المسار : يصعب النظر إلى العلاقة التي جمعت الأمير فيصل بن الحسين، الذي سيصبح لاحقاً ملك العراق، بحاييم وايزمان رئيس المنظمة الصهيونية العالمية وأول رئيس لدولة إسرائيل لاحقاً، خارج اللحظة المضطربة التي نشأت فيها. فقد كانت الحرب العالمية الأولى تلفظ أنفاسها، والدولة العثمانية تتفكك، فيما كانت بريطانيا وفرنسا تعيدان رسم خريطة الشرق الأوسط وفق مصالحهما، وكان العرب الذين قاتلوا العثمانيين إلى جانب الحلفاء ينتظرون أن تتحول الوعود البريطانية بالاستقلال إلى واقع سياسي، لكن خلف تلك الوعود كانت اتفاقية (سايكس ـ بيكو) قد قسمت مناطق النفوذ بين لندن وباريس، فيما أضاف وعد بلفور عام 1917 عنصراً جديداً إلى المشهد بإعلان تأييد بريطانيا إقامة «وطن قومي للشعب اليهودي» في فلسطين.
في تلك البيئة ظهر فيصل لاعباً عربياً صاعداً، لكنه كان لاعباً يفتقر إلى دولة راسخة وإلى جهاز دبلوماسي محترف، ويواجه في المقابل إمبراطوريتين منتصرتين في الحرب، وحركة صهيونية أخذت تبني شبكة واسعة من العلاقات داخل بريطانيا وأوروبا والولايات المتحدة. لم تكن قضية فلسطين، بالنسبة لفيصل آنذاك، منفصلة عن السؤال الأكبر المتعلق بمصير سوريا والوحدة العربية ومستقبل المشروع الهاشمي كله. وفي هذه النقطة تحديداً تبدأ العلاقة الملتبسة مع وايزمان.
كان البريطانيون حريصين على تقريب الطرفين. فالحكومة البريطانية شجعت اتصال وايزمان بفيصل، ورأت في التفاهم العربي – اليهودي وسيلة لتخفيف الاعتراض المتوقع على تطبيق وعد بلفور، وفي الوقت نفسه لتثبيت النفوذ البريطاني في فلسطين. وكان لورنس العرب، الذي وثق به فيصل بعد سنوات القتال ضد العثمانيين، أحد أهم الوسطاء في هذه الاتصالات. وقد تكررت أمام فيصل الفكرة التي تقول، إن المشروع الصهيوني لا يعني إقامة دولة يهودية، وإن الهجرة اليهودية لن تهدد العرب، بل ستجلب المال والخبرة والتقنيات الحديثة إلى فلسطين والمنطقة، وإن النفوذ السياسي الذي تتمتع به الحركة الصهيونية في لندن وواشنطن يمكن أن يساعد العرب في مؤتمر السلام.
