المسار: يدفع نتنياهو نحو تصعيد إقليمي مع إيران وحزب الله، في مسعى لتحقيق مكاسب عسكرية وسياسية وانتخابية، رغم مخاطر الانجرار إلى مواجهة كبرى.
وكان أن أعلن الاحتلال الإسرائيلي تحقيق سيطرة عملياتية على مرتفع علي الطاهر قرب النبطية في الجنوب اللبناني.
الحديث عن “منطقة أمنية”، ومنع حزب الله من إعادة بناء قوته، وعن ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح الحزب، يعيد إلى الأذهان تجربة “الحزام الأمني” في جنوب لبنان عام 1982، والتي استمرت حتى انسحاب إسرائيل مهزومة عام 2000.
يضغط الاحتلال من أجل نزع سلاح حزب الله، ولكن في الوقت نفسه، فإن استمرار وجوده على الأرض اللبنانية يقدم للحزب حجة قوية للاحتفاظ بسلاحه.
كانت إيران قد حذرت الولايات المتحدة مسبقًا من توسيع الهجوم الإسرائيلي على الموقع، وأوصلت رسالة، من خلال سلطنة عُمان، بأن عملية إسرائيلية واسعة هناك قد تؤدي إلى رد إيراني. ومع ذلك، مضت إسرائيل في العملية وأعلنت السيطرة على المرتفع.
أراد نتنياهو دفع إيران إلى خيارين، كلاهما يخدمه: إما أن تلتزم طهران الصمت وتتراجع عن تهديدها، فتبدو عاجزة عن حماية أهم حلفائها في المنطقة، وإما أن ترد عسكريًا، فتتسع المواجهة وتجد الولايات المتحدة نفسها منخرطة من جديد وبقوة أكبر في الحرب مع إيران.
إنها سياسة دفع “العدو” تدريجيًا إلى الوراء، حتى يصل إلى اللحظة التي يصبح فيها أمام خيار صعب: إما أن يرد ويخاطر بحرب شاملة، وإما أن يتراجع ويخسر جزءًا من قدرته على الردع.
لا يمكن فصل ما يجري عن الانتخابات الإسرائيلية القريبة، الأولى بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وحرب الإبادة على غزة، والمطالبة الدولية بمحاكمة نتنياهو كمجرم حرب.
إذا اختارت إيران الرد، يحصل نتنياهو على مراده في إعادة تحويل الصراع من حرب إسرائيلية مع حزب الله إلى مواجهة إقليمية يكون فيها البرنامج النووي الإيراني والصواريخ الإيرانية والنظام نفسه في مركز المعركة، وتصبح الولايات المتحدة طرفًا مباشرًا فيها. وبهذا، يخلط أوراق المنطقة من جديد، في مواجهة الانتقادات المتصاعدة ضد الاحتلال وممارساته في قطاع غزة والضفة الغربية، وتراجع التأييد الرسمي والشعبي الأوروبي والأميركي لإسرائيل.
لا يمكن فصل ما يجري عن الانتخابات الإسرائيلية القريبة، الأولى بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وحرب الإبادة على غزة، والمطالبة الدولية بمحاكمة نتنياهو كمجرم حرب.
لهذا، يصبح لكل صورة نصر عسكري وزن سياسي وانتخابي ومصيري بالنسبة إلى نتنياهو.
الاقتراب من الانتخابات، وما تظهره الاستطلاعات من تراجع شعبيته، يدفعه إلى محاولة تحقيق هذه الأهداف بسرعة أكبر، وبصورة أكثر وضوحًا واستعراضًا، قبل أن يتوجه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع.
من هنا، يصبح التصعيد جزءًا من حملته الانتخابية. وهذه لعبة شديدة الخطورة، لأن الحرب سلاح انتخابي ذو حدين؛ فالعملية التي تقدم لنتنياهو صور نصر اليوم قد تنتج صورًا أخرى لجنود في صناديق مغلقة ومركبات مشتعلة.
وإذا استعاد حزب الله قدرته على ضرب العمق الإسرائيلي، وأربك الحياة اليومية في الشمال، وتحولت العملية العسكرية في لبنان إلى حرب استنزاف، فقد تنقلب الورقة التي يريد نتنياهو استخدامها إلى ورقة ضده.
