المسار : قالت منظمة بتسيلم الإسرائيلية لحقوق الإنسان إن السياسات التي تنفذها دولة الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية لم تعد، وفق تقييمها، مجموعة إجراءات منفصلة، بل باتت تشكل ما وصفته بـ**«مشروع محو»** يستهدف تفكيك الشروط التي تتيح للفلسطينيين الاستمرار والعيش كشعب على أرضهم.
وجاء ذلك في تقرير موسع أصدرته المنظمة، الاثنين 14 أيلول/سبتمبر 2026، تحت عنوان «The Elimination Project – مشروع المحو»، في نحو 188 صفحة، ويتناول تطور السياسات الإسرائيلية في الضفة، ولا سيما منذ تشكيل الحكومة الحالية نهاية عام 2022، والتصعيد الذي أعقب تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وتعرّف بتسيلم «المحو» بأنه الإضرار المستمر بالمقومات التي تتيح للفلسطينيين الحفاظ على أرضهم ومؤسساتهم وروابطهم الاجتماعية والسياسية والثقافية، بالتوازي مع ترسيخ وجود إسرائيلي دائم ومتصل على الأرض.
خمس آليات متداخلة
ويركز التقرير على خمس آليات رئيسية تقول المنظمة إنها تعمل بصورة مترابطة: العنف والترهيب، وتقييد الحركة، والخنق الاقتصادي، واستهداف المؤسسات والتعليم والمجتمع المدني، والتهجير والاستيلاء على الأرض.
وفي الجانب المتعلق بالعنف، تقول بتسيلم إن استخدام القوة العسكرية واعتداءات المستوطنين والمداهمات والاعتقالات والتهديد المستمر أصبحت جزءًا من منظومة أوسع للسيطرة على الفلسطينيين.
وبحسب التقرير، قُتل 1,107 فلسطينيين في الضفة الغربية منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 بنيران إسرائيلية حتى الفترة التي يغطيها التقرير.
وتؤكد المنظمة أن اعتداءات المستوطنين لا يمكن، وفق تحليلها، التعامل معها باعتبارها أحداثًا فردية، مشيرة إلى أنها تقع في حالات عديدة بحماية أو مشاركة قوات الاحتلال، وسط مستويات مرتفعة من الإفلات من المساءلة.
أكثر من 200 حاجز وعائق جديد
وفي ملف الحركة، تقول بتسيلم إن القيود الإسرائيلية حولت أجزاء واسعة من الضفة إلى تجمعات منفصلة يصعب التنقل بينها.
وبحسب معطيات أوردها التقرير، أُضيف منذ عام 2023 أكثر من 200 حاجز وعائق ونقطة تفتيش جديدة، أثرت في الوصول إلى أماكن العمل والمدارس والجامعات والمستشفيات والأراضي الزراعية والخدمات الأساسية.
وترى المنظمة أن هذه المنظومة تعيد تشكيل الجغرافيا بحيث تصبح البلدات والقرى الفلسطينية جيوبًا معزولة وسط شبكة متصلة من المستوطنات والطرق والمنشآت الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.
«خنق اقتصادي شامل»
ويصف التقرير السياسة الاقتصادية الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين منذ 2023 بأنها «خنق اقتصادي شامل».
ويشير إلى سحب تصاريح العمل من أكثر من 140 ألف عامل فلسطيني كانوا يعملون داخل دولة الاحتلال أو المستوطنات، بالتزامن مع استمرار احتجاز واقتطاع أموال المقاصة وإضعاف قدرة المؤسسات الفلسطينية على دفع الرواتب وتقديم الخدمات.
ووفق البيانات التي استند إليها التقرير، ارتفعت البطالة من 13.1% عام 2022 إلى 31.3% عام 2024، فيما كان نحو نصف الشباب خلال عام 2025 خارج سوق العمل أو التعليم أو التدريب المهني.
كما يشير التقرير إلى تقديرات أممية أفادت بأن نحو 700 ألف فلسطيني في الضفة احتاجوا خلال 2024 إلى مساعدات لشراء الغذاء.
التعليم والمؤسسات تحت الضغط
وتقول بتسيلم إن السياسة الإسرائيلية تمتد أيضًا إلى المؤسسات الفلسطينية والجامعات والجمعيات والمراكز المدنية.
وأورد التقرير أن ما بين 8% و20% من مدارس الضفة الغربية أُغلقت خلال أجزاء من العام الدراسي 2023–2024 نتيجة الظروف العسكرية والقيود والأزمة الاقتصادية.