قد يكون السؤال الأهم بعد أكثر من قرن ليس ما إذا كان فيصل قد وقع الاتفاقية، فذلك ثابت، بل ماذا كان يعتقد أنه يوقع عليه، وما مقدار ما فهمه من المشروع الذي كان يقف أمامه في لحظة كانت القوى الكبرى تكتب فيها مستقبل المنطقة
بدأت اللقاءات بين فيصل ووايزمان في العقبة، في معسكر الأمير فيصل خلال الشهور الأخيرة من الحرب، ثم انتقلت إلى لندن بعد وصول فيصل إلى أوروبا. وفي 11 ديسمبر 1918 التقيا في فندق كارلتون، وكان لورنس حاضراً بصفته مترجماً، إذ لم يكن وايزمان يعرف العربية، فيما لم يكن فيصل يجيد الإنكليزية بما يكفي لإدارة حوار سياسي دقيق. وتكشف الروايات اللاحقة عن اختلاف مهم في فهم ما دار بين الرجلين. ففي رواية وايزمان بدا فيصل متقبلاً لفكرة التعاون ومستعداً للاستفادة من المال والخبرة والنفوذ اليهودي. أما فيصل، ففي رسالة كتبها إلى والده في اليوم التالي، قدم اللقاء بصورة مختلفة، مؤكداً أن وايزمان طمأنه إلى أن اليهود لا ينوون حكم فلسطين، ولا تأسيس حكومة خاصة بهم، وإنما يريدون حق الهجرة والاستثمار والمشاركة المدنية. هذا الاختلاف ليس تفصيلاً صغيراً، فهو يكشف أن الطرفين ربما كانا يستخدمان الكلمات نفسها، لكنهما لا يقصدان الشيء نفسه. وايزمان كان ينظر إلى فلسطين من داخل مشروع قومي صهيوني متماسك ومتدرج، أما فيصل فكان ينظر إليها من داخل مشروع عربي أوسع، ويبدو أنه تصور أن من الممكن استيعاب هجرة يهودية محدودة ونشاط اقتصادي يهودي داخل كيان عربي مستقل، من دون أن يتحول ذلك إلى سيادة سياسية منفصلة.
بلغت العلاقة ذروتها في 3 يناير 1919 عندما سافر فيصل لحضور مؤتمر فرساي ممثلا لوالده ملك الحجاز، حين اجتمع فيصل ووايزمان مرة أخرى في لندن، بحضور شخصيات صهيونية بارزة، وكان لورنس مجدداً المترجم الوحيد. قُدمت إلى فيصل اتفاقية مكتوبة بالإنكليزية تناولت التعاون بين العرب واليهود، وتطبيق وعد بلفور، وتشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين والاستيطان فيها، مع الحديث في الوقت نفسه عن حماية حقوق الفلاحين والمستأجرين العرب.
هنا تقع العقدة الأساسية في القصة، فيصل وقع الاتفاقية، وهذه حقيقة تاريخية لا يمكن القفز فوقها، لكن توقيعه لم يكن بلا شرط، فقد أضاف بخطه باللغة العربية تحفظاً يربط موافقته بحصول العرب على الاستقلال، وفق المطالب التي سبق أن قدمها للحكومة البريطانية، ونص على أنه إذا جرى تعديل تلك المطالب فإنه لن يكون ملتزماً بالاتفاقية، وكان فيصل يعتبر فلسطين جزءاً من الإطار العربي الذي طالب باستقلاله. من هنا نشأت قراءتان متعارضتان للاتفاق.. الأولى ترى فيصل سياسياً براغماتياً حاول استخدام الحركة الصهيونية لموازنة الضغط الفرنسي على سوريا وكسب النفوذ البريطاني والأمريكي لمصلحة مشروعه العربي. فالفرنسيون كانوا يطالبون بسوريا ولبنان ويستندون إلى تفاهمات سابقة مع بريطانيا، فيما كان فيصل يحاول بكل الوسائل منع تقسيم البلاد العربية بوصفها غنائم حرب. ويبدو أن الاعتقاد بقوة النفوذ الصهيوني في بريطانيا والولايات المتحدة جعله يرى في وايزمان حليفاً تكتيكياً يمكن أن يعزز موقعه أمام الفرنسيين.
لكن القراءة الثانية ترى في ما حدث مثالاً على الاختلال الكبير في القوة والخبرة بين الأطراف. فقد كان فيصل يعتمد اعتماداً واسعاً على البريطانيين، خلال وجوده في أوروبا، بينما لم يكن فريقه الاستشاري قادراً على مجاراة الأجهزة السياسية البريطانية، أو الوفد الصهيوني المنظم. ويذهب علي عبد الأمير علاوي في كتابه «فيصل الأول.. ملك العراق» إلى أن هذا الاختلال جعل فيصل عرضة لتوجيه سياسي مستمر، بل إنه يثير احتمال أن تكون ترجمة لورنس للتحفظ الذي أضافه فيصل على الاتفاقية قد شوّهت معناه الحقيقي. غير أن أنيس صايغ يرفض بشدة تحويل هذه الظروف إلى تبرئة لفيصل. ففي كتابه «الهاشميون وقضية فلسطين»، يطرح أسئلة أكثر قسوة: بأي صفة كان فيصل يفاوض على فلسطين؟ ومن منحه حق التنازل أو القبول باسم أهلها؟ ويؤكد أن الفلسطينيين لم يفوضوه بذلك، وأن الملك الحسين بن علي نفسه لم يقر الاتفاق. كما أن عدداً من مستشاري فيصل العرب لم يكونوا على علم بما جرى وقت التوقيع.
