المسار : تتزايد المؤشرات داخل المشهد السياسي الإسرائيلي على أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يدرس، منذ الآن، سيناريوهات تشكيل الحكومة التي ستعقب الانتخابات المقبلة، في ظل حالة عدم اليقين التي تظهرها استطلاعات الرأي بشأن قدرة معسكره على تحقيق أغلبية الـ61 مقعدًا المطلوبة لتشكيل حكومة.
وفي هذا السياق، كشفت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية، في تقرير نشرته في 13 أيلول/سبتمبر 2026، عن تقديرات داخل محيط وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، تشير إلى أن نتنياهو قد يتجه بعد الانتخابات إلى محاولة تشكيل «حكومة وطنية واسعة»، حتى لو أدى ذلك إلى إبقاء حزب «القوة اليهودية» الذي يتزعمه بن غفير خارج الائتلاف الحكومي.
وبحسب الصحيفة، فإن هذه التقديرات لا تستند إلى إعلان رسمي من نتنياهو أو مكتبه، وإنما إلى قراءة يجريها مقربون من بن غفير لتحركات رئيس الحكومة الإسرائيلية وخطابه السياسي خلال الفترة الأخيرة، وخاصة تكراره الحديث عن ضرورة تشكيل حكومة واسعة بعد الانتخابات.
مخاوف داخل معسكر بن غفير
وترى مصادر مقربة من بن غفير أن نتنياهو لم يعد يركز بالشكل ذاته على شعار «حكومة يمين كاملة»، الذي شكل عنوانًا مركزيًا للائتلاف الحالي، بل بات يستخدم بصورة متزايدة تعبير «حكومة وطنية واسعة».
ويثير هذا التحول في الخطاب مخاوف داخل حزب «القوة اليهودية» من أن يكون نتنياهو بصدد تهيئة الأرضية السياسية لتشكيل ائتلاف جديد يضم أحزابًا أو شخصيات من خارج معسكره التقليدي.
وبحسب «جيروزاليم بوست»، فإن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر لدى بن غفير يتمثل في توجه نتنياهو إلى شراكة سياسية مع رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق غادي آيزنكوت، الذي يمثل أحد أبرز المنافسين في المعسكر المناهض لنتنياهو.
وتعتقد أوساط بن غفير أن نجاح نتنياهو في ضم آيزنكوت أو حزب وسطي آخر إلى حكومته قد يسمح له بتشكيل ائتلاف أكثر اتساعًا، ويقلص في المقابل حاجة نتنياهو السياسية إلى حزب «القوة اليهودية».
سيناريو آيزنكوت يعود إلى الواجهة
ولم يظهر الحديث عن آيزنكوت للمرة الأولى في التقرير الأخير.
ففي أواخر آب/أغسطس 2026، أفادت «جيروزاليم بوست» بأن مسؤولين داخل حزب الليكود ومقربين من نتنياهو يناقشون سيناريوهات مختلفة للتعامل مع نتائج الانتخابات، وخاصة في حال فشل كل من معسكر نتنياهو والمعسكر المنافس في الوصول إلى 61 مقعدًا.
ومن بين السيناريوهات التي جرى تداولها، بحسب الصحيفة، تشكيل حكومة واسعة تضم نتنياهو وآيزنكوت، مع إمكانية التوصل إلى ترتيبات سياسية تشمل تناوبًا على رئاسة الحكومة.
ووفق الطرح الذي جرى تداوله، يمكن لنتنياهو أن يبدأ ولايته رئيسًا للحكومة، قبل أن تنتقل رئاستها في مرحلة لاحقة إلى آيزنكوت.
لكن الصحيفة شددت في تقاريرها السابقة على أن هذه الأفكار لا تزال في إطار السيناريوهات السياسية، ولم تتحول حتى الآن إلى اتفاق رسمي أو تفاهم معلن بين الطرفين.
الرقم 61 يحكم الحسابات
وتكمن خلفية هذه التحركات في المخاوف داخل الليكود من أن يعجز معسكر نتنياهو عن تحقيق الأغلبية البرلمانية اللازمة لتشكيل حكومة جديدة.
وتظهر استطلاعات الرأي الإسرائيلية تفاوتًا واضحًا في توزيع المقاعد، لكنها تتفق في معظمها على صعوبة ضمان حصول أي من المعسكرين على أغلبية مريحة.
وفي أحد استطلاعات الرأي التي نشرتها الصحافة الإسرائيلية خلال أيلول/سبتمبر، حصل معسكر نتنياهو على أقل من 50 مقعدًا، في حين اقتربت قوى المعارضة من الأغلبية، بينما أظهرت استطلاعات أخرى تقاربًا أكبر بين المعسكرين دون أن يتمكن أي منهما من ضمان حاجز الـ61 مقعدًا.
وهذا الوضع يجعل نتنياهو مضطرًا، وفق تقديرات مراقبين، إلى إبقاء خياراته مفتوحة تجاه الأحزاب والشخصيات الموجودة خارج معسكره الحالي.
