| الصحافة الإسرائيلية – الملف اليومي
افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
نظرة عليا/معهد بحوث الأمن القومي INSS 29/9/2026
معركة باب المندب… اختبار لترامب وفرصة لتقديم “صنيع” إسرائيلي للسعوديين
بقلم: يوئيل غوزانسكي وإلداد شافيت وآري هيستين
في حين انصب الاهتمام العالمي على مضيق هرمز في الأشهر الأخيرة، تتصاعد وتيرة المعركة حول الممر الاستراتيجي الثاني في شبه الجزيرة العربية: مضيق باب المندب. لم تعد الحرب المحتدمة في اليمن والتهديد الحوثي المتزايد لحركة الملاحة في البحر الأحمر مجرد ساحة منفصلة، بل أصبحت جبهة أخرى ضمن الحرب الإقليمية الدائرة مع إيران. وتجد السعودية نفسها في لحظة أزمة ومأزق استراتيجي استثنائي؛ إذ تعطلت حركة الملاحة في هرمز شرقاً، وتضرر خط أنابيب النفط “شرق-غرب”، ويشن الحوثيون هجمات داخل الأراضي السعودية، فضلاً عن تعرض المسار البديل عبر البحر الأحمر للتهديد.
وهكذا، تواجه قدرة المملكة على الدفاع عن أراضيها وتأمين صادراتها النفطية ضغوطاً من عدة اتجاهات في آن واحد. وتمثل هذه الأزمة اختباراً لنظام التحالفات الجديد الذي بنته الرياض – وعلى رأسه “حلف مكة” – وكذلك اختباراً للولايات المتحدة. وبالنسبة لإدارة ترامب، التي تسعى لتقليص الانخراط الأمريكي في المنطقة، يتمثل التحدي في مساعدة حليف رئيس وضمان حرية الملاحة دون الانجرار إلى جبهة أخرى ضد الحوثيين أو توسيع نطاق الحرب مع إيران بشكل أكبر.
كما أن لإسرائيل مصلحة مباشرة في كبح جماح الحوثيين ومنعهم من تعزيز سيطرتهم على باب المندب. وفي ظل هذه المحنة السعودية، ينبغي لإسرائيل أن تمد يد العون للرياض وتقدم مساعدة سرية، دون شروط ودون محاولة جني مكاسب سياسية فورية؛ إذ أصبح كبح الحوثيين والحفاظ على بقاء باب المندب مفتوحاً مصلحة مشتركة لكل من الولايات المتحدة والسعودية وإسرائيل.
في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم نحو مضيق هرمز، تتشكل جبهة خطيرة أخرى في الشرق الأوسط داخل اليمن. فبعد مرور نحو أربع سنوات على تراجع حدة الحرب هناك، استأنف الحوثيون هجوماً واسع النطاق شمل الجوانب الجوية والبحرية والبرية. ولا يقتصر هدفهم الرئيسي على السعودية فحسب، بل يشمل أيضاً المنطقة التي تتحكم في مضيق باب المندب؛ وهو ثاني أهم ممر استراتيجي يحيط بشبه الجزيرة العربية وواحد من أكثر ممرات الشحن حيوية في العالم.
وقد أدى الهجوم البري الكبير الذي شنه الحوثيون في أوائل أيلول باتجاه مدينة المخا إلى توسيع نطاق سيطرتهم على ساحل البحر الأحمر وترسيخ وجودهم البري في محيط المضيق، مما يسهل عليهم الآن عرقلة حرية الملاحة.
وفي الوقت نفسه، تُظهر الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيرة التي تستهدف السعودية أن العمليات القتالية قد عادت لتمتد إلى أراضي المملكة أيضاً. وتتجاوز تداعيات هذا الوضع حدود اليمن بكثير؛ فمع تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز شرقاً، وتوقف خط أنابيب النفط السعودي (الشرق-الغرب) عن العمل إثر ضربات شنتها ميليشيات عراقية، وتهديد الحوثيين للمنفذ الغربي عبر البحر الأحمر، تحول مضيق باب المندب من جبهة ثانوية إلى ساحة استراتيجية محورية.
وتتجاوز أهمية هذه التطورات نطاق الحرب في اليمن؛ إذ لطالما نظرت الرياض إلى إيران والحوثيين باعتبارهما جبهتين منفصلتين: فإيران تمثل التهديد الاستراتيجي القادم من الشرق، بينما يُعد الحوثيون مصدر إزعاج في الجنوب. أما الآن، فقد أصبحت الجبهتان نشطتين في آن واحد، وربما بتنسيق متبادل؛ حيث تمارس إيران ضغوطاً عند مضيق هرمز، بينما يهدد حلفاؤها في اليمن البوابة الجنوبية للبحر الأحمر.
وهكذا، يجري تفعيل أهم ممرين استراتيجيين يحيطان بشبه الجزيرة العربية في وقت واحد، فيفاقم كل منهما حجم التهديد الذي يشكله الآخر. والجدير بالذكر أن الشرارة التي أطلقت هذه الجولة الحالية من الصراع تعكس هذا الترابط؛ ففي تموز 2026، حاول الحوثيون إنزال طائرة قادمة من طهران في صنعاء، في محاولة لتحدي الحصار الجوي والبحري المفروض عليهم. شنت طائرات تابعة للتحالف الذي تقوده السعودية غارات على المدرج، مما حال دون عملية الهبوط. ورد الحوثيون بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة، وإعلان حصار بحري على حركة الشحن السعودية، وهو ما أدى فعلياً إلى إنهاء وقف إطلاق النار الذي كان سارياً منذ عام 2022.
ويُعد توقيت هذه المواجهة مقلقاً للغاية للسعودية؛ فقد استثمرت المملكة لعقود في “خط أنابيب الشرق-الغرب” -الذي ينقل النفط من شرق السعودية إلى ينبع على البحر الأحمر- بهدف محدد يتمثل في تقليل اعتمادها على مضيق هرمز. غير أن هذا الإنجاز أفرز حالة جديدة من الاعتمادية؛ ففي حزيران 2026، كان نحو 92 في المئة من صادرات النفط السعودية المنقولة بحراً يمر عبر محطة ينبع، حيث تضاعفت أحجام التصدير من هذا الموقع قرابة خمس مرات، إذ ارتفعت من حوالي 763 ألف برميل يومياً قبل الأزمة إلى نحو 3.8 مليون برميل.
