بقلم: تسفي برئيل محلل الشؤون العربية في صحيفة هآرتس
المسار: ليس من الغريب أن يكذب رئيس الحكومة نتنياهو ثلاث مرات في جملة واحدة. مع ذلك فان رده على الهجمات الارهابية اليهودية في قرية قسرة يحتاج الى فحص عميق. نتنياهو قال: “أنا ادين بشدة اعمال العنف الاجرامية التي نفذتها حفنة من المشاغبين في قرية قصرة وقرية جالود، الذين ينتهكون القانون ويتسببون بظلم كبير للمستوطنين الذين يلتزمون بالقانون، ويعيقون عمل الجيش الاسرائيلي في اداء مهماته ويضرون بمكانة اسرائيل في العالم”.
هذه ليست “اعمال عنف اجرامية”، بل هي ارهاب مخطط له ومنظم ومنهجي ومستمر. لا يسبب الارهابيون الظلم الكبير بجمهور المستوطنين، لان هذا الجمهور يقف من ورائهم ويشجعهم ويعتبرهم حاملي ارث عريق وخلفاء للجيل الاول من الثوار الذي اسسه موشيه لفنغر وحنان بورات ومناحيم فيليكس ودوف ليئور وغيرهم. ايضا هم لا يعيقون الجيش الاسرائيلي في اداء مهماته، بل ان الجيش الاسرائيلي نفسه شريك كامل في هذه الهجمات.
أما “جمهور المستوطنين الذي يلتزم بالقانون”، الذي يحرص رئيس الحكومة ورئيس الاركان، وحتى رؤساء المعارضة، دائما على تقديره بشكل كامل، ويحرصون على تمييزه عن “الحفنة”، ويمتنعون عن تضمينه فيها، هم مئات آلاف اليهود الذين ينتهكون القانون الدولي بسبب عيشهم في المستوطنات. لم يهب أي واحد منهم للدفاع عن سكان قصرة وجالود، أو عن عشرات التجمعات الفلسطينية التي تم طردها من بيوتها.
هل قيادة مجلس “يشع” تهتم وبحق بـ “اعادة الامن والنظام الى المنطقة”؟، تساءل بنحاس فالرشتاين في رسالة ارسلها الى قيادة المستوطنين ونشرها في حزيران. وفقا له فانه عندما لا توجد توجيهات واضحة للجمهور حول كيفية التصرف، يتولد الانطباع بالتناقض، وحتى بالتواطؤ مع المشاغلبين. فالرشتاين صادق في قوله، وهو يعرف ان التحذير من التعميم هو خدعة. فالجميع متورطون في افعال مشبوهة.
ان الاباء المؤسسين انفسهم، ابطال الامة ورموز “المجتمع الذي يلتزم بالقانون”، هم الذين طردوا سكان شارع الشهداء في الخليل، ووصفوا جنود الجيش الاسرائيلي بـ “النازيين” و”آباء الدنس”، واسسوا المقاومة اليهودية المجرمة. لؤي بيروتي، الذي يمنعه الارهابيون والجيش الاسرائيلي الان من دخول بيته في قصرة، يمكنه في وقت الفراغ قراءة مقال كتبه يهودا ليطاني، الذي نشر في “هآرتس” في 1982، كي يعرف ما ينتظره. فقد وصف ليطاني المضايقة الفظيعة التي ارتكبها سكان كريات اربع ضد الارملة سعدية دعنا، التي يوجد بيتها قرب سور المستوطنة. “هم يريدون تخويفنا، يتسكعون حول البيت في الليل ويهشمون النوافذ بالحجارة”. وقد القيت القنابل اليدوية على بيتها مرتين. واكد رئيس قسم التحقيقات في شرطة يهودا في حينه المقدم عزرا غليدج، بان “قنبلة القيت ليس بهدف القتل، بل بهدف التخويف. القنبلة لم تنفجر في داخل البيت. وبعد اسبوعين القيت قنبلة اخرى. قمنا باجراء تحقيق شامل ولم نتمكن من تحديد هوية المعتدين”. ما هو الجديد في ذلك؟ يوجد خط مستقيم يربط بين دعنا والبيروتي وبين الارهابيين في حينه واليوم.
مع ذلك، ما زال امام شبيبة التلال الذين يركبون سيارات الجيب البيضاء الكثير ليتعلمونه من مصادر الهامهم. ولكن الدرس الاهم الذي يجب عليهم استيعابه هو ان هذه الطريقة ناجعة. العيون الساخرة رافقت دائما طليعة المستوطنين، حتى عندما نفذت جرائمها. وسارعت الى اعطائها الشرعية عندما استقرت واصبحت قانونية. في حينه، ومثلما هي الحال الآن، الحديث لا يدور عن “استثناء” أو عن تساهل في تطبيق القانون، بل يدور عن ثقافة سياسية واجتماعية متاصلة تعطي الشرعية للعنف وتعزز استمرارية تاريخية بين جيل المؤسسين وجيل المشاغبين الحالي.
مفهوم “حفنة من المشاغبين” يهدف الى الاشارة الى الانحراف عن روحية الاستيطان. ولكن المشاغبين هم النتاج الخالص جدا له. هذه الروحية لم تستمد شرعيتها أبدا من القانون، بل من اليمين “التاريخي” الذي له نزعة خلاصية، والذي دائما قال انه فوق القانون.

