آيزنكوت بين إنكار “الموحدة” وحسابات الـ61… ونتنياهو يستثمر “تهمة العرب”

المسار : استثمر رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، الأربعاء، تصريحات لرئيس مجلس طوبا الزنغرية، مؤيد الهيب، قال فيها إن غادي آيزنكوت تعهّد أمام رؤساء سلطات محلية بدوية بالعمل على ضم القائمة الموحدة إلى حكومته المقبلة، ليعزز حملته التي تصوّر اعتماد خصومه على الأحزاب العربية باعتباره خطرًا ينبغي منعه، قبل أن يتراجع الهيب لاحقًا ويقول إن آيزنكوت “لم يقل إنه سيضم الموحدة”.

وبدأت القضية إثر لقاء عقده آيزنكوت، الثلاثاء، مع ثمانية من رؤساء السلطات المحلية البدوية في الشمال، بعدما أعلن حزبه “يشار” أن المشاركين عبّروا عن دعمهم له لرئاسة الحكومة. لكن الهيب اعترض في اليوم التالي على هذا التوصيف، وقال إن رؤساء السلطات لم يعلنوا دعمهم لآيزنكوت، وإنما طالبوه بإشراك “الموحدة” في الحكومة المقبلة، وإنه تعهد بالعمل على ذلك.

وشارك في اللقاء كل من رئيس مجلس الزرازير عاطف غريفات، ورئيس مجلس بسمة طبعون منير زبيدات، ورئيس مجلس بئر المكسور حسن حجيرات، ورئيس مجلس إقليمي البطوف عاهد رحال، ورئيس مجلس الشبلي – أم الغنم حاتم شبلي، ورئيس مجلس طوبا الزنغرية مؤيد الهيب، ورئيس مجلس البعينة نجيدات سعيد سليمان، ورئيس مجلس الكعبية طباش ياسر طباش.

وكان تقديم اللقاء في البداية باعتباره إعلان دعم لآيزنكوت ذا حساسية خاصة بالنسبة إلى “الموحدة”، إذ عُدّ عدد من رؤساء السلطات المشاركين قريبين منها أو من رئيسها منصور عباس. لكن الهيب قلب الرواية صباح الأربعاء، وقال في مقابلة إذاعية إن بيان “يشار” عن الدعم “غير دقيق”، وإن رؤساء السلطات طالبوا آيزنكوت بضم “الموحدة” إلى الحكومة المقبلة.

وبحسب روايته الأولى، قال الهيب إن آيزنكوت أبلغ المشاركين بأنه لا ينوي إشراك بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير في حكومته، وإن اتصالات تجري مع “الموحدة”، وإنه سيعمل على ضمها إلى الائتلاف إذا كُلّف بتشكيل الحكومة.

ورد حزب “يشار” بنفي حازم، وقال إن هذه الرواية “كذب وافتراء. هذه الأمور لم تُقل مطلقًا، ولا حتى تلميحًا”. وأضاف أن المشاركة في حكومة برئاسة آيزنكوت ستكون مشروطة بالاعتراف بقيم “وثيقة الاستقلال”، وبإسرائيل “دولة يهودية وديمقراطية”، وبمبدأ “الخدمة (العسكرية والمدنية/ الوطنية) للجميع”، علما بأن عباس كان قد أقر هذه المبادئ كلها وعبّر عن مواقف مؤيدة لها؛ وأضاف “يشار” أن حزبًا لا يعتبر حماس “منظمة إرهابية يتوجب على إسرائيل القضاء عليها” لن يكون شريكًا في الحكومة.

ووصف آيزنكوت نفسه الرواية بأنها “كذب مطلق”، وقال إنه “لا يعد أي رئيس حزب بمكان” في حكومته، وإن حديثه يتعلق بالمبادئ لا بالأشخاص. غير أن نفيه انصب على ما نُسب إليه في اللقاء، ولم يتضمن إعلانًا صريحًا باستبعاد “الموحدة” بالاسم من أي صيغة سياسية مستقبلية.

وفي محاولة لحسم الخلاف حول ما دار في الزرازير، نشر حزب آيزنكوت مقاطع مصورة من الاجتماع ومن مأدبة أعقبته، وقال إن آيزنكوت لم يبحث خلالهما تركيبة الحكومة المقبلة، مؤكدًا أن “كل المواد المصورة” نُشرت.

واستغل آيزنكوت نشر التسجيلات للانتقال إلى هجوم مضاد على نتنياهو، وكتب: “ليس لدينا ما نخفيه. نتنياهو، خذ مثالًا، هكذا يُفعل الأمر. ماذا عن البروتوكولات الكاملة؟ نحن ننتظر”، في إشارة إلى مطالبته السابقة بنشر المحاضر الكاملة لاجتماعات إدارة الحرب بعدما استُخدمت مقتطفات منها في حملة سياسية ضده.