وبعبارة أخرى، كلما تزايدت المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، زادت أهمية البحر الأحمر؛ ومع تزايد أهمية البحر الأحمر، تتحول الحرب ضد الحوثيين من مجرد مصدر إزعاج على الحدود الجنوبية للسعودية إلى تهديد استراتيجي لشرايين التجارة والطاقة لديها؛ إذ تحول المسار الذي صُمم أصلاً لتنويع المخاطر إلى نقطة اختناق بحد ذاته.
منذ أن أعلن الحوثيون فرض حصار على المملكة في 20 تموز 2026، لم يتم تحميل شحنة نفط واحدة على الساحل الغربي للسعودية لتصديرها عبر مضيق باب المندب؛ إذ اضطرت الناقلات المحملة بالنفط للإبحار شمالاً عبر قناة السويس إلى البحر الأبيض المتوسط، ثم الالتفاف حول أفريقيا للوصول إلى العملاء في آسيا، وهو مسار يطيل مدة الرحلة من ينبع إلى كوريا الجنوبية من حوالي 24 يوماً إلى نحو 54 يوماً، كما يتطلب نقل الشحنات بين السفن. والأهم أن الحوثيين منحوا استثناءً فعلياً للسفن الصينية والروسية، ما يعني أن الحصار لا يمثل إغلاقاً للمضيق، بل عملية فرز سياسي لتحديد من يُسمح له بالعبور. وفي 5 آب، هاجم الحوثيون ناقلة سعودية قبالة ساحل ينبع – في مسار داخلي يربط بين ينبع وجازان، وعلى بعد مئات الكيلومترات من منطقة الحصار المعلنة – ربطاً صريحاً للهجوم بتغيير مسار الناقلات نحو الشمال.
لذلك، استأنفت المملكة ضرب أهداف حوثية في اليمن ودعم القوات التي تقاتلهم، وذلك بعد سنوات من السعي لإنهاء تورطها في الحرب اليمنية. ووفقاً للحوثيين، شنت السعودية أكثر من 120 غارة جوية خلال الأيام الثلاثة التي سبقت هجوم 8 أيلول. وفي الوقت نفسه، أطلقت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً حملة قصف خاصة بها وبدأت هجوماً مضاداً في محافظتي الجوف والبيضاء بهدف تشتيت القوات الحوثية، معلنةً في الوقت ذاته عن هدف أكثر طموحاً بكثير: استعادة السيطرة على صنعاء.
ويمكن القول إن نتائج الحرب مع إيران هي التي خلقت الفرصة للحوثيين، مما أدى في نهاية المطاف إلى زيادة الضغط على الرياض للعودة إلى الانخراط في الصراع اليمني. فخلال جولة القتال السابقة بين السعودية والحوثيين (بين عامي 2015 و2022)، نفذ التحالف بقيادة السعودية عشرات الآلاف من الغارات الجوية في اليمن، لكنه فشل في تجريد الحوثيين من قدرتهم على مهاجمة البنية التحتية السعودية في قطاعات الطاقة والطيران والمنشآت المدنية.
لقد انتهت تلك الحملة بهدنة بدلاً من نصر حاسم لأي من الطرفين، ويبقى أن نرى ما إذا كانت الدروس المستفادة في الرياض، والتحولات في هيكل التحالفات الإقليمية والعالمية، وتطور الظروف الداخلية للحوثيين، ستتضافر جميعها لتفضي إلى نتيجة أكثر حسماً في هذه الجولة الراهنة.
تخوض الرياض هذه الحملة مدعومة بشبكة من الشركاء؛ ولذا فإن هذه المواجهة تُعد أيضاً الاختبار الأول لـ “حلف مكة” -الذي وقعته كل من المملكة وتركيا وباكستان في 7 آب 2026- الذي ينص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعدّ هجوماً عليها جميعاً. وحتى الآن، اقتصر موقف كل من تركيا وباكستان على توجيه إدانات شديدة اللهجة ومطالبة الحوثيين بوقف هجماتهم، دون وجود أي مؤشرات حتى اللحظة على انخراط عسكري فعلي في الصراع. ولا تقتضي حاجة الرياض بالضرورة وجود قوات برية تركية أو باكستانية على الأرض؛ بل هي بحاجة إلى صواريخ اعتراضية، وطائرات مسيّرة، ومعلومات استخباراتية، وموارد إضافية لحماية منشآت الطاقة والبنية التحتية لديها.
فإذا وفرت أنقرة وإسلام أباد هذه المتطلبات، سيكتسب الحلف الجديد أولى مقوماته العملية؛ أما إذا اكتفتا بمجرد الإدانة، فستتضح مجدداً الفجوة بين التصريحات المعلنة واستعداد تحمل التبعات والتكاليف عند تعرض إحدى الدول الأعضاء لهجوم.
غير أن السؤال الأكبر موجه إلى واشنطن؛ فمن منظور إدارة ترامب، تفرض التطورات في باب المندب معضلة معقدة للغاية؛ إذ تسعى الإدارة في آن واحد إلى منع توسع الحرب مع إيران وتجنب الانجرار مجدداً إلى حملة مباشرة ومطولة ضد الحوثيين، مع العمل أيضاً على الحيلولة دون إلحاق أضرار جسيمة بالسعودية وضمان حرية الملاحة. وهذه الأهداف الثلاثة لا تتوافق بالضرورة فيما بينها.
كما تمثل هذه الأزمة اختباراً للهيكلية الإقليمية التي تسعى إدارة ترامب لترسيخها، والقائمة على تقليص الانخراط العسكري الأمريكي المباشر وتحميل الشركاء الإقليميين مسؤولية أكبر عن الدفاع عن أنفسهم، مع استمرار تقديم المساعدة الأمريكية في مجالات الاستخبارات والدفاع والخدمات اللوجستية والردع. وبهذا المعنى، لا يقتصر السؤال على ما إذا كانت الولايات المتحدة ستدافع عن السعودية، بل يمتد ليشمل مدى قدرة هذا النموذج على الصمود أمام الاختبار حين يتعرض أحد الشركاء الرئيسيين لهجوم ويطلب مساعدة موسعة، في وقت لا تزال فيه واشنطن مترددة في فتح جبهة أخرى.
