رغم تدمير 90% من المدارس..غزة تنتزع حقها في التعليم

المسار: غزة- وسط ركام المدارس، وشح الإمكانيات، وتعقيدات الحرب والواقع الأمني القاسي، تمكنت وزارة التربية والتعليم من إعادة امتحانات الثانوية العامة إلى قطاع غزة، في مشهد يتجاوز كونه استحقاقًا أكاديميًا ليصبح واحدًا من أبرز أشكال الصمود والحفاظ على حق الطلبة الفلسطينيين في التعليم والمستقبل.

وقال جمال يوسف، مدير عام الامتحانات في وزارة التربية والتعليم في قطاع غزة، إن منظومة التعليم في القطاع تعرضت إلى «تدمير ممنهج وشبه كامل»، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على منظومة امتحانات الثانوية العامة، إلا أن الوزارة ولجنة الامتحانات العامة واصلتا العمل لإيجاد حلول استثنائية تضمن عدم ضياع مستقبل عشرات آلاف الطلبة.

وأوضح أن لجنة الامتحانات العامة، التي يرأسها وزير التربية والتعليم العالي الدكتور أمجد برهم، تابعت ملف طلبة غزة منذ بداية الحرب، واتخذت سلسلة قرارات استثنائية تتناسب مع حجم الكارثة التي أصابت القطاع التعليمي.

95 ألف طالب اجتازوا امتحانات الثانوية خلال سنوات الحرب

وأشار يوسف إلى أن من أوائل الإجراءات التي تم اتخاذها اعتماد منهاج تعليمي مقلص يراعي حجم الفاقد التعليمي والظروف التي عاشها الطلبة، إلى جانب اعتماد الامتحان الإلكتروني لطلبة أعوام 2024 و2025 والدورة الأولى من عام 2026.

وبيّن أن الدورة الأولى لعام 2026 عقدت للمرة الأولى بالتزامن مع بقية محافظات الوطن، بعد انقطاع استمر نحو عامين بسبب الحرب.

وبحسب يوسف، تمكن نحو 95 ألف طالب وطالبة خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة من اجتياز امتحانات الثانوية العامة، والانتقال إلى مسارات التعليم العالي، رغم الظروف شديدة التعقيد، مشيرًا إلى أن عددًا من الطلبة حصلوا على منح دراسية خارج فلسطين وتمكن بعضهم من السفر لاستكمال تعليمهم.

90% من مدارس غزة خرجت عن الخدمة

وكشف يوسف أن نحو 90% من مدارس قطاع غزة خرجت عن الخدمة نتيجة التدمير والأضرار التي لحقت بالبنية التعليمية، الأمر الذي جعل عقد الامتحانات داخل القاعات التقليدية مهمة شديدة الصعوبة.

وأضاف أن العديد من المنشآت التعليمية المتبقية تحولت إلى مراكز لإيواء النازحين، في وقت أصبحت فيه الخيام والمساحات التعليمية المؤقتة جزءًا أساسيًا من واقع التعليم في القطاع.

وقال إن نحو 450 ألف طالب من الصف الأول وحتى الصف الثاني عشر يتلقون تعليمهم حاليًا في ظروف شديدة القسوة، وفي كثير من الحالات داخل خيام ومساحات تعليمية بديلة.

ورغم ذلك، شدد يوسف على أن الإصرار على استمرار التعليم لم يتراجع، قائلاً إن هناك إرادة حقيقية لدى الطلبة والطواقم التعليمية لإعادة بناء العملية التعليمية واستمرارها مهما كانت الظروف.

امتحانات داخل ظروف استثنائية.. وتصحيح إلكتروني لأول مرة

وفي خطوة وصفها يوسف بالشجاعة، قررت لجنة الامتحانات العامة عقد الدورة الثانية من امتحانات الثانوية العامة وجاهيًا داخل قطاع غزة، مستفيدة من انخفاض عدد المتقدمين مقارنة بالدورات السابقة، بما سمح بإدارة الامتحانات ضمن الإمكانيات المتاحة.

