كتب اسماعيل جمعه الريماوي الديمقراطية الحقيقية بين حكم الصندوق وتحكّم السلطة

المسار : ذهبتُ قبل ايام إلى صندوق الاقتراع في السويد لأمارس حقي الديمقراطي في انتخاب ممثلي الأقاليم والمجالس المحلية والبرلمان مبكرا وقبل صباح يوم الانتخاب في ١٣ من ايلول ، لحظة تبدو عادية في بلد ديمقراطي، لكنها بالنسبة لي كفلسطيني تحمل معنى أعمق؛ لأنني، وأنا أقف أمام ورقة الاقتراع، لم أستطع أن أمنع نفسي من مقارنة هذا المشهد بما يجري في فلسطين منذ عقود.

في السويد، توجد أحزاب سياسية متعددة تتنافس على أصوات المواطنين، ولكل حزب برنامجه ورؤيته ومواقفه، سواء اتفقنا معها أو اختلفنا، بعضها يقع في اليمين، وبعضها في الوسط، وبعضها في اليسار، وبينها أحزاب تحمل مواقف شديدة المحافظة، وأخرى تتبنى سياسات حادة تجاه الهجرة والاندماج والأجانب، وتواجه انتقادات واسعة واتهامات بالعنصرية والإقصاء.

ومع ذلك، لا تقول الدولة للمواطن: هذا الحزب لا يعجبنا، ولذلك لن نسمح له بالمنافسة.

ولا يجري تفصيل قانون انتخابي جديد لإقصاء خصم سياسي بعينه.

ولا تُغلق أبواب الديمقراطية أمام تيار لأن برنامجه لا ينسجم مع توجهات السلطة.

في الديمقراطيات الحقيقية، الصندوق هو الحكم.

إذا كان حزب ما متطرفاً أو عنصرياً أو يحمل برنامجاً يرفضه جزء كبير من المجتمع، فإن مواجهة هذا الحزب تكون عبر السياسة والنقاش والانتخابات، ويُترك للمواطن أن يقرر: ان يمنحه صوته أو يحجبه عنه.

هذه هي الفكرة الأساسية في الديمقراطية: أن تثق بالشعب حتى عندما تكون نتيجة اختياره غير مريحة لك.

وهنا تحديداً تبدأ المقارنة المؤلمة مع فلسطين.

منذ نحو ثلاثة عقود، يعيش الفلسطينيون واقعاً سياسياً هيمنت فيه جهة واحدة وفصيل واحد على مؤسسات الحكم في الضفة الغربية، بينما بقيت الحياة الديمقراطية الفلسطينية معلقة بين انتخابات مؤجلة، ومجالس فقدت كثيراً من شرعيتها الشعبية، ومؤسسات سياسية لا تعكس بالضرورة إرادة جميع الفلسطينيين في الداخل والشتات.

المشكلة ليست فقط في وجود حزب أو تنظيم مهيمن، وإنما في عقلية سياسية تعتبر استمرار السيطرة حقاً مكتسباً، وترى في المنافس السياسي تهديداً يجب احتواؤه أو إقصاؤه بدلاً من اعتباره جزءاً طبيعياً من الحياة الديمقراطية.

الديمقراطية لا تعني أن يفوز طرف واحد إلى الأبد.

ولا تعني أن يصبح الحزب الذي ناضل في الماضي مالكاً حصرياً للحاضر والمستقبل.

ولا تعني أن تتحول الثورة والنضال والتاريخ إلى صك دائم لاحتكار السلطة.

النضال الوطني قيمة عظيمة، لكن النضال لا يمنح أحداً ملكية الشعب، ولا يعطي أي تنظيم حق مصادرة قرار الفلسطينيين إلى الأبد.

وهنا المفارقة التي تستحق التوقف أمامها:

في السويد، يمكن لحزب يواجه اتهامات بالعنصرية والتطرف أن يدخل البرلمان إذا حصل على أصوات الناخبين، لأن القاعدة هي أن الشعب يقرر.

أما في فلسطين، فكثيراً ما يجري التعامل مع المنافس السياسي وكأنه مشكلة يجب التخلص منها، بدلاً من اعتباره حقاً أصيلاً للشعب في الاختيار.

إذا كنا نؤمن بالديمقراطية فعلاً، فعلينا أن نقبل بنتائجها، لا أن نؤمن بها فقط عندما تضمن لنا الفوز.

الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط؛ الديمقراطية هي حق المنافسة، وحرية الاختيار، وتكافؤ الفرص، وتداول السلطة، واحترام إرادة الناخب، وقبول احتمال الخسارة.

وهذا ما يجعل المشهد السويدي مختلفاً.

قد تختلف مع حزب، وقد تعتبر برنامجه خطيراً أو عنصرياً أو متطرفاً، لكنك لا تلغي وجوده لمجرد أنك لا تتفق معه، تواجهه في الانتخابات، وتقنع الناس بعدم التصويت له، وتترك الكلمة الأخيرة للصندوق.

وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي نظام سياسي: هل يثق بالشعب عندما يختلف الشعب معه؟

أما أن تُفصّل القوانين بما يضمن بقاء طرف واحد، أو أن تُستخدم المؤسسات لمنع المنافسين، أو أن تتحول الانتخابات إلى عملية شكلية لا تسمح بالتغيير الحقيقي، فهذه ليست ديمقراطية مكتملة، مهما كثرت الشعارات.

لقد وقفتُ في السويد أمام صندوق الاقتراع، واخترتُ من أريد أن يمثلني، لم يسألني أحد عن انتمائي، ولم يطلب مني أحد أن أصوت لحزب بعينه، ولم يقل لي أحد إن هناك حزباً يجب أن يبقى في السلطة لأنه كان موجوداً قبل الآخرين.

أنا المواطن، وأنا صاحب الصوت، وأنا من يقرر من يمثلني.

وفي هذا رسالة أتمنى أن تصل ، حيث نريد ديمقراطية لا تخاف من الشعب، نريد انتخابات لا تُصمم نتائجها مسبقاً، نريد مؤسسات لا تكون ملكا لحزب او تنظيم .

نريد أن يكون للفلسطيني في الضفة وغزة والقدس والشتات صوت حقيقي في تحديد مستقبل وطنه.

نريد أن يصبح صندوق الاقتراع هو الطريق إلى السلطة، وأن يكون صندوق الاقتراع نفسه قادراً على إخراج من وصل إليها.

فالسلطة ليست إرثاً سياسياً، والوطن ليس ملكاً لتنظيم، والشعب ليس تابعاً لأحد.

في السويد، ذهبتُ إلى صندوق الاقتراع لأختار من يحكم باسم الشعب، وفي فلسطين، ما زلنا ننتظر اليوم الذي يصبح فيه الشعب فعلاً هو من يختار، وهو من يحاسب، وهو من يغيّر،

ذلك اليوم لن يكون مجرد انتخابات.

سيكون بداية استعادة الفلسطيني لحقه الطبيعي في أن يكون صاحب القرار في وطنه.

Share This Article