ويبدو أن أولوية ترامب تتمثل في تجنب الانخراط المباشر في حملة أخرى قدر الإمكان؛ فقد طال أمد الحرب مع إيران بالفعل، وينصب الجهد الأمريكي على محاولة حصر نطاقها وإيجاد استراتيجية للخروج منها. ومن شأن شن حملة جديدة ضد الحوثيين أن يتطلب تخصيص قوات وذخائر إضافية، مما قد يخلق رابطاً مباشراً بين الساحة اليمنية والحرب مع إيران، ويؤدي إلى مزيد من توسيع نطاق الصراع الإقليمي. وتُظهر تصريحات ترامب الأخيرة -التي أشار فيها إلى أن الحوثيين ليسوا مهتمين بخوض حرب مع الولايات المتحدة وأنه غير قلق في هذه المرحلة من احتمال حدوث مواجهة معهم- رغبته في منع تحول الأزمة إلى جبهة أمريكية أخرى.
ومع ذلك، فإن الامتناع عن التدخل لا يحل المعضلة الأمريكية؛ فالسعودية شريك رئيسي للولايات المتحدة، وأي ضرر مستمر يلحق بقدرتها على تصدير النفط -فضلاً عن التهديد الذي يطال ممرًا ملاحيًا دوليًا حيويًا- يؤثر بشكل مباشر على المصالح الاقتصادية والأمنية الأمريكية. وفضلاً عن ذلك، فحجب المساعدة الجوهرية عن الرياض قد يُفسَّر في المنطقة على أنه دليل على أن الشراكة الوثيقة مع واشنطن لا تضمن الحصول على الدعم في أوقات الأزمات. في ظل توسيع السعودية لعلاقاتها مع شركاء آخرين خلال السنوات الأخيرة، تبرز تداعيات لذلك على مكانة الولايات المتحدة ومصداقيتها في المنطقة.
ومن ثم، يلوح في الأفق خيار وسط يتمثل في تقديم مساعدة كبيرة للسعودية دون أن تصبح الولايات المتحدة طرفاً مباشراً في الحرب. وقد تشمل هذه المساعدة توفير معلومات استخباراتية وإنذار مبكر، ودعم عمليات تحديد الأهداف، وتزويد المملكة بصواريخ اعتراضية وأنظمة دفاعية، وتعزيز الوجود البحري وعمليات المرافقة، ودعم تحالف إقليمي لحماية حرية الملاحة. وبالتوازي، يمكن لواشنطن أن تترك الجزء الأكبر من العمليات العسكرية ضد الحوثيين للمملكة العربية السعودية وشركائها، مع الحفاظ على قنوات دبلوماسية تهدف إلى توضيح الخطوط الحمراء الأمريكية للحوثيين وإيران. أما التدخل العسكري المباشر، فسيُبقى عليه كخيار يُلجأ إليه في حال تعرض القوات أو السفن الأمريكية لهجوم، أو إذا توسع التهديد الحوثي ليتسبب في تعطيل واسع ومستمر لحرية الملاحة الدولية.
تُقيّد الاعتبارات السياسية الداخلية أيضاً حرية ترامب في التحرك؛ إذ تقترب انتخابات الكونغرس المقررة في تشرين الثاني، في حين أصبحت قضايا الحرب مع إيران، وأسعار الطاقة، والمخاوف من مزيد من التورط العسكري الأمريكي، جزءاً من النقاش السياسي الراهن. ومن شأن فتح جبهة أخرى في اليمن أن يجعل من الصعب على ترامب تفسير الأمر للجمهور: كيف وجدت إدارة تعهدت بتجنب الحروب الممتدة نفسها منخرطة في مواجهة متزامنة ضد كل من إيران والحوثيين؟ وبالمقابل، فإن حدوث مزيد من الاضطرابات في إمدادات النفط وارتفاع أسعار الطاقة قد يترتب عليه ثمن سياسي باهظ بالقدر ذاته. وتُظهر تصريحاته الأخيرة -التي ربطت بين إنهاء الحرب مع إيران بعد انتخابات التجديد النصفي وبين انخفاض متوقع في أسعار الوقود- مدى تأثير الحسابات الاقتصادية والانتخابية على اعتبارات الإدارة الحالية.
وعليه، فإن التحدي الذي يواجه إدارة ترامب في هذه المرحلة لا يكمن في كيفية إلحاق هزيمة حاسمة بالحوثيين، بل في كيفية منعهم من تحقيق مكسب استراتيجي، ومساعدة السعودية، وضمان حرية الملاحة، دون أن تصبح الولايات المتحدة الطرف الرئيسي المسؤول عن حرب أخرى. ولذلك، من المرجح أن تفضل الإدارة نهجاً مدروساً يعتمد على الشركاء الإقليميين ومدعوماً بمساعدات أمريكية كبيرة، مع وضع سقف مرتفع وشروط صارمة لأي تدخل أمريكي مباشر في العمليات العسكرية. وسيمثل نجاح هذا النهج اختباراً حاسماً لقدرة واشنطن على الحفاظ على الهيكل الإقليمي الذي تسعى لبنائه، والقائم على تقليص الانخراط المباشر دون تقويض قوة الردع أو زعزعة ثقة الشركاء.
ملخص واستنتاجات
تُظهر التطورات الأخيرة في اليمن أن الحرب مع إيران تتحول تدريجياً من صراع مباشر إلى حملة إقليمية متعددة الجبهات؛ فلم تعد اليمن والعراق والساحة البحرية جبهات منفصلة، إذ تقوم إيران بتعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ويمارس الحوثيون ضغوطاً على السعودية ويعززون سيطرتهم على منطقة باب المندب، كما تنخرط الميليشيات الموالية لإيران في العراق في هذه الحملة. وهكذا، يعمل “المحور الإيراني” كشبكة لامركزية قادرة على ممارسة ضغوط تراكمية من اتجاهات متعددة، حتى في غياب قيادة وسيطرة إيرانية مباشرة على كل مكون من مكونات هذه الشبكة.
