المسار: لم يتحول مفهوم “الاستعمار الداخلي” إلى جزء راسخ من الخطاب السياسي للأحزاب العربية أو من الخطاب الأكاديمي السائد داخل المنطقة التي احتُلت عام 1948، رغم أنه يقدّم مفتاحا مهما لفهم طبيعة النظام/ الكيان الذي نشأ على أنقاض فلسطين، وحقيقة السياسات التي اعتمدت ضد هذا الجزء من شعبنا، الذي يعيش تحت المواطنة الاسرائيلية. بل إن اتفاق أوسلو، بما كرّسه من فصل سياسي وجغرافي بين الفلسطينيين، أسهم عمليا في منح شرعية فلسطينية لمسار أبقى المنطقة المحتلة عام 1948 خارج إطار القضية الفلسطينية، وكأن ما جرى فيها عام 1948 أصبح شأنا إسرائيليا داخليا، فيما حُصرت “القضية الفلسطينية” في الأراضي المحتلة عام 1967.
وهذا الفصل خدم، موضوعيا، المشروع الصهيوني الذي سعى منذ البداية إلى التعامل مع فلسطين كوحدات منفصلة، وإلى تحويل الفلسطينيين الذين بقوا في وطنهم بعد النكبة من شعب أصلي جرى اقتلاع غالبيته، إلى “أقلية فلسطينية” داخل دولة يهودية كولونيالية.
هنا تكتسب فكرة الاستعمار الداخلي أهميتها، والمقصود بها أن السيطرة الاستعمارية لا تنتهي بالسيطرة على الأرض وإقامة الدولة الكولونيالية، بل يمكن أن تستمر داخل الدولة نفسها من خلال السيطرة على الأرض والموارد والسكان، وإعادة توزيع المجال الجغرافي والاقتصادي لمصلحة المجموعة الاستيطانية المهيمنة. وفي حالة الفلسطينيين الذين بقوا في وطنهم بعد عام 1948، لم تكن المواطنة تعني إنهاء العلاقة الاستعمارية، بل تحولت إلى إحدى أدوات إدارتها: مواطنون قانونيا، لكنهم واقعون تحت نظام للسيطرة على الأرض والموارد والحيز السياسي والديمغرافي.
تعود فكرة الاستعمار الداخلي إلى الأكاديمي الراحل، الكندي الفلسطيني إيليا زريق، الذي طوّر بصورة مباشرة إطار “الاستعمار الداخلي” في كتابه الصادر عام 1979 بعنوان “الفلسطينيون في إسرائيل: دراسة في الاستعمار الداخلي”، مركزا على تحوّل الفلسطينيين من أغلبية إلى أقلية، وعلى مصادرة الأرض، والتحولات الطبقية والاقتصادية، وأنماط السيطرة التي حكمت علاقة الدولة الإسرائيلية بالفلسطينيين داخلها.
وتكمن أهمية هذا المفهوم في أنه يرفض اختزال ما تعرض له فلسطينيو الداخل في مجرد “تمييز” أو “عدم مساواة” بين مواطنين. فالمسألة، وفق هذا المنظور، تتعلق بعلاقة قوة استعمارية متكاملة: السيطرة على الأرض، وتفكيك المجال الجغرافي الفلسطيني، ومصادرة الموارد، وإعادة تشكيل السكان، وإخضاع المجتمع الفلسطيني لنظام قانوني وسياسي واقتصادي يضمن تفوق المشروع الصهيوني، وبذلك تصبح المواطنة نفسها جزءا من آلية إدارة السكان الأصليين، لا نقيضا للاستعمار.
