر. كلمات مثل “احتلال”، “سلام” و”دولة فلسطينية” أُخرجت منذ زمن بعيد من القاموس الإسرائيلي. ليست الكلمات والأفكار وحدها هي التي أخرجت عن الخطاب، بل أيضاً المعسكر الذي كان متماثلاً مع السعي إلى هذا الحل – اليسار – اجتاز اغتيالاً لصورته. وعليه، معظم مرشحين الكنيست يحرصون على إبعاد أنفسهم عن التشخيص مع اليسار ومع إعلامه السياسية. رد فعل آيزنكوت على أقوال عباس تشهد على حدوده السياسية. غير أن التوقع ممن يسعى ليحل محل نتنياهو هو أن يقود إسرائيل في مسار آخر، وبالأساس المضي بحل للنزاع الإسرائيلي – الفلسطيني. من يسعى لعرض طريق مختلف عن ذاك الذي قاد إسرائيل إلى حافة الهاوية، ملزم بأن يعرض على الجمهور استبدال طريق نتنياهو بقدر لا يقل عن استبداله هو نفسه. على آيزنكوت التوقف عن اللعب في ملعب نتنياهو، وأن يتوقف عن الخوف من كلمات سلام، تسوية، ودولة فلسطينية.
——————————————
Ynet/ يديعوت أحرونوت 24/8/2026
محاصرو “علي الطاهر”.. بين التكتيم الإعلامي والمحادثات السرية
بقلم: رون بن يشاي
يُحاصر العشرات من ضباط حزب الله والحرس الثوري في المجمع الاستراتيجي تحت الأرض، حيث يسيطر الجيش الإسرائيلي على معظم طرق الوصول إليه. لكن القضاء عليهم قد يُجبر طهران على الرد وإشعال فتيل الحرب في المنطقة من جديد. تُفضّل إسرائيل، في الوقت الراهن، أسلوب الحصار والصبر، بينما تُجرى مفاوضات سرية خلف الكواليس للتوصل إلى حل. هذه المعركة قد لا تؤثر فقط على نهاية الحرب، بل على فرصة نزع سلاح حزب الله أيضاً.
إن الطريقة التي ستنتهي بها المعركة فوق مرتفعات علي الطاهر، وخاصة تحت الأرض، سيكون لها تأثير حاسم على نتائج حرب لبنان الثالثة، وعلى فرصة نزع سلاح حزب الله. لهذا السبب، تحافظ جميع الأطراف (العديدة) المشاركة في القتال، وخاصة في المفاوضات الدبلوماسية المكثفة التي تُجرى سراً لإنهاء هذا الصراع، على أقل قدر ممكن من الظهور الإعلامي، وتُصدر معلومات قليلة.
يخشى حزب الله والإيرانيون أن تُقوّض التقارير الإعلامية فرصهم في التوصل إلى اتفاق عبر الوسطاء يسمح لرجالهم بالفرار سلميًا وبأقل قدر من الإذلال من المأزق الذي يحاصرون فيه تحت الأرض. لكن ما يزيد الصراع اشتعالًا هو، بحسب قناة العربية، أن عشرات من كبار مقاتلي حزب الله وقادته يقيمون أيضاً تحت صخور مرتفعات علي الطاهر، إلى جانب عشرات من “المستشارين” الإيرانيين، معظمهم من ضباط الحرس الثوري الذين وصلوا خلال العام الماضي إلى المقر السري لمنطقة عمليات حزب الله شمال نهر الليطاني.
أهمية المرتفعات
تمتد ما يسميه حزب الله “منطقة عمليات بدر” بين نهر الليطاني جنوبًا ونهر الزهراني شمالًا. وفي وسط هذه المنطقة تقع هضبة النبطية ومدينة النبطية. وترتفع مرتفعات علي الطاهر إلى ارتفاع 600 متر غربها مباشرة. اختار حزب الله موقع مقر قيادة منطقة بدر وقوته النارية الكبيرة على هذه التلة، نظرًا لسيطرتها على عمليات المراقبة والنيران على جميع طرق المواصلات والطرق المؤدية إلى هضبة النبطية الاستراتيجية، وقربها من الحدود مع إسرائيل، ما يُمكّنها من شنّ عمليات قصف ناري مكثفة على الجبهة الداخلية في الجليل، وشن معركة احتواء انطلاقًا منها، ضد الجيش الإسرائيلي في حال تقدمه شمالًا.
وإدراكًا لأهمية هذه التلة الاستراتيجية، أرسل الجيش الإسرائيلي وحدات من الفرقة 36 للسيطرة على ضواحي النبطية ومرتفع علي الطاهر، مع تطهير تلة البوفور [الشقيف] جنوبًا. إن هذه الخطوة السريعة التي استندت إلى معلومات استخباراتية دقيقة وعالية الجودة حول مجمع المقر تحت الأرض، فاجأت حزب الله. فقد فوجئ مقاتلوه بظهور عناصر من وحدتي “نوت” و”يهلوم” عند مداخل عدة أنفاق ومحاصرتهم. ومنذ ذلك الحين، تكررت محاولات مقاتلي حزب الله والحرس الثوري لاختراق المجمع، أو لنقل الإمدادات والتعزيزات إليه من قرى هضبة النبطية.
في المعارك التي اندلعت نتيجةً لهذه المحاولات واستخدام الطائرات المسيّرة المتفجرة، قُتل خمسة مقاتلين وضباط من الجيش الإسرائيلي، وأُصيب 21 آخرون. وخسر حزب الله أكثر من 20، وزعم التنظيم الإرهابي أنه نجح مؤخرًا في إيصال تعزيزات ومياه وغذاء للمحاصرين، بما في ذلك عبر أنفاق جديدة حُفرت سرًا وبواسطة طائرات مسيّرة.
“الإرهابيون و”المستشارون” الإيرانيون المحاصرون هناك
لا يُعرف العدد الدقيق للمحاصرين تحت الأرض في مرتفعات علي الطاهر، إذ تمكن بعضهم من الفرار قبل الحصار الذي فرضه الجيش الإسرائيلي على المنطقة قبل نحو عشرة أسابيع. وتشير تقديرات وسائل الإعلام (بما فيها وسائل مقربة من حزب الله) إلى وجود ما بين 20 و40 عنصرًا من حزب الله محتجزين حاليًا تحت الأرض هناك، إلى جانب عشرات من ضباط الحرس الثوري.