في هذا السياق، تصبح حتى السيطرة المحدودة على الممرات البحرية الحيوية (نقاط الاختناق) أداةً استراتيجية بحد ذاتها؛ إذ لا تحتاج إيران إلى إغلاق مضيق هرمز تماماً، ولا يحتاج الحوثيون إلى سد باب المندب بالكامل. فالقدرة على تشكيل تهديد مستمر لحركة الملاحة، ورفع تكاليف التأمين والنقل، وجعل طرق التصدير غير موثوقة، كفيلةٌ بمنحهم أوراق ضغط تفوق بكثير قوتهم العسكرية الفعلية. ومن ثم، يكمن السيناريو الخطير في تشكيل “كماشة بحرية” حول شبه الجزيرة العربية، حيث يمكن لإيران ووكلائها تعطيل الشريانين الرئيسيين للملاحة في المنطقة في آن واحد.
كما تكشف الأزمة عن محدودية التحالفات الجديدة في المنطقة؛ ففي السنوات الأخيرة، وسّعت السعودية نطاق دعمها الأمني – بدءاً من الولايات المتحدة والتحالف البحري في البحر الأحمر، ووصولاً إلى “حلف مكة” مع تركيا وباكستان – إلا أنه في لحظة الحقيقة، لم يقدم أي منها حلاً شاملاً. فقد أحجمت كل من تركيا وباكستان حتى الآن عن الانخراط العسكري المباشر، وتبدي الولايات المتحدة تردداً في توسيع نطاق الحملة، بينما يعاني المعسكر المناهض للحوثيين في اليمن من تشرذم وضعف. ويعكس هذا مبدأً أوسع: وهو أن تعدد التحالفات يمنح الدول خيارات أكثر ومرونة ومساحة للمناورة، لكنه لا يضمن بالضرورة أمناً أكبر.
وتواجه السعودية فعلياً ضغوطاً استراتيجية تراكمية؛ فمضيق هرمز يتعرض للتعطيل شرقاً، وخط أنابيب النفط “شرق-غرب” – الذي صُمم لتجاوز المضيق – قد تضرر، وفي الجنوب يهدد الحوثيون المسار البديل عبر البحر الأحمر. وهكذا، أصبحت البدائل التي طورتها المملكة لتقليل نقاط ضعفها أهدافاً بحد ذاتها. إن مشكلة المملكة لا تكمن في نقص النفط، بل في افتقارها إلى القدرة على تصديره بأمان إلى الأسواق؛ فالاحتياطيات قد توفر متنفساً مؤقتاً، والبنية التحتية المتضررة قابلة للإصلاح، لكن إصلاح خط الأنابيب لا ينهي الأزمة، إذ إن ما يُعاد تأهيله اليوم قد يتعرض للضرب مجدداً غداً.
وينطوي هذا الضغط الاستراتيجي أيضاً على تهديد مباشر للجبهة الداخلية السعودية؛ فقد اضطرت السلطات في الأيام الأخيرة مراراً إلى تفعيل صافرات الإنذار لتحذير سكان المدن الجنوبية من الصواريخ والطائرات المسيرة الحوثية، وذلك في أعقاب هجمات سابقة أسفرت عن سقوط عشرات الضحايا وألحقت أضراراً بالبنية التحتية لقطاع الطاقة. وبناءً على ذلك، تجد السعودية نفسها مطالبةً في آنٍ واحد بحماية طرق تصديرها، وإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة، والدفاع عن مدنها ضد المزيد من الهجمات.
ومن منظور إسرائيلي، تكمن الدلالة الرئيسية في أن التهديد الحوثي لم يعد مجرد قضية يمنية أو متعلقة بالبحر الأحمر أو الخليج؛ بل بات جزءاً من حملة أوسع يقودها المحور الذي تتزعمه إيران، وجزءاً من مساعي الضغط على دول المنطقة عبر السيطرة على شرايينها الحيوية. ونتيجة لذلك، تتشارك إسرائيل والسعودية في مصلحة واضحة وقوية للغاية، تتمثل في منع الحوثيين من التوسع وترسيخ سيطرتهم بنجاح على أراض ذات أهمية استراتيجية؛ إذ تتيح هذه السيطرة للجماعة -من بين أمور أخرى- تعزيز نفوذها وقدرتها على الضغط على دول المنطقة وحركة التجارة الدولية.
وبالنسبة لإسرائيل، يمثل هذا الوضع أيضاً فرصة دبلوماسية وأمنية؛ ففي الوقت الذي تدرك فيه الرياض حدود الدعم الأمريكي والفجوة بين تصريحات شركائها الجدد واستعدادهم الفعلي لاستخدام القوة، يمكن لإسرائيل إثبات قيمتها كشريك أمني من خلال تقديم مساعدات غير معلنة (سرية). وينبغي ألا تكون هذه المساعدات مشروطة؛ إذ تشير التقديرات إلى أن المملكة ستتذكر هذا “الصنيع”، تماماً كما أثمرت المساعدات الإسرائيلية السابقة لدول الخليج مكاسب سياسية في مراحل لاحقة. وتتمثل المصلحة المباشرة في حرمان إيران ووكلائها من القدرة على تعطيل الممرين البحريين الرئيسيين في المنطقة، بينما يكمن الهدف طويل الأمد في تحويل هذا التقارب في المصالح إلى ركيزة لشراكة إسرائيلية-سعودية أعمق في مرحلة “ما بعد الصراع”.
——————————————
هآرتس/ ذي ماركر 29/9/2026
شركات من الهند، أمريكا والصين ستحفر المترو
بقلم: يفعات رؤوفين
علمت صحيفة “ذي ماركر” انه يتوقع فوز شركات هندية وامريكية وصينية واوروبية في الاسبوع القادم في مرحلة الاختبار الاولية قبل نشر مناقصة “انفرا 1″، وهي المرحلة الاولى من مترو الانفاق في اسرائيل. تبلغ تكلفة مشروع مترو الانفاق في اسرائيل اكثر من 180 مليار شيكل، وهو مشروع يحظى باهتمام كبير من قبل شركات البنى التحتية والانشاءات والتشغيل. وقد شارك ممثلون عن عشرات الشركات العالمية في الاسبوع الماضي في فعالية عرض مشروع مترو الانفاق الاسرائيلي في برلين.