إلا أن التحدي لم يتوقف عند توفير القاعات، إذ لم تعد هناك مراكز تصحيح تقليدية قادرة على استيعاب العملية، بعدما تعرضت مقرات ومرافق تعليمية عديدة للتدمير أو أصبحت تستخدم لإيواء النازحين.

وللتغلب على هذا الواقع، قال يوسف إن الطواقم المختصة نجحت في تصميم منظومة إلكترونية للتصحيح تعتمد على المسح الضوئي لأوراق الإجابة، بما يضمن مستوى مرتفعًا من الدقة ويسمح بإتمام عملية التصحيح رغم غياب مراكز التصحيح التقليدية.

وأكد أن نتائج الدورة تم إعلانها بالتزامن مع بقية محافظات الوطن، بما فيها الضفة الغربية والقدس، إلى جانب الطلبة الفلسطينيين في الخارج.

نتائج معتمدة ومنظومة امتحانات موحدة

وشدد يوسف على أن امتحانات الثانوية العامة في قطاع غزة ليست منفصلة عن المنظومة التعليمية الفلسطينية، مؤكدًا أن وزارة التربية والتعليم واحدة، والتعليمات واحدة، والنتائج تعتمد ضمن النظام الرسمي الموحد للثانوية العامة في فلسطين.

وأوضح أن القرارات الاستثنائية الخاصة بقطاع غزة تصدر بسبب الظروف التي يمر بها القطاع، لكنها تبقى ضمن إطار لجنة الامتحانات العامة وتعليمات الوزارة.

وأكد أن اعتماد النتائج محليًا ودوليًا يعكس المحافظة على المعايير الأكاديمية المطلوبة، رغم البيئة الاستثنائية التي عقدت فيها الامتحانات.

وحول نتائج الدورة الأخيرة، أوضح يوسف أن نسب النجاح تأثرت بطبيعة الظروف التعليمية الصعبة التي عاشها الطلبة، مشيرًا إلى أن النتائج عكست بشكل واضح حجم التحديات التي واجهها الطلبة خلال فترة الحرب.

هل يمكن إعادة تصحيح أوراق التوجيهي؟

وفي رده على تساؤلات أولياء الأمور والطلبة بشأن إمكانية إعادة تصحيح أوراق الامتحانات عند الشك في النتيجة، قال يوسف إن الوزارة تتفهم تمامًا مخاوف الأسر، لا سيما أن الثانوية العامة تمثل محطة مفصلية في مستقبل الطالب.

لكنه أوضح أن الأنظمة المعمول بها في وزارة التربية والتعليم لا تتيح إعادة تصحيح أوراق الامتحانات بصورة فردية، مؤكدًا في المقابل وجود إجراءات داخلية صارمة للتدقيق والمراجعة قبل اعتماد النتائج ونشرها.

وأشار إلى أن الوزارة تتعامل مع أي ملاحظة رسمية وفق القوانين والأنظمة المعتمدة، مشددًا على أن الأساس الذي تقوم عليه منظومة الثانوية العامة هو الدقة والعدالة وتكافؤ الفرص.

وأضاف أن منظومة الثانوية العامة الفلسطينية تتمتع بثقة ومصداقية وطنية ودولية تراكمت على مدار عقود، وأن الحفاظ على هذه المصداقية يمثل أولوية لا يمكن التهاون بها.

واختتم يوسف حديثه بالتأكيد على أن استمرار امتحانات الثانوية العامة في غزة ليس إنجازًا إداريًا أو تقنيًا فحسب، بل خطوة أساسية في طريق تعافي العملية التعليمية وحماية مستقبل جيل كامل من الطلبة.

ففي غزة، لم تعد قاعة الامتحان مجرد أربعة جدران ومقاعد؛ قد تكون خيمة، أو مساحة تعليمية مؤقتة، أو مبنى نجا جزء منه من الدمار. ومع ذلك، ما زال الطالب يحمل قلمه وورقة امتحانه، ويتمسك بحقه في أن يكمل طريقه. وبين الركام وأصوات الانفجارات، يكتب طلبة غزة امتحانًا أكبر من «التوجيهي» نفسه؛ امتحان البقاء، والإرادة، والانتصار للعلم والمستقبل.

نقلا عن معا

Share This Article