وفي المقابل، قال أحد المشاركين في اللقاء إنه لم يسمع تعهدًا صريحًا بضم “الموحدة”، وإن إمكانية مشاركتها لم تُستبعد أيضًا؛ ولاحقا، تراجع الهيب وقال إن “آيزنكوت لم يقل إنه سيضم الموحدة”، بعد ساعات من سجال واسع حول تصريحاته الأولى.

ولم تتضح علنًا أسباب هذا التراجع أو ما إذا جاء نتيجة ضغوط واتصالات سياسية. إلا أن التراجع يخفف عمليًا من الضغط على آيزنكوت، كما يجنّب “الموحدة” وضعها في قلب مواجهة انتخابية قد تدفع أحزاب المعسكر المناوئ لنتنياهو إلى تشديد رفضها العلني لأي شراكة معها، في وقت تسعى فيه إلى الحفاظ على موقع يمكن أن يمنحها موطئ قدم في الحكومة المقبلة.

وسارع نتنياهو، قبل تراجع الهيب، إلى استثمار الرواية الأولى في تسجيل مصور، وقال إن رئيس مجلس طوبا الزنغرية “كشف” أن آيزنكوت أبلغه بأنه “سأُدخل الموحدة إلى الائتلاف الذي سأشكله”.

وأضاف نتنياهو أنه سمع رسالة مشابهة من عباس، ونسب إليه القول بشأن آيزنكوت: “حتى لو وصل إلى 57، سنوصله إلى 61″، قبل أن يخلص إلى أن “غادي آيزنكوت لا يستطيع إقامة حكومة من دون الأحزاب العربية”.

وربط نتنياهو في خطابه بين آيزنكوت وكل من أفيغدور ليبرمان ونفتالي بينيت ويائير لبيد ويائير غولان، مدعيًا أنهم “جميعًا يبنون على حكومة تعتمد على الأحزاب العربية”، ثم حوّل القضية مباشرة إلى دعوة انتخابية للتصويت لليكود.

ولا يأتي هذا الخطاب من فراغ؛ فالليكود يدير منذ أشهر حملة تربط آيزنكوت بـ”الأحزاب العربية”، ونشر سابقًا مواد دعائية تصوره باعتباره مستعدًا للاعتماد على عباس و”الموحدة”.

وبذلك، سمحت رواية الهيب الأولى لنتنياهو بتحويل خلاف حول مضمون لقاء مغلق إلى مادة جديدة في خط انتخابي يستخدم مشاركة الأحزاب العربية أو دعمها المحتمل لحكومة منافسة كوسيلة لتحشيد ناخبيه.

لكن الجدل كشف أيضًا أن مسألة الاعتماد على الأحزاب العربية ليست مجرد مادة في حملة الليكود، خصوصا في ظل النتائج التي تظهرها استطلاعات الرأي وفشل معسكر نتنياهو والمعسكر المناوئ على تحصيل الأغلبية. فآيزنكوت لم يستبعد إقامة حكومة حتى من دون الحصول على 61 صوتًا، في سيناريو تمتنع فيه أحزاب عربية عن التصويت على منحها الثقة، دون التوجه إليها أو عقد صفقة مباشرة معها.

وأكدت تقارير هذا الأسبوع أن حزبه يستعد داخليًا لاحتمال كهذا، ويعمل على آلية لفرض انضباط كتلي إذا حاول آيزنكوت إقامة حكومة أقلية تستفيد من امتناع أحزاب عربية، بحيث يُطلب من عضو كنيست لا يستطيع، “لأسباب ضميرية”، الالتزام بقرارات الكتلة أن يستقيل من الكنيست. وكان الحزب قد بحث في مرحلة سابقة إلزام مرشحيه بتعهد بألا يكرروا “سيناريو عيديت سيلمان”، قبل أن يتراجع عن الفكرة.

وهنا يبرز فارق جوهري يتعمد الخطاب الانتخابي غالبًا طمسه: الامتناع عن التصويت على حكومة ليس انضمامًا إليها، والدعم من خارج الائتلاف لا يعني العضوية فيه، بينما الدخول الرسمي إلى الائتلاف هو سيناريو ثالث مختلف. إلا أن هذه الفروق تختزل في الخطاب الإسرائيلي إلى عبارة واحدة هي “حكومة تعتمد على الأحزاب العربية”.

وبالنسبة إلى آيزنكوت، فجّرت قضية الزرازير مبكرًا سؤالًا كان يمكن لحملته أن تفضّل تأجيله إلى ما بعد الانتخابات: كيف سيقيم حكومة إذا لم يصل معسكره إلى 61 مقعدًا، وما الشكل الذي قد يأخذه اعتمادها على أصوات “الموحدة”؟

أما بالنسبة إلى نتنياهو، فقد وفرت القضية مناسبة إضافية لإعادة إنتاج رسالة انتخابية تقوم على تحذير الناخب اليهودي من حكومة لا تستطيع أن تقوم من دون دعم عربي، فيما تواصل “الموحدة” بدورها محاولة إبقاء نفسها لاعبًا ذا صلة بأي معادلة حكومية مستقبلية، رغم الرفض الصريح لعدد من الأحزاب الصهيونية لشراكة مباشرة معها.

Share This Article