تبلغ قيمة مناقصة المرحلة الاولى من البنى التحتية، المقرر الاعلان عنها في 2027 و2028، 65 مليار شيكل، وتشمل هذه المناقصة اعمال البنى التحتية الرئيسية لانشاء المترو، وهي حفر انفاق المترو في كل ارجاء منطقة دان (تل ابيب الكبرى) باستخدام 20 حفار عملاق، تعمل على مدار الساعة وكل ايام الاسبوع، بما في ذلك في بني براك. ومن بين 33 شركة اظهرت الاهتمام بالمناقصة، ستتأهل 19 شركة استوفت الشروط الاولية للمرحلة الثانية. ستعلن هيئة النقل الحضري الحكومية عن اسماء الفائزين الـ 19 في الاسبوع الاول من تشرين الاول، حيث سيتنافسون على 11 حزمة تشمل اعمال الحفر في كل ارجاء منطقة تل ابيب الكبرى، اضافة الى بناء 59 محطة مترو انفاق، من اصل 109 محطات، وذلك ضمن عملية مناقصات تنافسية. وسيتم نشر حزمة الاداء الاولى في بداية العام 2027. وحسب هيئة النقل الوطنية سيتم اختيار الفائزين بناء على معيار مرجح للسعر والجودة.
22 شركة دولية
تهدف مرحلة التاهيل المسبق التي تعرف اختصارا بـ “بي كيو” أو التاهيل المسبق في المصطلحات المهنية، الى استبعاد الشركات التي لا تستوفي الشروط المطلوبة من المشاركة في المناقصات الضخمة. وكانت هيئة النقل الوطنية “نيتع” قلقة من امتناع الشركات الدولية عن المشاركة في المناقصات، الا ان 22 شركة دولية تقدمت لعملية التاهيل المسبق في شهر حزيران: 9 شركات هندية، 6 صينية، 5 اوروبية وشركتان امريكيتان. الى جانب ذلك تقدمت 11 شركة اسرائيلية ايضا لعملية الاختيار الاولية. اذا فازت الشركات الامريكية فسيكون هذا اول مشروع في نوعه تشارك فيه شركات امريكية في اسرائيل.
تعتبر شركات الانشاء الهندية رائد عالمي في مجال البنى التحتية للنقل. ففي غضون عقد واحد فقط تضاعفت شبكات المترو في اكبر 18 مدينة في الهند، بما في ذلك نيودلهي ومومباي وكلكتا وبنغالور – اربعة اضعاف: من 229 كم الى 870 كم. ومن المخطط انشاء الف كم اضافية لخطوط المترو هناك.
مع ذلك هناك سيناريوهات محتملة قد تدفع الرئيس التنفيذي لهيئة النقل الوطنية، ايتمار بن مئير، الى ادخال شركات اخرى الى المنافسة في نهاية العام 2027. السيناريو الاول هو تفكك مجموعة تضم عدة شركات مثلما حدث في مشروع الخط الازرق للقطار الخفيف في القدس قبل سنتين ونصف، حيث انسحبت شركة “كومسا” الاسبانية من المجموعة التي ضمتها الى جانب شركة “دانيا سيبوس” وشركة “دان” نتيجة ضغوط سياسية استخدمت عليها في اسبانيا على خلفية الحرب في اسرائيل. وتبعتها شركة “بيسا” البولندية لتوريد القطارات. أما السيناريو الثاني فهو ان الشركات الافضل التي منعت من العمل في اسرائيل، ستسعى الى المنافسة على تنفيذ المشروع، وذلك بعد تحسن الوضع الامني في اسرائيل.
لا يرى المسؤولون في الحكومة أي مشكلة في مشاركة الشركات الصينية في مشروع المترو في المرحلة الاولى “انفرا 1”. مع ذلك، قالت مصادر حكومية لـ “ذي ماركر” ان مشاركة الشركات الصينية في تشغيل القطارات وفي تكنولوجيا تشغيل القطارات ذاتية القيادة تثير بعض الاشكالية. ولكن قطارات شركة “سي.آر.آر.سي” الصينية تسافر بسلاسة على الخط الاحمر للقطار الخفيف في منطقة غوش دان، وتشغله شركة “تيفل” بملكية شركة “ايغد” الاسرائيلية و”شنزن مترو” و”سي.سي.إي.سي.سي” الصينية.
الى جانب ذلك حلت شركة السكك الحديدية الصينية “سي.آر.آر.سي” محل شركة الشراء البولندية التي انسحبت من مشروع القطار الخفيف في القدس، وفي حزيران 2025 تم توقيع اتفاق معها لشراء مقطورات بمبلغ 2 مليار شيكل. وجاء توقيع الاتفاق بعد تلاشي الضغط السياسي الامريكي الناتج عن الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين. ولكن بسبب المخاوف التي اظهرها الامريكيون بشان مشاركة الصين في المشروع، تم التوصل الى حل وسط يقضي بعدم تجميع المقطورات الـ 132 في الصين، وان تتم عملية الانتاج بواسطة شركة تابعة لـ “سي.آر.آر.سي” في دولة غربية، من المرجح ان تكون الولايات المتحدة. وكان من شأن نقل الانتاج الى خارج الصين، ان يزيد قيمة الصفقة بحوالي 80 مليون شيكل.
انا لا ابحث عن مقاول، بل عن شريك
في يوم الاربعاء قدم مختصون في هيئة النقل الوطنية تفاصيل المناقصات الضخمة للمرحلة الثانية لمترو الانفاق في اسرائيل “انفرا 2” – في قاعة مؤتمرات فندق والدورف ستوريا في برلين. تشمل هذه المرحلة بشكل اساسي شراء القطارات ذاتية القيادة وتشغيلها، وتبلغ قيمة المناقصات فيها 30 مليار شيكل. وهذه هي المرة الثانية التي تعرض فيها هيئة النقل الوطنية مشروع مترو الانفاق الاسرائيلي في برلين ضمن معرض “انو ترانس الدولي للنقل”. في المعرض السابق في 2024 عرضت الهيئة المرحلة الاولى للمشروع، التي حصلت على اهتمام كبير من قبل الشركات، لا سيما في مجال البنية التحتية.