يُرجّح أن وجود الإيرانيين والضغط الأمريكي لتجنب تصعيد إقليمي هما ما يدفعان قوات الجيش الإسرائيلي المحاصرة للمرتفعات إلى اتباع أسلوب قتال حذر وبطيء فوق سطح الأرض، وخاصة تحتها. من المنطقي تمامًا افتراض أن الجيش الإسرائيلي كان بإمكانه إنهاء هذه القصة قبل أسابيع لو أنه استخدم في أنفاق التلال الوسائل والأساليب القتالية التي طورها في الحرب الأخيرة في قطاع غزة ولبنان لتطهير الأنفاق وتعطيلها.
لكن لو لجأ الجيش الإسرائيلي إلى هذه الأساليب العدوانية والفعّالة، لكانت فرق الإنقاذ اللبنانية قد انتشلت عشرات القتلى والجرحى من حزب الله والإيرانيين من الأنفاق. وكانت هذه المشاهد ستُجبر كبار مسؤولي النظام في طهران على تنفيذ التهديدات الصريحة التي يطلقونها منذ حزيران من هذا العام ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. ولا يتوانى كبار قادة الحرس الثوري والمجلس الأعلى للأمن القومي في طهران عن التأكيد على أنهم يعتبرون حزب الله ركيزة استراتيجية إيرانية حيوية، لا سيما عندما يكون عناصر الحرس الثوري متورطين بشكل مباشر.
لذا، ليس من الصعب التنبؤ برد فعل الإيرانيين في حال وقوع مجزرة في مرتفعات علي الطاهر. سيطلقون، بطبيعة الحال، صواريخ وطائرات مسيرة على إسرائيل. سيرد الجيش الإسرائيلي في إيران، ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى تصعيد في الخليج العربي، واستهداف القواعد الأمريكية والدول العربية المطلة عليه. هذا التطور يتعارض حاليًا مع مصالح الولايات المتحدة، ودولة إسرائيل، ودول الخليج العربي، واقتصاد الطاقة العالمي.
في الواقع، قد يؤدي العمل الإسرائيلي العدواني المفرط في الميدان إلى تداعيات اقتصادية إقليمية غير مرغوب فيها. فالحكومة الإسرائيلية لا ترغب في جرّ الجبهة المدنية الداخلية إلى جولة أخرى مدمرة ودموية مع إيران عشية الانتخابات، وإهدار الذخائر وساعات تشغيل الطائرات لتحقيق المزيد من نفس النتائج. من المؤكد أن الرئيس ترامب ليس مهتمًا بتصعيد الموقف عشية انتخابات التجديد النصفي لرئاسته، التي قد يفقد فيها الأغلبية التي يتمتع بها في مجلسي الكونغرس، لا سيما وأن القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) تبدو، على الأقل في الوقت الراهن، قادرة على مرافقة عدد متزايد من قوافل ناقلات النفط عبر مضيق هرمز دون أي أضرار.
كما أن الحصار الاقتصادي الأمريكي يهدد النظام في إيران بشكل متزايد، وقد تؤدي جولة قتالية إلى تعطيل هذا الحصار. وتخشى الحكومة اللبنانية من تأثير هزيمة تُسفر عن خسائر فادحة في المرتفعات على مصداقيتها لدى الطائفة الشيعية في لبنان، وعلى مكانتها في لبنان ككل كقوة قادرة على إجبار إسرائيل على الانسحاب من الأراضي التي احتلتها.
إسرائيل ليست على عجلة من أمرها، وليس للجيش الإسرائيلي أي مصلحة في خوض معارك طويلة الأمد قد تُسفر عن خسائر فادحة في الأنفاق المعقدة التي يعرفها حزب الله جيدًا، التي يجب على مقاتلي الجيش الإسرائيلي شق طريقهم عبرها. كان الجيش الإسرائيلي في وضع مماثل عندما حاصر مجمع أنفاق كبيراً في رفح. في تلك المعركة، أعطى الصبر ثماره. استغرق الأمر عدة أسابيع، لكن في النهاية، قُتل معظم مقاتلي حماس المحاصرين في الأنفاق، واستسلم عدد قليل منهم وأُسروا.
في محادثات خاصة، تقول مصادر، ضباط كبار، إنهم لن يعترضوا على انتهاء حادثة مرتفعات علي الطاهر بطريقة مماثلة، حتى لو اضطروا للانتظار قليلاً ومخاطرة تلقي المزيد من الطائرات المسيرة المتفجرة في هذه الأثناء. مع ذلك، يُسرّع حزب الله وحلفاؤه وتيرة تحركاتهم ويضغطون على الحكومة اللبنانية، التي بدورها تضغط على الأمريكيين. لذا، بالتوازي مع القتال على الأرض، تُجرى اتصالات دبلوماسية باستمرار، معظمها سرية، بهدف التوصل إلى إطار لإنهاء حادثة المرتفعات دون التسبب في تصعيد كبير.
ساحة المفاوضات السرية
الساحة الرئيسية للمفاوضات هي المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، بوساطة الولايات المتحدة، للتوصل إلى تسوية شاملة للنزاع اللبناني الإسرائيلي. يقترح اللبنانيون انسحاب حزب الله وإسرائيل، وأن يستولي الجيش اللبناني على مرتفعات علي الطاهر، ويضمن تجريدها من السلاح فوق الأرض وتحتها. وبحسب المقترح، سينسحب الجيش الإسرائيلي من المرتفعات ويسلمها للجيش اللبناني، بعد أن يجمع الأسلحة ويضمن اتخاذ الجيش اللبناني إجراءات لإغلاق الأنفاق.
