الإحتلال لا يفرق… معاناة مسيحي فلسطيني من إرهاب المستوطنين

المسار : بعد 7 سنوات قضاها في بناء منزل كان يحلم بأن يجمع فيه أبناءه وأحفاده، لم يتمكن الفلسطيني المسيحي بشير نعيم من السكن فيه سوى أيام قليلة، قبل أن يدفعه إرهاب المستوطنين الإسرائيليين إلى مغادرته والعودة إلى منزل والده القديم.

المنزل الذي أنفق بشير على بنائه أكثر من 270 ألف دولار في بلدة الطيبة شرقي رام الله وسط الضفة الغربية المحتلة، أحاطه بسياج وكاميرات مراقبة بحثا عن الأمان، لكنه يقول إن الاعتداءات الإرهابية المتكررة حولته في النهاية إلى ما يشبه السجن.

والطيبة بلدة فلسطينية تقع شرقي رام الله، وتعد من أبرز البلدات ذات الغالبية المسيحية في الضفة الغربية، وتضم كنائس ومواقع دينية وأثرية، فيما تشكل الزراعة والسياحة مصدر دخل لعدد من سكانها.

وخلال الأشهر الأخيرة، شهدت البلدة تصاعدا في اعتداءات المستوطنين على المنازل والأراضي ومصادر الرزق، وسط تحذيرات محلية وكنسية من أن استمرارها يدفع مزيدا من العائلات والشبان إلى التفكير في الهجرة.

حلم استغرق 7 سنوات

يقف بشير أمام منزله الجديد الذي بدأ بناءه عام 2019، وأتم الجزء المخصص للسكن فيه في أيار/ مايو 2026، قائلا: “هذا منزلي، استغرق بناؤه نحو 7 سنوات”.

وتبلغ مساحة المنزل نحو 421 مترا مربعا، ويتكون من شقتين وطابق آخر، إضافة إلى درج ومصعد، وصممه بشير منذ البداية ليكون مستقرا له ولزوجته وابنيه وعائلاتهما مستقبلا.

ويقول بشير: “كنت أريد أن يكون هذا المنزل لي ولزوجتي ولأبنائي وأحفادي”.

وكان يخطط لتزويج ابنيه وإقامتهما معه، لتعيش في المنزل 3 عائلات.

ويضيف: “لدي ابنان كنت أريد تزويجهما، وأن نعيش جميعا هنا؛ أنا وزوجتي، وهما مع عائلتيهما”.

كما خصص بشير جزءا من ساحة المنزل لعمله في إصلاح الثلاجات والغسالات، وكان يقضي فيه ساعات طويلة برفقة ابنه.

لكن بالتزامن مع استعداده للانتقال إلى المنزل، يقول إن مستوطنين بدأوا يترددون على محيطه بصورة متكررة، قبل أن تتصاعد المضايقات من الاقتراب نهارا إلى الاعتداء ليلا.

“أصبح بيتي سجنا”

بحسب بشير، لم تعد المشكلة مقتصرة على وجود المستوطنين قرب المنزل، إذ تعرضت وسائل الحماية التي وضعها للاعتداء.

ويقول: “جاؤوا ليلا، وسرقوا كاميرات المراقبة وقطعوا خدمة الإنترنت”.

ثم تطورت المضايقات، وفق روايته، إلى ملاحقته وابنه ومحاولة الاعتداء عليهما، ما اضطرهما في إحدى المرات إلى الاحتماء داخل المنزل.

ويضيف: “كلما جئنا إلى المنزل كانوا يلاحقوننا ويحاولون الاعتداء علينا، حتى اضطررت أنا وابني إلى الاحتماء داخله”.

وأمام تكرار تلك الحوادث، وضع بشير مزيدا من وسائل الحماية حول المنزل، لكن الإجراءات التي اتخذها لحماية أسرته جعلته يشعر بأنه يعيش خلف الحواجز بدلا من أن يكون في المنزل الذي انتظره سنوات.

ويشير إلى السياج المحيط به قائلا: “انظر إلى كل هذه الاحتياطات التي وضعتها، لقد أصبح بيتي سجنا”.

وفي النهاية، لم يتمكن بشير من البقاء، فبعد نقل جزء من أثاثه، لم يمض هو وابنه في المنزل سوى 4 أو 5 ليال، قبل أن يغادراه.

ويقول: “نقلت بعض الأثاث إلى المنزل، ونمت أنا وابني فيه 4 أو 5 أيام فقط”.