امتلأت القاعة بالكامل. فقد شارك حوالي 250 ممثل عن 110 شركات دولية في هذه الفعالية التي نظمتها هيئة النقل الوطنية. وقالت رئيسة الهيئة، يودفات افيك ارازي، لـ “ذي ماركر”: “في نهاية المطاف الامر يتعلق بالاعمال. هم يدعمون اعمالهم التجارية ونحن نصنع الصهيونية”.
واضاف بن مئير، الرئيس التنفيذي في الهيئة لصحيفة “ذي ماركر”: “أنا لا ابحث عن مقاول، بل عن شريك. الرسالة التي اردنا ارسالها في هذا المؤتمر هي اننا نضع كل شيء على الطاولة: هناك تعقيدات وتقاسم للاخطار”. ينبع الخطر الاقتصادي الرئيسي لمشروع مترو الانفاق الاسرائيلي، ضمن امور اخرى، من ارتفاع تكلفة تأمين العمال الاجانب في اسرائيل، بسبب الوضع الامني الهش.
وقد ترأست الهيئة الوطنية للنقل هذا المؤتمر بدون أي مشاركة من قبل وزارة النقل. وقد شارك كمال قيس، رئيس قسم السكك الحديدية في الوزارة، في هذه الفعالية في برلين، ولكنه لم يقم بالقاء خطاب. مع ذلك، لم يكن مشروع المترو من اولويات وزيرة النقل ميري ريغف. فرغم ان المترو هو مشروع نقل حيوي للنمو الاقتصادي في اسرائيل وتخفيف الازدحامات، الا ان ريغف قامت بتاجيله لسبعة اشهر في بداية ولايتها، الى ان وافقت الحكومة كما يبدو على خطة مبدئية لانشاء سكك حديدية تصل الى كريات شمونة وايلات. في المقابل، شرح ممثلو وزارة المالية، بما في ذلك اوشرات دافيد ديكر، نائبة المحاسب العام الاول في وزارة المالية، ودانا دوبر، منسقة البنية التحتية في قسم الميزانيات، الجوانب الاقتصادية للمشروع في المؤتمر.
ويعتبر هذا المشروع من المشاريع الاكثر تعقيدا في البلاد. ومن ابرز تحدياته ازالة كميات كبيرة من التراب المتراكم في منطقة غوش دان نتيجة اعمال الحفريات، اضافة الى توفير السكن لـ 23 الف عامل اجنبي، الذين سيعملون في المشروع، وضمن ذلك بناء مجمعات سكنية جديدة.
——————————————
هآرتس 29/9/2026
الجميع يتجادلون حول 7 اكتوبر، ولا أحد يتحدث عن انهاء الحرب
بقلم: ألوف بن رئيس تحرير صحيفة هآرتس
تركز الحملة الانتخابية حاليا على مسالتين: تجاهل نتنياهو للتحذيرات التي حصل عليها قبل هجوم حماس في 7 اكتوبر، والتمثيل العربي في الكنيست والحكومة. كل طرف يستهدف نقطة ضعف خصمه. يسلط تحالف التغيير الضوء على تهرب رئيس الحكومة من المسؤولية، ويعتمد نتنياهو على الصعوبة الواضحة التي يواجهها غادي ايزنكوت في تشكيل الائتلاف بدون دعم الاحزاب العربية. هذه مسائل هامة، بل وحاسمة. فالدولة التي لا يتحمل زعيمها المسؤولية عن افعاله ويعمل على منع التمثيل السياسي لخمس مواطنيها، ستجد صعوبة في تسمية نفسها ديمقراطية.
لكن هناك مسالة اخرى لا تقل اهمية عن ذلك تم تهميشها وهي الحرب. هل تذكرون؟ حرب مستمرة على جبهات متعددة منذ ثلاث سنوات. حرب تقترب تكلفتها من 450 مليار شيكل. حرب يجند فيها الجيش الاسرائيلي المقاتلين لمئة يوم في خدمة الاحتياط في هذه السنة. حرب تحتل فيها اسرائيل معظم قطاع غزة ومساحة كبيرة في جنوب لبنان ومئات الكيلومترات في سوريا.
هذا الواقع يبدو طبيعي. وفي ظل غياب ضغط شعبي لتغييره، لا يتحدث المرشحون عن انهاء الحرب في المستقبل المنظور. هم يكتفون بشعارات فارغة حول “القضاء على حماس”، وهو عنوان بالي تصدر الكثير من الحملات الانتخابية السابقة، وحماس تجاهلته وواصلت العمل. لا تؤثر اعلانات الجيش الاسرائيلي اليومية عن اغتيال ناشط في النخبة اقتحم اسرائيل في 7 اكتوبر أو الاعتداء على الرهائن، أو اغتيال قائد في رفح، على ميزان القوة في غزة.
هذا تذكير بالوضع الامني في اسرائيل عشية الانتخابات. كانت الجبهة الرئيسية وما زالت هي الضفة الغربية. حيث ينتشر هناك معظم قوات البر النظامية للجيش الاسرائيلي. مهمتها تظهر متناقضة: منع انتفاضة ثالثة، وفي نفس الوقت التمكين من سرقة الاراضي وتوسيع المستوطنات وقمع الفلسطينيين. نتنياهو يلتزم جدا بهذه السياسة. حذر غادي ايزنكوت من ان “عنف المليشيات اليهودية المتطرفة في يهودا والسامرة هو ارهاب اجرامي”، وفي نفس الوقت هو يعارض اقامة دولة فلسطينية. من السهل والمريح تجاهل المشكلة باعتبارها مبادرة خاصة من قبل مستوطنين عنيفين، فقدت الدولة السيطرة عليهم. ولكن من المفروض ان يكون ايزنكوت، الذي كان قائد القطاع ورئيس الاركان، على دراية ان الجيش ينتشر في الضفة الغربية من اجل حماية المستوطنات والبؤر الاستيطانية والمزارع التي ينطلق منها الارهاب.
