تقرير خاص بــ”المسار ” 600 يوم من التهجير.. أهالي مخيم جنين خارج منازلهم والعودة ما تزال ممنوعة

المسار : يدخل مخيم جنين، اليوم السبت 12 أيلول/سبتمبر 2026، يومه الـ600 منذ بدء العدوان الوحشي عليه، الذي سماه جيش الاحتلال «الجدار الحديدي»، فيما لا يزال آلاف السكان بعيدين عن منازلهم، وسط استمرار منع العودة والدمار الواسع الذي أصاب المباني والبنية التحتية داخل المخيم.

وبدأ العدوان في 21 كانون الثاني/يناير 2025 باقتحام واسع لمدينة جنين ومخيمها، قبل أن يمتد إلى مناطق أخرى في شمال الضفة الغربية. وبعد نحو عشرين شهرًا، أكدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، في تقرير حديث، أن أهالي مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس ما زالوا ممنوعين من العودة إلى منازلهم.

وتكشف الأرقام حجم الأزمة الإنسانية التي خلّفتها العملية. ووفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، استنادًا إلى أرقام الأونروا، بلغ عدد المهجرين من مخيم جنين ومحيطه 12,557 فلسطينيًا، ضمن أكثر من 33 ألف مهجّر من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس ومحيطها.

«نرى بيوتنا ولا نستطيع العودة»

وراء هذه الأرقام آلاف الحكايات لعائلات خرجت من المخيم وهي تعتقد أن غيابها لن يستمر طويلًا، قبل أن يتحول النزوح إلى واقع ممتد.

وتقول إحدى النازحات من مخيم جنين، في شهادة منشورة مؤخرًا، إن منزلها لم يعد موجودًا بالصورة التي تركته عليها:

«كل يوم أبكي على منزلي ومتجري.. متجري اختفى، ومنزلي تحوّل إلى طريق.»

وتعيش النازحة، مثل مئات العائلات الأخرى، في مكان مؤقت بعد فقدان منزلها ومصدر رزقها.

ويقول نازح آخر من المخيم إن استمرار النزوح وضع عائلته أمام أعباء مالية لم تكن قادرة على تحملها، خصوصًا مع فقدان العمل:

«لم يكن أمامنا خيار سوى الاستئجار، لكن من دون عمل ثابت أصبح من الصعب جدًا مواصلة دفع الإيجار.»

وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، اضطرت غالبية العائلات النازحة من مخيم جنين إلى البحث عن مساكن مستأجرة، في ظل محدودية مراكز الإيواء واستمرار غياب إمكانية العودة.

أكثر من نصف مباني المخيم متضررة

ولا تتوقف الأزمة عند حدود النزوح. فبحسب أحدث تقرير لمفوضية حقوق الإنسان، كان نحو 52% من مباني مخيم جنين قد دُمّر أو تضرر بحلول تشرين الأول/أكتوبر 2025، وهي أعلى نسبة بين مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم التي تناولها التقرير.

وطالت أعمال الهدم والتجريف المنازل والطرق وشبكات المياه والكهرباء والبنية التحتية، فيما قالت الأمم المتحدة إن القوات الإسرائيلية نفذت عمليات إخلاء من منزل إلى آخر، إلى جانب تقييد وصول السكان والمساعدات الإنسانية إلى المخيم.

وتروي إحدى الأمهات المهجرات من مخيم جنين كيف شاهدت صور منزلها بعد هدمه، قائلة:

«لم أصدق أن ذلك منزلي في الصور.. هدموا المنزل، وتحولت سيارتنا إلى كتلة من الحديد.»

وكانت المرأة، وهي أم لستة أطفال، قد غادرت المخيم قبل أن تصل إليها صور تظهر حجم الدمار الذي لحق بمنزل العائلة وممتلكاتها.

النزوح يتحول إلى أزمة معيشية

ومع امتداد التهجير إلى عامه الثاني، لم تعد المشكلة مرتبطة فقط بفقدان المنازل، بل انعكست على دخل العائلات وتعليم أبنائها واستقرارها الاجتماعي.

وتشير تقارير إنسانية إلى أن كثيرًا من النازحين فقدوا مصادر دخلهم بعد خروجهم من المخيم، وأصبحوا يعتمدون على المساعدات أو دعم الإيجارات لتأمين مساكن مؤقتة، فيما يواجه آخرون صعوبة في دفع الإيجار وتغطية الاحتياجات الأساسية.

كما بقيت أربع مدارس تابعة للأونروا داخل مخيم جنين غير متاحة، ما أدى إلى نقل نحو 1,600 طالب إلى أماكن تعليم بديلة خارج المخيم، وفق بيانات أممية صدرت خلال العام الجاري.

ويختصر أحد أهالي المخيم مطلب العائلات النازحة بالقول:

«نريد أن نعود إلى بيوتنا وحاراتنا.. لا نريد أن تصبح حياة النزوح هي حياتنا الدائمة.»

وهذه العبارة تلخص مضمون شهادات متكررة لنازحين أكدوا أن العودة إلى المخيم، حتى مع حجم الدمار، تبقى مطلبهم الأساسي. وتحدث أهالٍ، في شهادات منشورة، عن فقدان المنازل ومصادر الدخل وتعطل دراسة الأطفال، مع تمسكهم بالعودة وإعادة إعمار المخيم.

مخاوف من تهجير طويل الأمد

وفي تقرير صدر في 4 أيلول/سبتمبر 2026، قالت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إن الإبعاد الواسع والممتد لسكان المخيمات الثلاثة يثير مخاوف جدية تتعلق بـالنقل القسري، مشيرة إلى أن منع عشرات الآلاف من السكان من العودة لا يزال مستمرًا.

وفي المقابل، يقول جيش الاحتلال إن عملياته في شمال الضفة تستهدف ما يصفه بالبنية التحتية للمجموعات المسلحة، وإن عمليات الهدم والتجريف تأتي ضمن أهداف عملية «الجدار الحديدي».

لكن بالنسبة إلى أهالي مخيم جنين، فإن مرور 600 يوم لا يُقاس فقط بعدد أيام الحرب على المخيم، بل بعدد الأيام التي قضتها العائلات بعيدًا عن بيوتها، وبعدد المنازل التي اختفت، والمدارس التي أغلقت، ومصادر الرزق التي فقدت.

وبينما يبقى المخيم بعيدًا عن الحياة التي عرفها سكانه قبل كانون الثاني/يناير 2025، تتكرر بين النازحين عبارة واحدة: العودة أولًا.

ومع دخول التهجير يومه الـ600، يبقى السؤال مفتوحًا أمام آلاف العائلات: متى يعود أهالي مخيم جنين إلى مخيمهم، وماذا سيجدون حين يسمح لهم بالعودة؟

Share This Article