وهذه الفكرة تكتسب أهمية إضافية اليوم، في ضوء المخططات الإسرائيلية الجديدة التي تستهدف استيطان الجليل والمثلث والنقب والمدن الساحلية، وتوسيع السيطرة على محيط البلدات والمدن الفلسطينية. فالحديث هنا ليس عن “تطوير الجليل” أو النقب، بالمعنى الذي دأبت المؤسسة الإسرائيلية على تسويقه على مدار عقود بعد إقامة إسرائيل، وإنما عن استمرار سياسة استعمارية قديمة، يجري تجديد أدواتها وفق حاجات المشروع الكولونيالي المتغيرة دوما. فالهدف هو توسيع الحضور الاستيطاني اليهودي في محيط التجمعات الفلسطينية، وإعادة تشكيل الحيز الجغرافي والديمغرافي، والضغط على ما تبقى من المجال الفلسطيني الذي نجا من الهدم والتهجير والتطهير العرقي خلال النكبة وبعدها.
وهذه السياسة لم تبدأ عام 1967، ولا هي نتاج للحكومات الإسرائيلية اليمينية الأخيرة فقط، بل إن جذورها تعود إلى السنوات الأولى لقيام إسرائيل. فمنذ النكبة، جرى التعامل مع الفلسطينيين الذين بقوا في وطنهم بوصفهم سكانا أصليين ينبغي إخضاعهم للسيطرة وإعادة تنظيم وجودهم، في حين صودرت أراضيهم، وفُرض الحكم العسكري عليهم حتى عام 1966، وحُرم مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين من العودة إلى قراهم ومدنهم وأراضيهم، لكنّ حلم تهجيرهم لم يغادر مخيلة حكام إسرائيل، انتظارا لفرصة مواتية.
لقد جرى كل ذلك من خلال القانون والإدارة والمؤسسات الرسمية، وليس فقط من خلال العنف المباشر، وهذا جانب أساسي في فهم طبيعة الاستعمار الإسرائيلي: فالاستعمار لم يكن حالة طوارئ مؤقتة، بل جرى تحويله إلى منظومة قانونية ومؤسساتية تُنتج السيطرة وتعيد إنتاجها بصورة تبدو، في ظاهرها، “شرعية” داخل النظام الإسرائيلي.
ومن هنا أيضا يجب فهم قضية اللاجئين الفلسطينيين الذين طُردوا عام 1948، فقد أصبح من تبقى داخل إسرائيل مواطنين، فيما بقي أقرباؤهم الذين طُردوا خارج حدود الدولة ممنوعين من العودة، رغم القرار 194 وغيره من المرجعيات الدولية المتعلقة بحقوق اللاجئين. وفي الوقت نفسه، جرى التعامل مع ممتلكات اللاجئين باعتبارها أملاكا قابلة للمصادرة وإعادة التوزيع، وهكذا اكتملت معادلة استعمارية تقوم على طرد جزء من الشعب، والسيطرة على ممتلكاته، وإخضاع الجزء الذي بقي لنظام سياسي مختلف، مع الاستمرار في منع الجزء المطرود من العودة.
ولم يكن المجتمع الدولي، خاصة الغربي المهيمن، حياديا في هذه العملية الاستعمارية، فقد جرى التعامل مع إسرائيل بصورة واسعة باعتبارها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، وخلال ذلك جرى تجاهل البنية الاستعمارية التي حكمت علاقة الدولة بالسكان الفلسطينيين، في الوقت الذي كانوا يرزحون فيه تحت حكم عسكري لمدة عقدين من الزمن. ومع احتلال عام 1967، ازداد الفصل بين المسارين، فصار الاحتلال والاستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزة موضوعا دوليا قائما بذاته، فيما جرى تثبيت صورة إسرائيل كدولة طبيعية وديمقراطية في حدودها المعترف بها، والتي تشمل نصف مساحة الدولة الفلسطينية بموجب قرار التقسيم، وكأن المشكلة الفلسطينية بدأت عام 1967.
ولكنّ الاحتلال الذي بدأ عام 1967 سرعان ما كشف طبيعته، فما سُمّي احتلالا “مؤقتا” تحوّل منذ الحكومات الإسرائيلية الأولى، بما فيها حكومات حزب العمل، إلى مشروع استيطاني متدرج. ومع مرور الوقت، انتقل المشروع من السيطرة إلى الضم الزاحف، ومن إدارة الأراضي المحتلة إلى السعي لفرض السيادة الإسرائيلية عليها، وصولا في السنوات الأخيرة إلى خطاب أكثر صراحة يعتبر فلسطين كلها مجالا حصريا للسيادة اليهودية.