بعد الانتخابات ستواجه اسرائيل هذا الواقع بقوة. تهدف المبادرة البريطانية الاوروبية لفرض العقوبات الى وقف الاستيطان اليهودي والارهاب في الضفة الغربية، ولا يتم تقديمها كعقاب على افعال اسرائيل في قطاع غزة. يسهل فهم السبب: فقد دمرت اسرائيل غزة وقتلت عشرات آلاف سكانها بعد تعرضها لهجوم وحشي في 7 اكتوبر. قد يجادل البعض بان رد اسرائيل كان مفرطا، لكن حماس هي التي اطلقت الرصاصة الاولى وليس الجيش الاسرائيلي.
أما في الضفة الغربية فلا يوجد لاسرائيل 7 اكتوبر كذريعة لتبرير افعالها. ليس لديها أي وسيلة لاقناع أي جهة في العالم، ومن السهل حشد الدعم الدولي لفرض عقوبات على المستوطنات ومن يدعمها. في الداخل ايضا سيستيقظ الاسرائيليون بعد الانتخابات ويجدون انفسهم يدفعون ثمن الحرب، سواء من خلال رفع الضرائب لتمويل النفقات الامنية، أو من خلال توسيع الفجوة في عبء الخدمة العسكرية وما يترتب عليها من خسائر في الارواح واصابة جسدية ونفسية.
لذلك، من المهم ان يتذكر الناخبيون ليس فقط ما حدث في 7 اكتوبر، بل ايضا ما سيحدث وما هو الثمن الذي سيدفعونه لتمويل رؤية نتنياهو الاسبرطية والحرب التي لا تنتهي، والتي يصرح بأنه سيستمر فيها. في نفس الوقت سيتعين على خصومه، الذين يعدون بتشكيل “حكومة اصلاح” بعد كوارث الائتلاف الحالي، أن يبدأوا اصلاحهم بانهاء الحرب. لا توجد خطوة اكثر الحاحية من اجل انقاذ اسرائيل.
——————————————
هآرتس 29/9/2026
حملة نتنياهو منذ 30 سنة: نزع الشرعية عن العرب ومن خلالهم خصومه أيضا
بقلم: عوفر اديرت
في الاعلان الرئيسي لليكود في انتخابات 1996، أي قبل ثلاثين سنة، لعب دور البطولة رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات. وبناء على طلب مستشار الحملة الامريكي آرثر فنكلشتاين، الذي رأى ان الحملة الناجحة تحتاج الى شخص شرير فقد ركزت الحملة على الشر المطلق، زعيم م.ت.ف، “الرجل صاحب اللحية”، كما وصفه مناحيم بيغن، الذي كان يرتدي الكوفية ويسخر من رابين وبيرس في طريقه لفتح القدس. في بداية الاعلان تم عرض صورة المرشح الشاب لرئاسة الحكومة بنيامين نتنياهو، وفي الخلفية لحن ظهر وكأنه بعيد: “نتنياهو يصنع سلام راسخ”.
بعد ذلك تم تعتيم الشاشة والمذيع سأل: “من قال، سواء اراد الاسرائيليون أم لا، القدس هي عاصمة فلسطين؟”. فتح ثقب في الشاشة السوداء وكشف جزء من جسد عرفات للمشاهدين. وتابع المذيع: “من تعهد بمحاربة الارهاب وفي نفس الوقت اطلق سراح قتلة الاسرائيليين؟”. وسقط جزء آخر من الغطاء مع صوت تحطم زجاج. وفي المشهد التالي يرى عرفات وهو يصعد على الدرج. المذيع يسأل: “من يستطيع محاربة الارهاب ولكنه لا يريد؟ ومن هو مقطوع عن الواقع ويثق به؟”. بعد كل سؤال تتساقط اجزاء اخرى من الصورة السوداء حتى تظهر أخيرا صورة خصم نتنياهو شمعون بيرس الى جانب ياسر عرفات. يختتم المذيع بالقول: “بيرس وعرفات، هذا التحالف يشكل خطر على اسرائيل”. وعندما سئلت مديرة مكتب العلاقات العامة في حزب الليكود في حينه عضوة الكنيست ليمور لفنات، اذا كان هذا يعتبر تحريض، قالت في مقابلة مع “هآرتس”: “اذا كانت لدينا صورة حقيقية لبيرس وهو يمشي يدا بيد مع عرفات فلماذا لا نستخدمها؟ لم أكن أنا التي مشيت يدا بيد مع عرفات”.
في انتخابات ايار 1996، بعد ستة اشهر على اغتيال رابين، وصل نتنياهو الى الحكم. وبعد اربعة اشهر صور وهو يصافح عرفات، النصف الآخر من “التحالف الخطير على اسرائيل” عند حاجز ايرز. كان هذا هو اول لقاء من بين عدة لقاءات بينهما. ايضا سجل فيلم فيديو ظهر بعد ذلك في الانترنت مكالمة هاتفية ودية بينهما في العام 1997، بواسطة احمد الطيبي، مستشار عرفات في حينه وعضو الكنيست المستقبلي. ظهر نتنياهو في المحادثة وهو ينادي عرفات بـ “سيدي” ويقول ان شاء الله، واعرب عن الامل في ان يتمكنا من “العمل معا”. توفي عرفات في العام 2004، بعد ان منحه نتنياهو حسب بعض التقارير لقب “صديق”، وبعد ذلك سلم ادارة الخليج للسلطة الفلسطينية، واستمر في المفاوضات الى ان تفجرت في نهاية المطاف.
وماذا حدث للطيبي الذي ساعد نتنياهو في التواصل مع عرفات عبر الهاتف؟ منذ انتخابات 1996 انتشر شعار “بيبي أو طيبي” في اوساط اليمين. ومنذ ذلك الحين اصبح مصطلح تحريض عنصري. ولكن فقط في انتخابات 2019 خلف الطيبي رئيسه السابق كـ “الشخص السيء”. وعندها وجه نتنياهو كبار قادة حزبه واطلق شعار “إما بيبي أو طيبي”، ورددوا الرسالة القديمة – الجديدة فوق كل منبر، وكررها نتنياهو نفسه دائما في افلام الفيديو التي نشرها.