من المرجح أن يرفض حزب الله تسليم الأسلحة، وسيطالب بانسحاب الجيش الإسرائيلي وقواته في وقت واحد. وبهذه الطريقة، يأمل أعضاء حزب الله على ما يبدو الانسحاب مرفوعي الرأس حاملين أسلحتهم، وبالتالي تقليل الإذلال المصاحب لهذا الوضع. مع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود في الوقت الراهن.
وتفضل جميع الأطراف، كما ذُكر، التزام الصمت التام، سواء فيما يتعلق بما يجري على الأرض أو على الصعيد الدبلوماسي. فأي تسريب إعلامي قد يُعرقل الجهود الدبلوماسية ويؤدي إلى تصعيد في المنطقة. لا يسعنا إلا القول إن الجيش الإسرائيلي بات يسيطر سيطرة جيدة على عمليات المراقبة وإطلاق النار على طرق الوصول ومعظم الأنفاق المؤدية إلى المجمع الضخم تحت الأرض. في الأسابيع الأخيرة، نُشرت تقارير في لبنان تفيد بأن الجيش الإسرائيلي تمكن من دخول أنفاق المجمع، والتقدم عبرها، والاقتراب من الموقع الذي يتواجد فيه عناصر حزب الله والحرس الثوري المحاصرون. الآن، كل ما تبقى هو الانتظار لنرى ما سيحدث لاحقًا.
——————————————
معاريف 24/8/2026
الولايات المتحدة وإسرائيل أخطأتا التقدير مع إيران.. ماذا عن تركيا؟
بقلم: أفرايم غانور
الحرب ضد إيران التي لم تنته من ناحية الولايات المتحدة، وبالطبع من ناحية إسرائيل، تنكشف كفشل ليس واضحاً كيف وبأي شكل سينتهي. هذا الفشل يذكر بالفشل الأمريكي في الحرب ضد العراق تحت نظام صدام حسين، حرب انتهت بشكل رسمي في 2011، رغم انتهاء القتال فيها منذ 2003.
إيران هي المنتصر الوحيد في هذه الحرب، التي أصبحت قوة عظمى للإرهاب تهدد الشرق الأوسط. بحث أجراه جيش الولايات المتحدة ونشر في 2019 قضى بشكل قاطع بأن إسقاط صدام حسين صفى الكادح الوحيد الذي كان يقف في وجه نظام آيات الله، وخلق في العراق فوضى اجتذبت إليها إيران. وختاماً، فشلت الحرب في تحقيق أهدافها الاستراتيجية الأصلية وخلقت واقعاً شرق أوسطياً جديداً وأكثر خطورة بكثير.
البحث الذي أجري على الحرب في 2003 في معهد بحوث الأمن القومي في إسرائيل تبين فيه أن إسرائيل عانت من “عمى تكتيكي”، حين ركزت في حينه على التهديد الفوري والمعروف من صواريخ صدام حسين ولم تقدر على نحو سليم تداعيات المساحة الاستراتيجية التي قد تنشأ نتيجة لاختفاء الحاجز العراقي في وجه إيران.
في هذه الأيام، تطلق تهديدات من إسرائيل نحو تركيا على خلفية نية تركيا تثبيت مكانتها في سوريا. هذه التهديدات، بالنبرة التي تسمع بها، ربما تشعل جبهة إضافية لإسرائيل بسهولة، بل وحيال تركيا في الوقت الذي لا تزال كل الجبهات بعد ثلاث سنوات من الحرب مفتوحة. بدلاً من السعي إلى إغلاق هذه الساحات، أشعلت حكومة إسرائيل السيئة ساحات جديدة.
في إدارة الحرب ضد إيران، ارتكبت الولايات المتحدة وكذا إسرائيل أخطاء ولم تحسب الخطوات بالشكل السليم. أوضح مثال على ذلك هو مضيق هرمز، الذي أصبح السلاح الاستراتيجي لإيران في الحرب. لا شك أن في الأمريكيين في خططهم الحربية أخذوا بالحسبان أن إيران مع الهجوم الأول ستغلق المضيق، لكنهم على ما يبدو اعتقدوا أنهم في حالة كهذه سيتمكنون، بفضل تفوقهم العسكري، من فتح المضيق بالقوة. غير أن الأمر لم يحصل.
صحيح أن إسرائيل غير متعلقة مباشرة بالوضع في مضيق هرمز، ومع ذلك كان عليها أن تأخذ خطتها الحربية في تداعيات إغلاق المضيق بالحسبان، خصوصاً على إمكانيات استمرار الحرب. مع مرور الوقت، سيتم التحقيق في هذا الموضوع وسيفحص بعمق، وعندها سيتبين لنا، مثلما في نتائج البحوث التي تمت على حرب الخليج الثانية، الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة وإسرائيل أيضاً في إدارة الحرب.
——————————————
مركز القدس للاستراتيجية والأمن JISS 24/8/2026
مركز دراسات عبري: 5 أسباب.. ما الذي يحول دون تحويل إسرائيل إلى قوة إقليمية عظمى؟
بقلم: البروفيسور أفرايم عنبار
يكشف التدقيق في وضع إسرائيل وفقًا للمؤشرات المذكورة أعلاه عن صورة مختلطة. فهي تستوفي بعض المعايير جيدًا، وبعضها الآخر جزئيًا. وهناك عدة مؤشرات لا تتفوق فيها إسرائيل، مما يُضعف قدرتها على أن تصبح قوة عظمى إقليمية.
من حيث القوة العسكرية، تمتلك إسرائيل أحد أقوى الجيوش وأكثرها تقدماً من الناحية التكنولوجية في المنطقة، مع قدرات جوية وبحرية وبرية متطورة للغاية. ووفقاً لتقديرات أجنبية، فهي الدولة الوحيدة التي تمتلك القدرة النووية (المُعبَّر عنها بسياسة “الغموض النووي”). في الحرب المفروضة عليها منذ 7 أكتوبر 2023، أظهرت إسرائيل قدرات عسكرية مبهرة، مع تعافيها السريع من غزو حماس للنقب الغربي. وقد أضعفت إسرائيل مهاجميها – حماس وحزب الله وإيران – لكنها واجهت صعوبة في إسكات نيران الحوثيين في اليمن. وفي الماضي، حققت انتصارات حاسمة على جيوش عربية.