كما أشارت معطيات حديثة لـ«يونيسف» إلى تسجيل 224 حادثة مرتبطة بالتعليم خلال النصف الأول من 2026، أثرت في 152 مدرسة و20,450 طالبًا و859 من الكوادر التعليمية في الضفة بما فيها القدس الشرقية.
أكثر من 20 ألف حالة اعتقال
وفي ملف الاعتقال، يقول التقرير إن السلطات الإسرائيلية اعتقلت أكثر من 20 ألف فلسطيني من سكان الضفة الغربية منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، مع احتجاز أعداد منهم بموجب الاعتقال الإداري ودون لوائح اتهام لفترات طويلة.
وتربط بتسيلم ذلك بما تعتبره سياسة مستمرة لتقييد التنظيم السياسي والمدني الفلسطيني، مشيرة إلى أن سلطات الاحتلال حظرت، بحسب التقرير، أكثر من 400 منظمة فلسطينية بين عامي 1967 و2019.
66 تجمعًا هُجّر بالكامل
وفي ملف الأرض والتهجير، تقول بتسيلم إن التجمعات الفلسطينية، خصوصًا الرعوية منها، تتعرض لضغوط متصاعدة تدفع سكانها إلى الرحيل.
وبحسب أحدث معطيات المنظمة المنشورة في 2 أيلول/سبتمبر 2026، تم تهجير 66 تجمعًا فلسطينيًا بالكامل و18 تجمعًا جزئيًا منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وأضافت أن نحو 4,931 فلسطينيًا أُجبروا على ترك منازلهم في تلك التجمعات، بينهم نحو 2,343 طفلًا وفتى.
ويشير التقرير كذلك إلى استمرار تهجير عشرات الآلاف من الفلسطينيين من مخيمات شمال الضفة منذ العمليات العسكرية الواسعة التي بدأت عام 2025.
أكثر من مليون دونم تحت نفوذ البؤر والمزارع الاستيطانية
وتقول المنظمة إن البؤر والمزارع الاستيطانية باتت تفرض سيطرة فعلية على أكثر من مليون دونم من الأراضي، بما يعادل قرابة 18% من مساحة الضفة الغربية وفق المعطيات التي استند إليها التقرير.
وترى بتسيلم أن استخدام المستوطنات والمزارع وشبكات الطرق والأوامر العسكرية ونظام التخطيط والهدم وإعلانات «أراضي الدولة» ومناطق إطلاق النار والمحميات، يعمل بصورة متكاملة لتوسيع السيطرة الإسرائيلية وتقليص المساحة المتاحة للفلسطينيين.
«خطة الحسم» في قلب التقرير
ويربط التقرير بين عدد من السياسات الحالية وبين ما يعرف بـ**«خطة الحسم»** التي نشرها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش عام 2017.
وبحسب قراءة بتسيلم، تقوم الخطة على إخضاع الفلسطينيين لسيادة إسرائيلية دائمة، مع وضعهم أمام خيارات تشمل التخلي عن تطلعاتهم الوطنية أو الرحيل أو مواجهة القمع العسكري إذا قاوموا.
وترى المنظمة أن أفكارًا كانت تُطرح سابقًا في المجال الأيديولوجي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى صلاحيات حكومية وميزانيات وممارسات على الأرض.
«الضفة وغزة مشروع واحد»
وتربط بتسيلم تقريرها الجديد بتقرير سابق أصدرته حول قطاع غزة تحت عنوان «Our Genocide»، معتبرة أن ما يحدث في غزة وما تصفه بـ«مشروع المحو» في الضفة يمثلان، وفق تحليلها، مسارين مختلفين ضمن نظام واحد يستهدف قدرة الفلسطينيين على الاستمرار كشعب.
وقالت المديرة التنفيذية للمنظمة يولي نوفاك إن السياسة الحالية لم تبدأ بعد تشرين الأول/أكتوبر 2023، لكنها دخلت مرحلة أكثر شدة منذ تشكيل الحكومة الإسرائيلية الحالية.
كما قال مدير الأبحاث الميدانية في بتسيلم كريم جبران إن جمع مختلف عناصر المشهد يقود، من وجهة نظر المنظمة، إلى استنتاج أنها ليست حوادث منفصلة، بل سياسات ذات هدف مشترك.
ولم تتضمن المادة المنشورة بالتزامن مع التقرير ردًا رسميًا من دولة الاحتلال على مجمل الاتهامات التي تضمنها، فيما أشارت تقارير صحفية دولية إلى طلب تعليق من الجهات الإسرائيلية المعنية.