وتصبح لهجة صايغ أشد حين يناقش الدفاع الذي قدمه عوني عبد الهادي، أحد رجال فيصل في مؤتمر الصلح في باريس، والذي ذهب إلى أن الأمير لم يكن يعرف الإنكليزية، وأن لورنس ترجم له الاتفاقية ترجمة غير دقيقة ولم يعرضها على مستشاريه العرب، الذين كانوا يعرفون اللغة. بالنسبة إلى صايغ، لا يؤدي هذا الدفاع إلى تبرئة فيصل، بل يفتح باباً آخر للمساءلة: كيف يوقع أمير يمثل قضية بهذه الخطورة وثيقة لا يفهم لغتها ولا يعرضها على مستشاريه؟ ولماذا يثق بوسيط بريطاني أكثر من المحيطين به؟ ولماذا ظلت حقيقة الاتفاقية بعيدة عن الرأي العام سنوات طويلة؟ ولذلك بدا دفاع عوني عبد الهادي، في قراءة صايغ، أقرب إلى مضاعفة المشكلة منه إلى حلها. وهنا يصعب القبول بصورة فيصل الضحية الخالصة، مثلما يصعب اختزاله في صورة الرجل الذي تخلى ببساطة عن فلسطين. فقد كان يعرف أنه يوقع اتفاقاً سياسياً مع قيادة الحركة الصهيونية، لكنه كان يتصور على الأرجح أن الاتفاق جزء من صفقة أوسع: استقلال عربي مقابل تعاون محدود مع المشروع الصهيوني. المشكلة أن القوى الكبرى لم تنفذ الجزء الذي اعتبره فيصل أساسياً في تلك الصفقة. فرنسا احتلت سوريا عام 1920، والمشروع العربي الذي راهن عليه انهار، بينما ظل وعد بلفور قائماً وانتقل إلى صك الانتداب البريطاني على فلسطين.
والأكثر إثارة أن الاتفاقية استُخدمت لاحقاً بوصفها دليلاً على وجود قبول عربي بالمشروع الصهيوني، بينما لم يكن تحفظ فيصل المرافق لها يحظى دائماً بالظهور نفسه. وحتى علاوي، الذي يمنح وزناً كبيراً لخداع البريطانيين، واختلال ميزان القوة، لا يعفي فيصل من المسؤولية، بل يرى أن توقيعه كان عملاً شديد الخطورة، وأن الوثيقة استُثمرت لاحقاً سياسياً على نحو تجاوز ما كان فيصل يظن أنه وافق عليه.
لذلك قد يكون السؤال الأهم بعد أكثر من قرن ليس ما إذا كان فيصل قد وقع الاتفاقية، فذلك ثابت، بل ماذا كان يعتقد أنه يوقع عليه، وما مقدار ما فهمه من المشروع الذي كان يقف أمامه، وما مقدار الحرية التي امتلكها بالفعل في لحظة كانت القوى الكبرى تكتب فيها مستقبل المنطقة. وفي هذه المسافة بين الحساب السياسي وسوء التقدير، بين البراغماتية والخديعة، وبين المسؤولية الفردية واختلال ميزان القوة، تكمن حكاية العلاقة الملتبسة بين فيصل الأول وحاييم وايزمان.