في جوهرها، تُعدّ القدرة العسكرية الإسرائيلية وقائية في المقام الأول. فهي قادرة على منع المخاطر التي تهدد إسرائيل، مثل تصعيد العنف من قبل المنظمات الإرهابية، أو منع امتلاك العراق وسوريا للأسلحة النووية. ويهدف مفهوم “السيطرة على الوضع” إلى الحد من قدرة الأعداء على إلحاق الضرر بإسرائيل من خلال إلحاق أضرار دورية (واستباقية) بمنظوماتهم وقدراتهم العسكرية. كما أدرك دافيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، فإن إسرائيل لا تملك القدرة على فرض السلام على الدول المعادية، أو تغيير توجهاتها السياسية الأساسية، أو تغيير موقف المجتمعات المحيطة بها تجاه الدولة اليهودية. ووفقًا لمفهوم “الجدار الحديدي”، فإن الهدف المباشر من استخدام القوة العسكرية الإسرائيلية هو تأجيل الجولة العسكرية التالية، على أمل تحقيق ردع مؤقت. وتهدف العمليات العسكرية، إلى جانب توطيد دعائم الدولة، إلى إحداث تأثير تراكمي على فهم الخصوم لعلاقتهم مع إسرائيل. ويُؤمل أن تُحفز القوة العسكرية الإسرائيلية وانتصاراتها عملية تاريخية تُصبح فيها إسرائيل في نهاية المطاف أمرا واقعًا. وقد تؤثر الهزائم المتكررة على فهم خصومها وتُفضي إلى اتفاقيات سلام؛ كما حدث مع مصر. بعد عدة حروب، وبالتزامن مع تغيرات داخلية (كالمخاوف بشأن تدهور الاقتصاد، وتغيير القيادة، واختيار التوجه الأمريكي في السياسة الخارجية والأمنية)، وقّعت مصر معاهدة سلام مع إسرائيل عام 1979. ويُنظر إلى الصراع مع إسرائيل في القاهرة على أنه مكلف للغاية.
لا ينطبق هذا المنطق على الجيوش الإرهابية التي تضم عناصر إسلامية متطرفة تحظى بدعم السكان في مجتمعاتها، إلى جانب مساعدات خارجية كبيرة لتعزيز قدراتها العسكرية. فالمتطرفون المسلمون ذوو الدوافع القوية أقل إدراكًا للثمن الذي يدفعونه في الصراع مع إسرائيل، ولذلك يصعب تغيير التزامهم بتدميرها. في هذه الحالات، لا يُقصد من “الحد من انتشارها” سوى تقليل القدرة على إلحاق الضرر بإسرائيل.
يُظهر المجتمع الإسرائيلي مناعة اجتماعية كبيرة، خاصةً عندما يُنظر إلى استخدام القوة العسكرية على أنه “حرب لا خيار آخر”. ومع ذلك، في ظل الظروف التي يشكك فيها الرأي العام الإسرائيلي في عدالة أو جدوى الحروب، تتضاءل الرغبة في المشاركة في المجهود الحربي وتحمّل تكاليفه. تشير استطلاعات الرأي العام إلى بيانات مماثلة فيما يتعلق بالحرب في الدول الديمقراطية. وفي إسرائيل أيضاً، تؤثر هذه المشاعر السائدة على صناع القرار. وبالفعل، قامت الحكومات الإسرائيلية بانسحابات أحادية الجانب من جنوب لبنان وقطاع غزة دون تعويضات سياسية، وذلك استجابةً لضغوط شعبية. قد يُطلب من قوة عظمى إقليمية تنفيذ عمليات عسكرية لا يمكن تصنيفها بسهولة على أنها “حرب لا خيار لها”، لذا فليس من المؤكد على الإطلاق أن يُرحب المجتمع الإسرائيلي بمثل هذا النشاط العسكري، لا سيما بعد الحرب الطويلة منذ 7 أكتوبر.
تستخدم إسرائيل قوتها العسكرية للتأثير على المنطقة (وخاصةً بالقرب من حدودها). وتتحرك إسرائيل بنشاط ضد التهديدات الإقليمية (إيران، حزب الله، حماس) وتؤثر على التوازن الاستراتيجي في سوريا ولبنان وغزة. ويتناقص مستوى هذا التأثير كلما ابتعدنا عن حدود إسرائيل: فمساعدة الأكراد مثال على تناقص أو ثانوية مستوى هذا التأثير. كما فشلت إسرائيل، كما ذُكر، في منع إطلاق الحوثيين للصواريخ والطائرات المسيّرة من اليمن، البعيد عن إسرائيل، على الرغم من أن الضرر الكبير الذي ألحقته بهم كان على الأرجح أحد الاعتبارات في قرارهم بوقف إطلاق النار.
تمتلك إسرائيل القدرة على بسط نفوذها في الشرق الأوسط عبر قواتها الجوية والبحرية وقواتها الخاصة. ولا تمتلك إسرائيل وكلاء في المنطقة، كما هو الحال مع إيران، يعملون لتحقيق هدف مشترك بعيد المدى (تدمير دولة إسرائيل). ولا يوجد لإسرائيل وجود عسكري علني خارج المناطق العازلة التي أنشأتها مؤخرًا. في المقابل، تمتلك تركيا وجودًا عسكريًا بعيدًا عن حدودها (ليبيا، قطر، الصومال). ويتضاءل نفوذ إسرائيل على الكيانات البعيدة عن الحدود بشكل ملحوظ. وبالمثل، فإن نفوذ إسرائيل على الدول القريبة والقوية نسبيًا، مثل مصر أو السعودية، محدود للغاية.
