المسار : تواصل جنوب أفريقيا تحركها القانوني ضد الاحتلال الإسرائيلي أمام محكمة العدل الدولية، مطالبةً بتفعيل أوامر المحكمة الملزمة الصادرة في قضية الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، ومحاسبة الاحتلال على ما تصفه بريتوريا بعدم الالتزام بهذه الأوامر.
وقدّمت جنوب أفريقيا في 25 آب/أغسطس الماضي ملفًا واسعًا إلى محكمة العدل الدولية، يتضمن معلومات وأدلة بشأن ما تعتبره عدم امتثال الاحتلال للتدابير المؤقتة التي أصدرتها المحكمة لحماية الفلسطينيين في قطاع غزة من خطر الإبادة الجماعية.
ويأتي التحرك الجنوب أفريقي في إطار القضية التي رفعتها بريتوريا أمام المحكمة في كانون الأول/ديسمبر 2023، متهمةً الاحتلال بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، على خلفية حربه على قطاع غزة.
وكانت محكمة العدل الدولية قد أصدرت منذ كانون الثاني/يناير 2024 سلسلة أوامر تدابير مؤقتة ملزمة للاحتلال، طالبت فيها باتخاذ إجراءات لمنع الأفعال التي قد تندرج ضمن نطاق اتفاقية الإبادة الجماعية، وضمان امتثال قواته لأحكام الاتفاقية، واتخاذ خطوات لتوفير المساعدات الإنسانية وحماية الفلسطينيين في القطاع.
جنوب أفريقيا: الاحتلال لم ينفذ أوامر المحكمة
وتؤكد بريتوريا أن الوقائع الميدانية خلال الفترة اللاحقة لصدور أوامر المحكمة تظهر، من وجهة نظرها، استمرار الانتهاكات وعدم تنفيذ الاحتلال الالتزامات التي فرضتها المحكمة.
وقالت وزارة العلاقات الدولية والتعاون في جنوب أفريقيا إن الملف الذي قدمته إلى المحكمة يهدف إلى مساعدة لجنة القضاة المكلفة بمتابعة تنفيذ التدابير المؤقتة، وتقييم المعلومات المتعلقة بمدى التزام الاحتلال بالأوامر الصادرة عنها.
وتستند جنوب أفريقيا في تحركها إلى أن أوامر التدابير المؤقتة الصادرة عن المحكمة ذات طبيعة ملزمة، وأن استمرار الانتهاكات، بحسب موقفها، يستدعي تحركًا دوليًا لضمان تنفيذ القانون الدولي وحماية الشعب الفلسطيني.
العفو الدولية تدعو الدول إلى الضغط على الاحتلال
وفي تطور متصل، قالت منظمة العفو الدولية إن تقديم جنوب أفريقيا ملف الأدلة إلى محكمة العدل الدولية يجب أن يدفع الدول الأخرى إلى زيادة الضغط على الاحتلال من أجل الالتزام بأوامر المحكمة.
وقالت المنظمة إن جنوب أفريقيا توثق في ملفها ما تعتبره عدم امتثال الاحتلال للتدابير المؤقتة الملزمة، معتبرةً أن استمرار الانتهاكات في غزة يتعارض مع الالتزامات التي فرضتها المحكمة بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية.
وأضافت العفو الدولية أن أوامر المحكمة صدرت بهدف حماية حقوق الفلسطينيين في غزة من ضرر لا يمكن جبره، مشيرةً إلى أن استمرار العمليات العسكرية والقيود المفروضة على السكان، وفق تقييمها، يثير تساؤلات جدية بشأن مدى تنفيذ تلك الأوامر.
ودعت المنظمة الدول إلى عدم الاكتفاء بمتابعة الإجراءات القضائية، بل استخدام نفوذها السياسي والقانوني للضغط من أجل امتثال الاحتلال لأوامر المحكمة وإنهاء الانتهاكات بحق الفلسطينيين.
قضية الإبادة الجماعية مستمرة
وتأتي هذه الخطوة في وقت لا تزال فيه قضية جنوب أفريقيا ضد الاحتلال أمام محكمة العدل الدولية في مراحلها الإجرائية، ولم تصدر المحكمة حتى الآن حكمًا نهائيًا بشأن ما إذا كان الاحتلال قد ارتكب جريمة الإبادة الجماعية وفق اتفاقية عام 1948.
وكانت المحكمة قد حددت في أيار/مايو 2026 مواعيد جديدة لاستكمال المذكرات الخطية في القضية؛ إذ مُنحت جنوب أفريقيا مهلة حتى 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2027 لتقديم ردها على مذكرة الاحتلال، فيما حُدد 22 أيار/مايو 2029 موعدًا لمذكرة الاحتلال اللاحقة.
وبذلك، تسعى بريتوريا إلى إبقاء الملف الفلسطيني حاضرًا أمام أعلى هيئة قضائية تابعة للأمم المتحدة، ليس فقط عبر القضية الأصلية، وإنما أيضًا من خلال متابعة مدى تنفيذ التدابير المؤقتة التي أمرت بها المحكمة.
ويرى مراقبون أن أهمية الخطوة الجنوب أفريقية تكمن في محاولة تحويل أوامر المحكمة من قرارات قضائية على الورق إلى التزامات عملية على الاحتلال والدول التي تربطها به علاقات سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، في ظل استمرار الأزمة الإنسانية والسياسية في قطاع غزة.
وتؤكد جنوب أفريقيا تمسكها بالمسار القانوني الدولي، في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية إلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة بحق الفلسطينيين، وضمان احترام قرارات الهيئات القضائية الدولية.
وتشكل القضية التي رفعتها بريتوريا واحدة من أبرز التحركات القانونية الدولية ضد الاحتلال منذ بدء الحرب على غزة، كما باتت محط اهتمام متزايد من دول أخرى ومنظمات حقوقية تسعى إلى التدخل أو تقديم مواقف قانونية أمام المحكمة.
المصدر: وزارة العلاقات الدولية والتعاون في جنوب أفريقيا، محكمة العدل الدولية، ومنظمة العفو الدولية.