قد ينجح نتنياهو في تحويل هذه اللحظة إلى صورة انتخابية، وربما تساعده في إبعاد الناخب عن صور السابع من أكتوبر. وقد يكون التصعيد مع إيران مفيدًا له أكثر من الهدوء والتوصل إلى اتفاق بين إيران وأميركا.
ولكن ترامب، من جانبه، له ظروفه ووضعه، ويحاول تحقيق أهدافه في مضيق هرمز من خلال الضغط الاقتصادي على إيران، وليس من خلال مواجهة عسكرية شاملة ومكلفة اقتصاديًا وعسكريًا له ولحلفائه في المنطقة.
دول الخليج تريد إضعاف إيران، لكنها لا تريد لأراضيها ومنشآتها النفطية وقواعد القوات الأميركية الموجودة فيها أن تصبح ساحة للحرب.
يواجه ترامب، من جانبه، تحديات انتخابات التجديد النصفي الأميركية القريبة في تشرين الثاني/ نوفمبر، والحرب على إيران لا تحظى بشعبية وفق استطلاعات رأي أميركية. ويخشى الجمهوريون خسارة أغلبيتهم الضيقة في الكونغرس في حال التورط في حرب واسعة وتداعياتها الاقتصادية.
الحرب مع إيران التي يدفع إليها نتنياهو بإصرار ليست حملة جوية لعدة أيام. فقد أثبتت إيران قدرتها على مهاجمة القواعد والمصالح الأميركية في المنطقة.
كذلك، هناك انقسام داخل حلف الناتو حول طريقة التعامل مع المسألة الإيرانية، وقد هاجم ترامب حلفاءه لعدم تقديمهم مساهمة فعالة خلال حربه مع إيران. ولتركيا، العضو في الناتو، وزنها الكبير؛ فهي لا تريد جارتها إيران نووية، لكنها تريدها مستقرة، وليس لتركيا هدف إسقاط النظام فيها. وهناك توتر متصاعد ومتراكم بين أردوغان ونتنياهو بسبب حرب الإبادة في غزة، والممارسات في القدس والضفة الغربية، وأخيرًا ما يجري في سورية التي يعتبرها أردوغان منطقة نفوذه.
إيران وحزب الله قالا إن إسرائيل تضخم أهمية ما حققته في علي الطاهر لأغراض انتخابية، في إشارة إلى عدم الرغبة في التصعيد.
من ناحيتها، فإن دول الخليج تريد إضعاف إيران، لكنها لا تريد لأراضيها ومنشآتها النفطية وقواعد القوات الأميركية الموجودة فيها أن تصبح ساحة للحرب. وقد صرح ترامب نفسه في مناسبات عدة بأنه تلقى اتصالات من خمس دول في المنطقة تطالبه بالضغط على نتنياهو لمنع التصعيد مع إيران.
إيران وحزب الله قالا إن إسرائيل تضخم أهمية ما حققته في علي الطاهر لأغراض انتخابية، في إشارة إلى عدم الرغبة في التصعيد. ويبدو أن إيران تحاول منع تحقيق رغبة نتنياهو في مواجهة واسعة وعدم الانجرار إلى الرد الذي وعدت به، أما حزب الله، فجاء رده محدودًا ببضع مسيّرات حتى الآن.
من المرجح أن نتنياهو لن يتوقف عند اختبار واحد للخط الأحمر الإيراني، وسوف ينتقل إلى خط آخر وآخر، بهدف حشر طهران في الزاوية، لتجد نفسها أمام لحظة يصعب فيها التراجع من دون خسارة ما تبقى من قوة ردعها. وإذا جاء ذلك الرد، فهل يستطيع ترامب أن يبقى خارج الحرب؟ أم يكون نتنياهو قد نجح في جر الجميع إلى المواجهة الكبرى، معتقدًا أن الحرب تستطيع أن تمنحه ما عجز عن تحقيقه حتى الآن: إعادة تشكيل المنطقة وفرض الهيمنة الإسرائيلية عليها؟