كذلك، لا تملك إسرائيل القدرة على تغيير طبيعة النظام الفرعي وقواعد اللعبة داخله بالقوة العسكرية. وعلى عكس الأنظمة الفرعية الأخرى، فإن جميع دول المنطقة لديها تصور عالٍ للتهديد، ويُعتبر استخدام القوة العسكرية جزءًا مقبولًا من أدوات الكيانات السياسية. يُعد الشرق الأوسط مصدرًا للتطرف الإسلامي والإرهاب والشتات النووي. ولا تستطيع القوة العسكرية الإسرائيلية إحداث تغيير جوهري في هذه الخصائص. لا يبدو أن النجاحات العسكرية الإسرائيلية في الحرب الأخيرة قد أحدثت تغييرات جوهرية في الشرق الأوسط. ولا نملك بالتأكيد منظورًا تاريخيًا يدعم الادعاءات التي ترى تغييرات جوهرية في المنطقة.
عمومًا، لا يُستقبل استخدام إسرائيل المتكرر للقوة العسكرية بشكل إيجابي في المنطقة، وبالتأكيد ليس علنًا. كما أن اعتماد القوة العسكرية الإسرائيلية على علاقة وثيقة مع الولايات المتحدة (قوة مُستعارة) يُؤجج العداء في الشرق الأوسط. ورغم أن العديد من دول المنطقة تنظر إلى الولايات المتحدة كمُؤمِّن للأمن، إلا أن معظم سكان المنطقة لا يزالون ينظرون إليها كقوة أجنبية ذات نزعات استعمارية.
ويُعدّ الاعتماد السياسي والعسكري على الولايات المتحدة (التي تُعدّ أيضاً مُورِّدها الرئيسي للأسلحة) أكبر عائق أمام القوة العسكرية الإسرائيلية، وهو ما يُقيّد حرية العمليات العسكرية. وتُمثّل علاقات التبعية نقطة ضعف رئيسية لأي دولة صغيرة. وقد تمكّنت إسرائيل على مرّ السنين من تطوير صناعة أسلحة ضخمة، يعتمد وجودها على الأسواق الخارجية. على أي حال، حتى لو امتلكت إسرائيل بنية تحتية تكنولوجية قادرة على إنتاج أي منتج عسكري تقريبًا، وربما كان هناك مجال لإنتاج منتجات إضافية محليًا، فإن ذلك سيشكل عبئًا اقتصاديًا. لا بديل عن توفير أسلحة تتمتع بميزة الإنتاج بكميات كبيرة. على سبيل المثال، تنتج الولايات المتحدة آلاف الطائرات المقاتلة من النوع نفسه.
الأهم من ذلك، أن إسرائيل لا تملك هامشًا عملياتيًا كافيًا في جميع مجالات القتال المعروفة، بدءًا من القوات الجوية وصولًا إلى قدرات القوات البرية. يكمن الضعف الرئيسي في القوات الجوية، الذراع الطويلة للجيش الإسرائيلي (وهي ذراع أظهرت قدرة استثنائية في السنوات الأخيرة، لا سيما في مواجهة التهديدات بعيدة المدى من إسرائيل مثل إيران). هامش قدرة القوات الجوية الإسرائيلية على المناورة في حملة عسكرية كبرى محدود. في حملة كبرى ضد خصم قادر على الصمود لفترة طويلة، مثل إيران أو تركيا، قد يكون من الضروري توفير هامش أطول بكثير. بعبارة أخرى، بعد فترة محدودة من القتال المكثف، تصبح إسرائيل معتمدة على قرارات/مصالح/نوايا قوة عظمى مثل الولايات المتحدة، التي يتوقف عليها مدى قدرة إسرائيل على المناورة. يشمل ذلك، من بين أمور أخرى، القنابل الذكية وقطع غيار الطائرات المقاتلة (حتى العجلات…). ثمة حاجة إلى مساعدة أمريكية لتعزيز قدرات الاعتراض، مثل نظام حيتس 2، وخاصة حيتس 3، لأغراض اعتراض الصواريخ في الفضاء (وهي قدرة مطلوبة في أعقاب زيادة استخدام إيران للصواريخ أرض-أرض ذات الرؤوس الحربية التي تتطلب اعتراضها في الفضاء).
على الرغم من كون إسرائيل واحدة من أكثر الاقتصادات تطوراً في المنطقة، مع ناتج محلي إجمالي مرتفع للفرد وصناعة تقنية متقدمة عالمية المستوى، إلا أن قوتها الاقتصادية محدودة. في نهاية المطاف، إسرائيل دولة صغيرة تعتمد على الأسواق الخارجية، شأنها شأن الدول الصغيرة الأخرى. لقد اندمجت جيداً في العولمة، لكن اقتصادها لا يزال صغيراً ويتأثر بالاتجاهات الاقتصادية العالمية الخارجة عن سيطرتها أكثر من الدول ذات الاقتصادات الكبيرة. لا يمكن لدولة إسرائيل أن تكون مكتفية ذاتياً. تجارتها مع دول المنطقة محدودة، ولا تخلق علاقات تبعية لإسرائيل. معظم تجارة دول الشرق الأوسط موجهة إلى دول خارج المنطقة. في المقابل، توجد دول في الشرق الأوسط تتمتع بقدرات اقتصادية ذات نفوذ عالمي، كالمملكة العربية السعودية وإيران (وذلك أساسًا لسيطرتها على موارد الطاقة والأرباح المُستمدة منها، وفي حالة إيران، سيطرتها أيضاً على مضيق هرمز الاستراتيجي).
إن تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة في بناء القدرات العسكرية، من خلال الإنتاج الذاتي للإمدادات لتحقيق هامش أمان طويل الأمد، كإنتاج صواريخ حيتس 3 على سبيل المثال، يتطلب استثمارًا ضخمًا من ميزانية الدفاع. وبالتالي، ثمة خطر اقتصادي كبير يتمثل في ضياع جزء كبير من هذا الاستثمار لعدم استخدامه، ما سيؤثر سلبًا على بنود أخرى من المفترض أن تغطيها ميزانية الدفاع.
من المرجح أن محاولة خلق هامش أمان عملياتي أطول تتجاوز القدرة الاقتصادية لإسرائيل، ولذلك ستتمسك بحليف استراتيجي – الولايات المتحدة – ما دام ذلك ممكنًا. لكن التحالفات ليست أبدية. فالتغيرات الديموغرافية والتحولات السياسية داخل الولايات المتحدة تُشكل تحديًا لإسرائيل، وقد تحتاج إلى الاستعداد لمواجهة أي ظرف طارئ.
