كتب مرزوق الحلبي : إسرائيل تخسر تدريجيًّا مكانة “الابنة المدلّلة”

المسار : الخطوة البريطانيّة ضد المستوطنين وجرائمهم في الضفّة الغربية هي ترجمة لضغط متزايد في الرأي العام البريطاني على النُخب السياسيّة. وهو الضغط الذي أدّى إلى استقالة عشرة رؤساء حكومة وإلى تناوب الحزبين الكبيرين، العمال والمحافظين، على السلطة عدة مرّات في عقد واحد. ليس هذا فحسب، بل تزايد تبديل رؤساء الأحزاب وممثليهما في الحكومة بمعدلات غير مسبوقة في السياسة البريطانية. قوافل من الأسماء تأتي إلى مناصب وسرعان ما تذهب وتختفي، حتى بدت السياسة البريطانية ثقبًا أسود يبتلع المريدين بالجُملة.

لقد بدا واضحًا الآن أن الصراع في بريطانيا بات مكشوفًا أكثر من أي وقت مضى في تاريخ الدولة منذ الحرب العالميّة الثانية. فإذا كان الرأسمال العالميّ قد نجح، حتّى سنين خلت، في إخفاء قبضته على مفاصل السلطة من خلال إخضاع الحزبين الكبيرين لمشيئته وتجييرهما في خدمة مصالحه، فإن الأمر لم يعد ممكنًا بعد الآن، خاصة مع اتّساع المعارضة الشعبيّة والفكريّة في بريطانيا للحزبين ونشوء تشكيلات سياسيّة تستأنف على “النسَق السياسيّ” البريطاني القائم على حزبين تاريخيين وعلى سياسات خارجيّة هي وريثة بريطانيا العُظمى، وعلى اتّساع التقطّب الاجتماعيّ ـ الاقتصادي، خاصة في ظلّ ركود اقتصادي ممتدّ.

إرث “الإمبراطوريّة” يعني، فيما يعنيه، دعم إسرائيل وجودًا واحتلالًا دون قيد أو شرط. وهو ما لم يعد ممكنًا في السنوات الأخيرة، خاصة بعد الإبادة في غزّة. بل رأينا أن النجاحات السياسيّة في بريطانيا ـ مثل الولايات المتّحدة ـ ترتبط أكثر فأكثر بتأييد السردية الفلسطينية ومناهضة الإبادة وجرائم الاحتلال في الضفّة الغربيّة. هذا هو “الصوت” الأعلى اليوم في بريطانيا. وهو ما حصل أيضًا في الولايات المتّحدة.

يُمكننا اعتبار هذا الصوت البريطاني غير المحصور في مناهضة الإبادة تعبيرًا عن خطوة أخرى في مسيرة قطع الصلة بين الرأسمال العالمي وبين السياسة في بريطانيا، التي بدأت نُخبها بإعادة النظر في سطوة الرأسمال وتوجيهه للسياسات الخارجية والاستراتيجيّة في بريطانيا. كأن النُخب الصاعدة المتمثّلة بشكل واضح في حزب جيرمي كوربن والصيغة الجديدة لحزب الخضر قرّرت التخلّص من الإرث الإمبراطوريّ والنظر إلى الداخل البريطاني لأجل ترميمه وترميم علاقته بالعالم. وفي الخلفيّة إدارة الظهر الواضحة من الرئيس الأميركيّ، دونالد ترامب، لبريطانيا من خلال رفع الرسوم الجمركيّة على الواردات منها وتخلّيه عن مساندتها في تثبيت خروجها من الاتحاد الأوروبيّ الذي بدأ في العام 2016. وهو ما دفعها إلى دراسة العودة إلى حضن أوروبا والتخلّي عن حلم التكامل مع الولايات المتحدة في الجانب الآخر من الأطلسيّ.

في الجوهر، تنحو الخطوة البريطانية منحى مهمًا لأنها تفتح ملفّ الشرعيّة المتآكلة لإسرائيل في العالم وظهورها بمظهر صانعة الحروب وعنوان الشرّ المُطلق. وهو ما تُعنى به الأمم الأوروبية وغير الأوروبيّة، كما كان موقفها تجاه نظام الفصل العنصريّ في جنوب أفريقيا. فالموقف من ذاك النظام لم ينشأ من ليلة إلى ضُحاها، بل تدحرج من الإجراءات الشكليّة الخجولة إلى مقاطعة شاملة لهذا النظام في العقد الأخير قبل تفكيكه. يُمكننا أيضًا أن نعتبر قرار الحكومة البريطانية التقاءً مع موقف الأوساط الشعبيّة البريطانية في هذه المسألة، ذهابًا نحو رأي عام بريطاني يُجمع على موقف مناهض للاحتلال والاستيطان. وهو ما سيُغذّي، في رأينا، جهود مقاطعة إسرائيل في أوروبا والعالم، التي ستجدها مناسبة لتكثيف ضغوطها على طول القارة الأوروبيّة وعرضها.

تنضمّ الحكومة البريطانيّة الجديدة القديمة في هذه الخطوة إلى جهود دول عدّة في الاعتراف بفلسطين كردّ فعل معاكس للإبادة وحروب إسرائيل. قد تبدو الخطوة دبلوماسيّة محدودة الأثر في ظاهرها، لكننا نعتبرها خطوة أخرى في تقويض السردية الإسرائيليّة التي ألغت بنفسها الخطّ الأخضر وضمّت المناطق المحتلّة ضمًّا فعليًا، على نحو لم يعد بالإمكان إقامة الفارق ـ كما كان في الماضي ـ بين إسرائيل وبين “الاحتلال المؤقّت”، خاصة وأن الحكومة والنُخب عامة ذاهبة في خيار إخضاع الفلسطينيين بطُرق مختلفة، بما فيها الإبادة، وليس في خيار التسوية معهم. وهذا بحدّ ذاته سيدفع بريطانيا نفسها وغيرها من الدول إلى تبنّي سياسات أكثر تشدّدًا مع إسرائيل بصيغتها الفاشية والاستعماريّة.

مثل هذه الخطوات تبدأ كأنها محدودة الغاية ولها إطارها، لكننا نعرف أنها قد تتدحرج أبعد بكثير ممّا أراده المبادرون لها. في كلّ الأحوال، هي خطوة فيها انتقاص واضح من شرعيّة إسرائيل كنظام وسياسات وجرائم احتلال في مراكز دولية كانت فيها الابنة المدلّلة. في مستوى منها، تندرج الخطوة ضمن سيرورة تاريخيّة هامّة لترميم الديمقراطيّة التمثيليّة المأزومة وإعادة مفهمة الدولة الحديثة في ظلّ العولمة وتأثيراتها.

Share This Article