وللمفارقة، جاء اتفاق أوسلو ليكرّس، سياسيا، أخطر أشكال الفصل. فقد جرى التعامل مع الضفة الغربية وقطاع غزة باعتبارهما جوهر القضية الفلسطينية، فيما بقي فلسطينيو الداخل خارج المشروع الوطني الفلسطيني، وتحولت قضيتهم إلى قضية “مواطنين عرب” داخل دولة إسرائيل. وهكذا، بدلا من أن يعيد المشروع الوطني توحيد الشعب الفلسطيني الذي مزقته النكبة، ساهم أوسلو في تثبيت التجزئة السياسية التي أنتجتها إسرائيل.
وهذه هي إحدى النتائج السياسية الأخطر لأوسلو، الذي يصادف هذه الأيام تاريخ توقيعه: أنه فصل بين الاستعمار في الداخل والاستعمار في الأراضي المحتلة عام 1967، بدلا من رؤيتهما كجزءين من مشروع تاريخي واحد، ينتقل حاليا إلى أكثر نسخه همجية.
فالمشكلة ليست فقط أن إسرائيل احتلت الضفة وغزة عام 1967، بل أن المشروع الاستيطاني الذي بدأ داخل المنطقة عام 1948، ويتوسع بصورة عنيفة اليوم في الضفة، هو امتداد لمنطق بدأ عام 1948، بل يعود مرة أخرى إلى الداخل، متخليا عن أساليب المراوغة لصالح العدوانية السافرة.
إن الاستيطان الذي يقترب اليوم من البلدات العربية في الجليل والمثلث ليس ظاهرة جديدة، بل استمرار لمنطق السيطرة على الأرض وإعادة تشكيل المجال الفلسطيني الذي بدأ منذ النكبة.
ومن هنا يجب أن نفهم ما يجري اليوم في محيط بلدات طرعان ومجد الكروم، وفي المدن الساحلية الفلسطينية التي جرى تحويلها إلى ما يسمى “مدنا مختلطة”. فالمسألة ليست مجرد إنشاء أحياء أو بلدات يهودية جديدة، ولا مجرد سياسات إسكان عادية، بل يجب وضعها في سياق تاريخي أطول: توسيع الحضور الاستيطاني، والسيطرة على الأرض، وتفكيك التواصل الجغرافي والاجتماعي للمجتمع الفلسطيني، وإعادة تشكيل المكان بما ينسجم مع المشروع الصهيوني، وحسم الصراع كليا لصالح المشروع.
تحولات الخطاب تنتظر إطارا تحرريا مطابقا
لقد مر الخطاب السياسي لفلسطينيي الداخل بتحولات مهمة. ففي مراحل سابقة، ظل مفهوم الاستعمار الاستيطاني محصورا بدرجة كبيرة في خطاب حركة أبناء البلد، وفي أوساط سياسية وفكرية محدودة، فيما ركزت أحزاب أخرى على المساواة المدنية والمواطنة، أو على الحقوق القومية ضمن الدولة الإسرائيلية. لكن بعد أوسلو وتأسيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي، شهدت الساحة الفكرية في السنوات الأخيرة تطورا مهما؛ مع دخول مفاهيم مثل الأبارتهايد والاستعمار الاستيطاني والاستعمار الداخلي إلى خطاب أوسع لدى أحزاب وأكاديميين وناشطين فلسطينيين.
غير أن هذا التحول يجب ألا يبقى على مستوى المفاهيم، فالتمدد المتوحش للمشروع الاستيطاني يفرض على القوى السياسية والأطر المهنية والشعبية داخل الخط الأخضر الانتقال من وصف الواقع إلى بناء مقاومة سياسية واجتماعية له، والأهم بناء الإطار التحرري الذي يجمع كل الشعب الفلسطيني.