إن الصورة المتعلقة بالقوة السياسية والدبلوماسية لإسرائيل مختلطة. إذ تستغل إسرائيل مزاياها في العديد من المجالات (التكنولوجيا العسكرية، إدارة المياه، الزراعة، الاتصالات، الطب) لإقامة علاقات تجارية وأمنية. وتستند العلاقات بين الدول في المقام الأول إلى المصالح المشتركة. وعلى مر السنين، أصبحت إسرائيل دولة ذات قيمة ومزايا.
وتربطها علاقات استراتيجية وثيقة بالولايات المتحدة، والتي تُعدّ في الوقت نفسه رصيدًا بالغ الأهمية وقيدًا على حرية تحركها في المنطقة. ولا تزال الولايات المتحدة تولي أهمية كبيرة للشرق الأوسط، حيث يوجد وجود عسكري أمريكي كبير ومصالح سياسية واقتصادية. ولذلك، تستطيع إسرائيل خدمة المصالح الأمريكية وتعزيز موقعها الاستراتيجي، لكنها لا تستطيع التصرف كيفما تشاء. ومن الأمثلة الشائعة على ذلك وقف إطلاق النار الذي يُفرض أحيانًا على إسرائيل، استنادًا إلى ما يُعرف بـ”الساعة السياسية”. وينتظر استئناف العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد إيران الضوء الأخضر من واشنطن. كما تميل الولايات المتحدة إلى التدخل في مبيعات الأسلحة الإسرائيلية، وهي أداة في الدبلوماسية الإسرائيلية، انطلاقًا من اعتباراتها السياسية والاقتصادية.
كان قرب “القدس” من واشنطن والتعاطف الكبير مع إسرائيل في الولايات المتحدة، التي تشهد تراجعًا، ميزةً لإسرائيل. ومن الواضح أن مكانة الولايات المتحدة في النظام الدولي تؤثر على طريقة معاملة حليفها. فتراجع مكانة الولايات المتحدة له أثر سلبي على إسرائيل، التي كانت تُعتبر بوابةً إلى واشنطن. وقد أُعجبت دولٌ عديدة بقوة جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل (أيباك) في الولايات المتحدة، وسعت إلى مساعدة إسرائيل في “تنظيم” الأمور في واشنطن. لكن التغيرات في الساحة السياسية الأمريكية، التي تشير إلى تراجع الدعم لإسرائيل، معروفةٌ للجميع، ولا تبشر بخير لقدرة إسرائيل على التأثير في النظام السياسي الأمريكي.
على مر السنين، أبرمت إسرائيل اتفاقيات سلام مع عدة دول عربية (مصر، والأردن، والإمارات، والبحرين، والمغرب)، ووقعت مؤخرًا اتفاقية إطارية مع لبنان تمهيدًا لاتفاقية سلام. وفي جميع هذه الاتفاقيات، كانت الولايات المتحدة شريكًا رئيسيًا. في الماضي، كانت إسرائيل حليفًا غير رسمي للدول العربية في بعض الحالات. يوجد تعاون أمني كبير بين إسرائيل والأردن والإمارات، وهو تعاون غير معلن لأنه لا يزال يمثل عبئًا سياسيًا على النخب في هذه الدول. كما توجد حالات موثقة لتبادل معلومات استخباراتية قيّمة مع عدد من الدول العربية. ولا يزال معظم سكان المنطقة غير مستعدين لإقامة علاقات وثيقة مع إسرائيل، وبالتأكيد غير مستعدين لمنحها الشرعية لتصبح قوة إقليمية.
تجدر الإشارة إلى أن إسرائيل أصبحت في السنوات الأخيرة هدفًا لانتقادات لاذعة من دول تطمح إلى أن تصبح قوة عظمى إقليمية. فعلى سبيل المثال، تستثمر إيران وتركيا في عداء مباشر، لفظيًا ولفظيًا، ضدها، بالإضافة إلى استثمارهما في الأسلحة النووية والتقليدية لتوسيع نفوذهما. وينبع هذا العداء تجاه إسرائيل من تغيرات سياسية داخلية (كالتطرف الديني)، ولكنه يهدف أيضاً إلى تجاوز شكوك العرب تجاه تركيا، الدولة غير العربية التي حكمت المنطقة العربية لقرون، وشكوكهم تجاه بلاد فارس الشيعية. كان هذان البلدان حليفين سابقين لإسرائيل، إلا أن المواجهة بينهما وبين العالم العربي، والتحول إلى عداء شديد، يُلقي بظلاله على نجاحات إسرائيل السياسية في الشرق الأوسط.
لقد أظهرت الدول الإسلامية في آسيا الوسطى والقوقاز، التي ضمت الشرق الأوسط بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، مصالح مشتركة، وتحافظ على علاقات دبلوماسية وأمنية مع إسرائيل. كما تُقيم بعض الدول الإسلامية علاقات غير رسمية (سرية) مع إسرائيل، مما يُشير إلى وجود دبلوماسي كبير لها في أنحاء العالم.
وتُعزز مكانة إسرائيل في منطقة شرق المتوسط، التي يمر عبرها أكثر من 90 في المئة من تجارتها الدولية، إلى حد كبير من خلال العلاقات التي طورتها القدس مع أثينا ونيقوسيا. ويبدو هذا التحالف مناهضًا لتركيا. ومع ذلك، أوضحت إسرائيل للبلدين أنها لن تستخدم جيشها في حال نشوب أزمة عسكرية بينهما وبين تركيا.