العودة إلى منزل الوالد

وبدلا من بدء حياة جديدة في المنزل الذي بناه، عاد المواطن الفلسطيني إلى منزل والده القديم داخل الطيبة.

ويقول: “أعيش الآن في منزل والدي القديم داخل البلدة”.

غير أن تداعيات ما جرى، بالنسبة إليه، تجاوزت اضطراره إلى ترك منزله، إذ أصبح مستقبل أسرته في فلسطين نفسه موضع تساؤل.

ويقول إن ابنيه، اللذين أنهيا دراستهما في جامعة بيرزيت باتا يفكران في الهجرة، ويطلبان منه استخراج جواز سفر ومغادرة البلاد معهما.

أما ابنته الكبرى، فيقول إنها غادرت بالفعل إلى فرنسا، وطلبت اللجوء هناك بعد ما تعرضت له العائلة من اعتداءات.

ويضيف: “أبنائي يفكرون الآن في الهجرة، ويضغطون علي لاستخراج جواز سفر فلسطيني والمغادرة معهم”.

وغداة تهجير العائلة، أدانت اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس في فلسطين ما تعرضت له، وقالت إن عائلة بشير اضطرت إلى مغادرة منزلها نتيجة “التهديدات والاعتداءات” المتواصلة من المستوطنين.

خوف من الهجرة

ويرى راعي كنيسة الفادي للاتين في الطيبة، بشار فواضلة، أن قصة بشير لا تمثل حادثة منفصلة، بل تعكس الضغوط التي يواجهها سكان البلدة مع استمرار اعتداءات المستوطنين، والقيود على الحركة وتدهور الأوضاع الاقتصادية.

ويقول: “هذا المواطن نموذج للفلسطيني الذي يريد البقاء في أرضه، والعيش في منزله”.

وبحسب فواضلة، غادرت أكثر من 16 عائلة الطيبة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، فيما تفكر عشرات العائلات والشبان حاليا في الهجرة.

ويضيف: “هناك عشرات العائلات التي تفكر حاليا في الهجرة”.

وسبق أن حذر فواضلة خلال آب/ أغسطس من اتساع نطاق الاعتداءات لتشمل مناطق مختلفة من الطيبة، وطالت المنازل والأراضي الزراعية ومصادر الدخل.

وعندما سئل عما إذا كان ما يجري يمثل استهدافا خاصا للمسيحيين، قال إن القضية، من وجهة نظره، تتجاوز الانتماء الديني.

ويضيف: “هناك استهداف مقصود للفلسطيني الذي يريد البقاء في أرضه والاستمرار في العيش عليها”.

وبحسب فواضلة، دفعت الظروف الأمنية بعض الأهالي إلى قضاء ساعات الليل في مراقبة منازلهم وأراضيهم ومركباتهم، خشية تعرضها للاعتداء.

كما طالت التداعيات مصادر الرزق، إذ يقول إن أصحاب بعض المنشآت والعمال فيها، وبينها كسارة ومصنع، لم يتمكنوا من الوصول إليها للشهر الثاني على التوالي.

اعتداءات وإغلاق عسكري

وخلال حزيران/ يونيو، قال رئيس بلدية الطيبة سليمان خوري إن مستوطنين أشعلوا النار في منطقة جبلية تضم أراضي زراعية بالبلدة، ما تسبب في احتراق مساحات منها.

ومع استمرار الاعتداءات، أعلن الجيش الإسرائيلي في 10 آب/ أغسطس أن الطيبة “منطقة عسكرية مغلقة”، بموجب أمر أصدره قائد المنطقة الوسطى، آفي بلوط، فيما ادعت هيئة البث الإسرائيلية أن القرار يهدف إلى منع اعتداءات المستوطنين.

وشمل القرار منع الإسرائيليين غير المقيمين والأجانب من دخول المنطقة، دون أن يفرض قيودا مماثلة على الفلسطينيين المقيمين فيها.

لكن رئيس البلدية قال آنذاك إن الإغلاق لا يوفر الحماية المطلوبة للسكان، بل يضر بالسياحة ومصادر دخل مرتبطة بالزوار، فيما تحدث سكان ورجال دين عن استمرار وصول مستوطنين إلى أراضي البلدة رغم القرار.

وتأتي قضية بشير ضمن تصاعد أوسع لاعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة.

وقالت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية إن المستوطنين نفذوا 628 اعتداء خلال آب/ أغسطس، فضلا عن 1402 اعتداء للجيش الإسرائيلي.

Share This Article