لماذا قد يفضل نتنياهو حكومة واسعة؟
ترى المصادر المقربة من بن غفير أن نتنياهو قد يرى في الحكومة الواسعة فرصة لإعادة تقديم نفسه داخليًا وخارجيًا باعتباره يقود حكومة أكثر «اعتدالًا» وأقل ارتباطًا بأحزاب اليمين المتطرف.
كما أن تشكيل حكومة تضم شخصيات مثل آيزنكوت قد يمنح نتنياهو هامشًا سياسيًا أكبر في ملفات الأمن والعلاقات الدولية، ويقلل من الضغوط التي تفرضها عليه الأحزاب اليمينية داخل الائتلاف الحالي.
ويعتقد معسكر بن غفير أن نتنياهو قد يسعى، خلال ولايته المقبلة، إذا تمكن من تشكيل الحكومة، إلى التركيز بصورة أكبر على إرثه السياسي، وهو ما قد يدفعه إلى البحث عن تركيبة ائتلافية أوسع.
لكن استبعاد بن غفير ليس محسومًا
ورغم هذه التقديرات، فإن الحديث عن قرار نهائي باستبعاد بن غفير يبقى سابقًا لأوانه.
فإذا تمكن معسكر نتنياهو من تحقيق أغلبية 61 مقعدًا أو أكثر دون الحاجة إلى أحزاب المعارضة، فقد يصبح الاحتفاظ ببن غفير وبتسلئيل سموتريتش خيارًا سياسيًا أسهل بالنسبة إليه.
ويتمتع بن غفير بقاعدة انتخابية يمينية واضحة، كما أن الفجوات السياسية بينه وبين نتنياهو، رغم الخلافات، تبقى أقل من الخلافات التي قد تظهر داخل حكومة تجمع نتنياهو بشخصيات مثل آيزنكوت.
ولهذا فإن القرار النهائي سيظل مرتبطًا بصورة أساسية بنتائج الانتخابات وتوزيع المقاعد داخل الكنيست.
ماذا قال نتنياهو نفسه؟
وكان نتنياهو قد تحدث في وقت سابق من العام عن رغبته في تشكيل «حكومة وطنية واسعة» بعد الانتخابات.
لكنه رفض في الوقت ذاته التأكيد أن توسيع الحكومة المقبلة سيأتي على حساب شركائه الحاليين، وعلى رأسهم بن غفير وسموتريتش.
وقال نتنياهو في تصريحات سابقة إن هدفه يتمثل في «توسيع المعسكر الوطني»، وفتح الباب أمام قوى سياسية أخرى إذا وافقت على المبادئ الأساسية التي يضعها لمعسكره.
ومن بين هذه المبادئ رفض إقامة دولة فلسطينية، والاستمرار في سياسة أمنية هجومية، إلى جانب مواصلة التغييرات المتعلقة بالنظام القضائي.
ومن هنا، فإن تصريحات نتنياهو العلنية تختلف جزئيًا عن المخاوف التي يعبر عنها المقربون من بن غفير.
الإصلاحات القضائية قد تكون جزءًا من الصفقة
ومن أبرز الملفات التي قد تتأثر في حال تشكيل حكومة واسعة، مشروع التغييرات القضائية الذي أثار انقسامًا واسعًا داخل دولة الاحتلال خلال السنوات الماضية.
ويعتقد محيط بن غفير أن دخول حزب وسطي أو شخصية مثل آيزنكوت إلى الحكومة قد يفرض على نتنياهو تقديم تنازلات في هذا الملف، سواء بتجميد أجزاء منه أو التراجع عن بعض بنوده.
ويشكل هذا الأمر أحد أسباب القلق لدى أحزاب اليمين، التي ترى في مواصلة التغييرات القضائية جزءًا أساسيًا من برنامجها السياسي.
انتخابات قد تعيد تشكيل اليمين الإسرائيلي
تكشف هذه التطورات أن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة لن تحدد فقط هوية رئيس الحكومة، بل قد تعيد أيضًا رسم العلاقات داخل معسكر اليمين نفسه.
فإذا نجح نتنياهو في تحقيق أغلبية واضحة، فمن المرجح أن يستمر التحالف بين الليكود وأحزاب اليمين والحريديم.
أما إذا فشل في تحقيق أغلبية 61 مقعدًا، فقد يبدأ سباق سياسي واسع لاستقطاب أحزاب أو شخصيات من المعارضة، وفي مقدمتها آيزنكوت.
وفي هذا السيناريو، يمكن أن يجد بن غفير نفسه أمام احتمال الخروج من الحكومة رغم بقائه جزءًا من المعسكر اليميني.
لكن حتى الآن، يبقى هذا السيناريو في إطار التقديرات السياسية وليس قرارًا محسومًا.
وعليه، فإن الصياغة الأدق للمشهد الحالي ليست أن نتنياهو «قرر التخلي عن بن غفير»، بل أن نتائج الانتخابات قد تدفعه إلى الاختيار بين حكومة يمينية ضيقة تعتمد على بن غفير، وحكومة وطنية أوسع تعتمد على شراكة مع قوى من خارج ائتلافه الحالي.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، ستبقى معادلة الـ61 مقعدًا العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد شكل الحكومة المقبلة، وهوية الحلفاء الذين سيختارهم نتنياهو إذا كُلّف بتشكيلها.