ورغم كل هذا، تبقى إسرائيل معزولة نسبيًا في منطقتها – دولة يهودية في بحر عربي وإسلامي. لا تحظى إسرائيل باعتراف دبلوماسي من قبل عدد كبير من دول المنطقة، بل يُنظر إليها في كثير منها كعدو. ويحمل قطاع كبير من سكان الشرق الأوسط عداءً نابعًا من أسس دينية و/أو ثقافية. حتى في الدول التي تربطها اتفاقيات سلام متينة، تكاد تنعدم العلاقات بين المجتمعات بسبب السلطات وتحفظات المواطنين تجاه الدولة اليهودية. السلام هنا “بارد”. ويتطلب تغيير هذه العلاقة تغييرات في النظام التعليمي للدول العربية، وقد يستغرق ذلك وقتًا طويلًا. وبالطبع، لا تتمتع إسرائيل بنفوذ ثقافي في المنطقة، لأن الدولة اليهودية لا تُعتبر جزءًا لا يتجزأ من نسيجها الاجتماعي ولا مقبولة فيها. كما أن إسرائيل لا تُجري حملات علاقات عامة من شأنها أن تجعلها مقبولة في البيئة التي تعمل فيها. وحتى لو بُذلت مثل هذه الجهود، فمن المشكوك فيه جدًا أن تتغلب على العداء المتأصل وأن تُؤتي ثمارها في السنوات القادمة.
إن صورة إسرائيل في أذهان العديد من سكان المنطقة سلبية، إذ يُنظر إليها على أنها أجنبية وعدوانية. ولتحقيق مكانة قوة عظمى إقليمية، يجب على إسرائيل أن ترسخ في أذهان سكان المنطقة بأسرها أن وجودها أمر طبيعي لا جدال فيه. ولتوضيح ذلك، لننظر إلى قوتين عظميين، كالولايات المتحدة أو الصين. هناك معارضة، بل وعداء، من مواطني دول عديدة حول العالم لسياساتهما، لكن لا أحد يشكك في وجودهما الفعلي.
كما أنه ليس من الواضح على الإطلاق أن غالبية سكان إسرائيل يفضلون أن تلعب الدولة دور القوة العظمى الإقليمية، الأمر الذي يتطلب أحيانًا إرسال قوات عسكرية لتحقيق أهداف ليست بالضرورة ضرورية أو ملحة لأمن إسرائيل. هذه نقطة ضعف في المجتمع الإسرائيلي، لكن أي نشاط عسكري يصعب وصفه بأنه “حرب لا خيار لها” سيثير معارضة داخل الرأي العام الإسرائيلي. علاوة على ذلك، هناك قيود على حرية إسرائيل في العمل ومساحة تحركها في استخدام القوة العسكرية، ويعود ذلك جزئيًا – كما ذُكر آنفًا – إلى اعتمادها الكبير على الدعم الأمريكي.
عند الإجابة على سؤال ما إذا كانت إسرائيل قوة إقليمية، يجب مراعاة افتقارها إلى قاعدة استراتيجية عميقة (مساحة صغيرة، عدد سكان محدود). إسرائيل، من نواحٍ عديدة، دولة صغيرة ذات هامش عملياتي محدود نسبيًا. ليس من الواضح ما هو الحد الأدنى لحجم السكان الذي يؤهلها لتصبح قوة إقليمية مؤثرة في الشرق الأوسط. يبلغ عدد سكان تركيا وإيران أكثر من 90 مليون نسمة. أما مصر، التي تعتبر نفسها رائدة العالم العربي ولاعبًا رئيسيًا في الشرق الأوسط، فتبلغ تعداد سكانها عددًا أكبر. في المقابل، تطمح إسرائيل إلى بلوغ كتلة سكانية حرجة تضمن بقاءها. وقد بلغ عدد سكانها 10 ملايين نسمة، منهم 8 ملايين يهودي، ولا يزال هناك الكثيرون في المنطقة يحلمون بزوالها. ربما يكون 20 مليون نسمة هو العدد الذي سيجعل إسرائيل أمرا واقعًا، وعندها يمكن طرح خيار القوة العظمى الإقليمية.
الخلاصة
يثير النقاش حول مكانة إسرائيل الإقليمية شكوكًا حول صحة الافتراض الشائع بأن إسرائيل أصبحت قوة إقليمية. لا شك في قوة إسرائيل العسكرية، التي من شأنها أن تصنفها كقوة إقليمية. تكمن المشكلة، من بين أمور أخرى، في اعتماد هذه القوة جزئيًا على الولايات المتحدة. بعبارة أخرى، يُحدد اعتماد إسرائيل الكبير على الولايات المتحدة (فيما يتعلق بالطائرات المقاتلة والأسلحة وحيز العمليات) مدى حرية تحركها العسكري في معظم السيناريوهات (انظر سيناريو المواجهة مع إيران). كما يُقيد هذا الاعتماد حيز العمليات المتاح لها، ما يجعل هذا المتغير عنصرًا حاسمًا في دراسة قدرة أي دولة على أن تكون قوة إقليمية.
ترتبط قوة إسرائيل بمصير الولايات المتحدة على الساحة الدولية واستعدادها لتقديم المساعدة والتعاون مع إسرائيل. وحتى وقت كتابة هذا التقرير، لم تحقق الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران هدفيها الاستراتيجيين الرئيسيين: منع إيران من امتلاك أسلحة نووية، بما في ذلك إزالة اليورانيوم المخصب منها، وتهيئة الظروف التي ستؤدي إلى سقوط النظام هناك. على الرغم من أن إسرائيل تتباهى بتفكيك قدرات حيوية في المجالين النووي والصاروخي، مما قد يمنحها متسعًا من الوقت (سنتين أو ثلاث؟) للتعامل مع التهديدات المتجددة، وربما فرصة للاستفادة من تغيير النظام في المستقبل، فإن نجاح النظام الإيراني في تحمل ويلات الحرب مع الولايات المتحدة يعزز موقفه ويضعف موقف إسرائيل وحلفائها في المنطقة. وفي ظل فشل الحرب الأمريكية في إيران، تضاءلت فرص إسرائيل في أن تصبح قوة عظمى إقليمية. إضافة إلى ذلك، تُشكل التغيرات الديموغرافية والسياسية في الولايات المتحدة مصدر قلق لإسرائيل. لذا، وبافتراض عدم وجود بديل عن الاعتماد على الولايات المتحدة في المستقبل القريب، فمن الضروري أن تُركز إسرائيل جهودها الدبلوماسية الآن على الولايات المتحدة.