إذا، مطلوب إعادة تعريف ما يجري على الأرض وفي العقل الصهيوني، فنحن لا نواجه فقط “تمييزا” أو “إهمالا” أو “فجوات في الميزانيات”، بل نحن أمام منظومة متكاملة من الاستعمار الاستيطاني، والاستعمار الداخلي، والسيطرة على الأرض، والتطهير الديمغرافي، والتمييز البنيوي، والجريمة المنظمة، والحصار الاقتصادي والاجتماعي. وكل هذه الأدوات تعمل، بدرجات مختلفة، على إضعاف المجتمع الفلسطيني وتفكيك قدرته على الدفاع عن أرضه ووجوده ومستقبله، تمهيدا لتهجيره.
وهذا يفرض إعادة بناء المجتمع الفلسطيني في الداخل، لا بوصفه مجموعة من المواطنين المنفصلين عن القضية الفلسطينية، وإنما بوصفهم جزءا أصيلا من الشعب الفلسطيني، له خصوصيته السياسية والاجتماعية، لكنه لا يمكن فصله عن المسار التاريخي العام للصراع على فلسطين.
ومن هنا تأتي الحاجة إلى إعادة بناء اللجان الشعبية والأطر المحلية والوطنية، وربط النضال ضد مصادرة الأرض والاستيطان بالجريمة المنظمة، وبأزمة السكن، وبالفقر والبطالة، وبالعنف الذي تتحمل الدولة مسؤولية مباشرة وغير مباشرة عن تفاقمه، وبمبادرات مواجهة مخططات خنق العمل السياسي والتضييق على الحريات. نحن في حاجة إلى بناء خطة نضال متكاملة تربط بين الدفاع عن الأرض، وحماية المجتمع، ومواجهة الجريمة، ومقاومة التمييز، وإعادة بناء التمثيل السياسي الفلسطيني، ونقل هذه القضايا إلى المستوى الدولي.
فإذا كان المشروع الصهيوني قد نجح طوال عقود في تقديم نفسه للمجتمع الدولي باعتباره مشروعا ديمقراطيا منفصلا عن الاستعمار الذي أنتجه، فإن المهمة اليوم هي قلب هذه المعادلة، عبر كشف وحدة المشروع الاستعماري الممتد من النهر إلى البحر، ووحدة منظومة السيطرة التي حكمت الفلسطينيين، رغم اختلاف أشكالها بين 1948 و1967.
وهذا لا يعني تجاهل الفروق بين التجربتين، بل يعني فهمهما ضمن سياق تاريخي وسياسي واحد. فالفصل بينهما هو الذي سمح لإسرائيل بأن تقدم نفسها في الداخل كدولة ديمقراطية، وفي الأراضي المحتلة كقوة احتلال “مؤقتة”، في حين كانت على أرض الواقع توسّع المشروع الاستيطاني في الاتجاهين.
لقد كشفت جريمة الإبادة في غزة، وما رافقها من إبادة وتهجير وتوسع استيطاني وتصاعد للعنف في الضفة، حدود هذه الرواية الإسرائيلية بصورة غير مسبوقة. ولذلك فإن اللحظة الراهنة تتيح لفلسطينيي الداخل فرصة لإعادة طرح قضيتهم على المستوى الدولي، لا باعتبارها قضية “أقلية عربية” تطالب بتحسين شروط مواطنتها، بل باعتبارها قضية شعب أصلي يعاني، في الجزء الذي بقي منه داخل حدود “إسرائيل”، أشكالا مستمرة من الاستعمار الاستيطاني والاستعمار الداخلي.
إن المعركة على النقب والجليل والمثلث ليست معركة على قطعة أرض فحسب؛ إنها معركة على مستقبل الوجود الفلسطيني في وطنه، وعلى قدرة هذا المجتمع على البقاء منظما وقادرا على الدفاع عن نفسه. ولذلك فإن مواجهة الاستيطان الجديد لا يمكن أن تكون دفاعا محليا محدودا، بل ينبغي أن تتحول إلى جزء من معركة سياسية أوسع ضد الاستعمار الاستيطاني، ومن أجل تفكيك منظومة السيطرة التي أنتجتها النكبة واستمرت بأشكال مختلفة بعد عام 1948 وحتى اليوم.
نقلا عن عرب 48