أما القضية الثانية التي تحول دون أن تصبح إسرائيل قوة عظمى إقليمية فتكمن في بُعدها الأيديولوجي لا في قوتها العسكرية. ذلك لأن معظم سكان المنطقة لا يرونها كيانًا سياسيًا شرعيًا متجذرًا في الشرق الأوسط وقادرًا على البقاء في المنطقة. علاوة على ذلك، يرى كثير من سكان المنطقة أن القوة العسكرية الإسرائيلية لا تُسهم في الاعتراف بمكانتها الطبيعية، بل على العكس تمامًا. فهي تُهدد العديد من الكيانات الدولية في المنطقة، وهو تهديد لا يخدم مصالحها إلا جزئيًا. إن إسرائيل القوية، القادرة على تقويض القدرات العسكرية، تُثير الخوف. وهذا يُفيد في خلق عامل ردع، ولكنه يُزيد أيضاً من العداء تجاهها. وقد يُؤدي التطلع العلني إلى أن تصبح قوة إقليمية إلى زيادة الشكوك تجاه إسرائيل. وتُعيق الصورة السلبية لإسرائيل تحقيق اندماج فعّال في المنطقة، والسلام، والتعايش القائم على الاحترام المتبادل.
ومن العقبات الهيكلية الأخرى التي تحول دون تحوّل إسرائيل إلى قوة عظمى إقليمية، صغر مساحتها وعدد سكانها ومواردها المتاحة. وهذا هو سبب اعتمادها على الولايات المتحدة. فعلى مر التاريخ، كان وجود الدول الصغيرة مُهددًا دائمًا. وفي العلاقات الدولية، يُعد الحجم عاملًا مهمًا. فحجم سكان إسرائيل يُعطي أعداءها، الذين يفوقونها عددًا بكثير، أملًا في تدميرها.
إن وجود الدولة اليهودية لأكثر من سبعة عقود يُثبت أن بقاء الدولة لا يتطلب مكانة قوة عظمى إقليمية، بل بناء قوة عسكرية كافية. ويُظهر تحسن مكانة إسرائيل في الشرق الأوسط منذ تأسيسها عام 1948، والنسيج الحالي للعلاقات بينها وبين دول المنطقة، أن درجة الشك في وجودها قد تضاءلت على مر السنين. مع ذلك، ليس من الواضح أن هذه عملية تاريخية أحادية الاتجاه. فتركيا وإيران تسعيان لتغيير مسار هذه العملية. فكلتاهما دولتان كبيرتان وقويتان، وتمثلان في الآونة الأخيرة قوة الإسلام الراديكالي (السني والشيعي)، وهي ظاهرة سياسية مؤثرة تُهيمن على المنطقة. من بين الاتجاهات المقلقة الأخرى السعي لامتلاك أسلحة نووية، الأمر الذي يهدد بقاء إسرائيل ويمنح الأمل لمن يرغبون في تدميرها. يجب على إسرائيل الالتزام بسياسة تهدف إلى منع أعدائها من امتلاك القدرة على إنتاج أسلحة نووية.
تحتاج إسرائيل إلى التركيز على التعامل مع إيران وتركيا بشكل فعّال، بغض النظر عن مكانتها كقوة إقليمية. إن تحوّل دولتين غير عربيتين مهمتين، كانت تربطهما علاقات جيدة بإسرائيل، إلى دول معادية بشدة في العقود الأخيرة، يُلقي بظلاله على التحسن العام في مكانة إسرائيل الإقليمية.
علاوة على ذلك، فإن تغيير المواقف تجاه إسرائيل، وهو أمر ضروري لتحقيق مكانة القوة الإقليمية، قد يستغرق وقتًا طويلاً. وبافتراض أن الاندماج الكبير في المنطقة ليس هدفًا واقعيًا على المدى القريب، وبافتراض وجود توتر بين التهديد العسكري وضرورة الردع من جهة، والرغبة في السلام من جهة أخرى، يجدر النظر في اقتراح يحزقيل درور بتبني موقف معقد ومتناقض، أشبه بـ”دكتور جيكل ومستر هايد”. تخوض إسرائيل حملة عسكرية مستمرة منذ سنوات عديدة، وعليها في الوقت نفسه الاستعداد للحرب، والسعي لتحقيق حياة طبيعية ومقبولة، مع إظهار رغبتها في التوصل إلى اتفاقيات سلام لدول المنطقة. هذا الموقف المعقد ضروري أيضاً للحفاظ على التماسك الاجتماعي في إسرائيل واستعداد مواطنيها للقتال.
يجب على إسرائيل، بغض النظر عن طموحاتها في أن تصبح قوة عظمى إقليمية، أن تسعى جاهدة لزيادة عدد سكانها بشكل كبير. هذه الزيادة ستضمن بقاءها وتضع حداً لأي أمل في زوالها. قد تكون الموجة المتصاعدة من معاداة السامية في العالم حافزاً لليهود من الشتات للهجرة إلى إسرائيل. ينبغي لدولة إسرائيل اغتنام هذه الفرصة لزيادة عدد سكانها بشكل ملحوظ.
إن دولة تعيش في حالة حرب مستمرة ليست وجهة مشجعة للهجرة. لذلك، ولأسباب داخلية وجيهة أيضاً، من المستحسن تخفيف التوترات الإقليمية لتمكين إسرائيل من استخدام قوتها العسكرية بشكل أقل. بالطبع، لا يعتمد الانتقال إلى ترتيبات سياسية لتهدئة المنطقة على إسرائيل وحدها، وينبغي تجنب الترتيبات التي تنطوي على تهديد طويل الأمد للأمن. علاوة على ذلك، فإن منع إيران من امتلاك أسلحة نووية لا يمكن تحقيقه إلا باستخدام القوة العسكرية، أو بديلًا عن ذلك، بتغيير النظام – وهي مهمة ربما تفوق قدرة إسرائيل. فدولة إسرائيل ليست قوة إقليمية محصنة من التهديدات، وسيتعين عليها الاستمرار في التعامل مع التوتر القائم بين السعي لخفض حدة عدائها وضرورة البقاء تحت ضغط القوة.
—————-انتهت النشرة—————–