لم تتغير الرسالة منذ ذلك الحين: اليسار “يتحالف مع العرب”، وقد يشكلون الان حكومة مع مستشار عرفات. بعد ذلك تم استبدال “يساريين” آخرين مثل بني غانتس ويئير لبيد وحتى افيغدور ليبرمان. ووصف الطيبي بأنه “يدعم الارهاب”. وبعد ذلك اضيف عدد من “الاشرار” الجدد الى القائمة – سياسيون عرب شباب، الاول من بينهم ايمن عودة رئيس القائمة المشتركة.
في العام 2019 ارسل رئيس الحكومة نتنياهو رسالة على صفحته في الفيس بوك الى متابعيه الذين وافقوا على القاء خطابات من اجل اقناع بدلا منه المترددين بشأن الانتخابات. وجاء في الرسالة “لا يجب تشكيل حكومة يسارية خطيرة تشمل لبيد وعودة وغانتس وليبرمان. حكومة يسارية ليبرالية ضعيفة تعتمد على العرب الذين يريدون القضاء علينا جميعا، نساء واولاد ورجال، وتمكن ايران النووية من تصفيتنا – محظور علينا السماح بحدوث ذلك”. الفيس بوك اعتبر هذا الامر نشر للكراهية. شارك الطيبي احيانا في حملات الليكود، وانضم اليها احيانا الى جانب عودة. في انتخابات 2020 انتشرت شعارات مثل “بدون احمد الطيبي لا توجد حكومة لغانتس”، “بدون القائمة المشتركة لا توجد حكومة لغانتس”. وكانت احدى الرسائل التي وزعت على ناخبي الليكود في رسالة نصية: “بني غانتس بحاجة الى دعم احمد الطيبي وايمن عودة في الكنيست. فبدونهما لا يمكن لتحالف ازرق – ابيض تشكيل حكومة”. ووعدوا في الحملة الانتخابية بأنه “لن يتم وقف حكومة تعتمد على احمد الطيبي ألا من خلال التصويت لليكود”. وفي فيلم آخر ظهرت صورة صورة وكتب بجانبها: “غانتس مستعد لتعريض امن اسرائيل للخطر والتحالف مع مؤيدي الارهاب”. في فيلم آخر ظهرت صورة عودة والطيبي مع كتابة “يجب على غانتس أن يخجل. فالحكومة التي تضم القائمة المشتركة هي كارثة على اسرائيل”.
لكن بسرعة وضع سياسي عربي آخر في دور الشرير المطلق وهو منصور عباس، رئيس حزب “راعم”، الذي تاسس في العام الذي وصل فيه نتنياهو الى الحكم. يعتبر منصور عباس زعيم مسلم معتدل، وكان اليمين واليسار يعتبرانه شريك جدير في الكنيست، الى ان حولته حملة الليكود فجأة الى عدو للشعب.
تجاهلت الحملة حقيقة ان الليكود نفسه كان يجري مفاوضات لتشكيل ائتلاف يضم “راعم” في الحكومة اليمينية منذ العام 2019. وقال منصور عباس لـ “يديعوت احرونوت” في العام 2022، عندما سئل ما اذا كان شعر بالاهانة عند وصفه بأنه “يدعم الارهاب”، فاجاب باشارة الى نتنياهو وقال: “بالتاكيد. ولكن الشخص الذي تفاوض معي كان يعرفني تماما… مع ذلك، لم يمنعه ذلك من التفاوض معي ودعوتي الى المقر في بلفور، وليس هذا فقط، بل اجراء مكالمات هاتفية ودية، وكل ذلك بروح طيبة”. وردا على نفي حزب الليكود قال: “يستمرون في نفي انهم عرضوا علي اتفاقا ائتلافيا. اتذكر احد اللقاءات في بلفور، الابرز من بين كل اللقاءات، الذي عرضوا فيه علي اتفاقا ائتلافيا موقعا. كل شيء مسجل في هاتفي. قرأ علي نتنياهو خطابا قصيرا تحدث فيه عن الشراكة بين الليكود وراعم”.
لم يكلف نتنياهو نفسه عناء شرح لناخبيه كيف تمكن من الجلوس في 2015 في اجتماع وهو يبتسم مع “مؤيدي الارهاب” من القائمة المشتركة، قبل استهدافهم ببضع سنوات. لقد سجل الاجتماع مصور المكتب الاعلامي الحكومي، واتفقت فيه الاحزاب على خطة للتكامل الاقتصادي وتقليص الفجوات في الوسط العربي، وهي الخطة التي وصفها نتنياهو فيما بعد بأنها “تحويل اموال الى الارهاب”.
اللقاء والخطة التي اقرت فيه لم يمنع نتنياهو من ركوب موجة جديدة بعد تشكيل حكومة التغيير برئاسة بينيت ولبيد في حزيران 2021، التي استندت الى ائتلاف مع حزب “راعم” برئاسة منصور عباس. ومنذ تلك المرحلة تكرر الرقم السحري، 53 مليار، وهو المبلغ الذي من المفروض ان حكومة التغيير حولته للعرب. لمن بالتحديد؟ في البداية تم الزعم انه لمنصور عباس وراعم (مبتكرين بذلك عبارة “ضريبة عباس”)، وبعد ذلك تم تغيير المستفيدين الى “مؤيدي حماس”.
الحقيقة بعيدة جدا عن ذلك. فلم يكن هذا المبلغ مخصص لمنصور عباس، وبالتأكيد ليس لحماس، بل للتنمية الاقتصادية – الاجتماعية في الوسط العربي، بما في ذلك مكافحة العنف وتطوير البنى التحتية. اضافة الى ذلك استمر نتنياهو في الخطة التي بدأها هو نفسه في العام 2015. ايضا المبلغ لم يكن في الحقيقة 53 مليون شيكل. وفي كل الحالات هو موزع على خمس سنوات ويخضع لموارد الميزانية. ولكن لماذا نترك الحقائق تضللنا اذا كان يمكننا نشر كذبة أن “العرب” حصلوا على ميزانية تساوي ميزانية الدفاع – مثلما فعل يوآف كيش، وهو من ابواق نتنياهو البارزين للدعاية. من ارتكب ذنب تحويل الاموال للارهاب؟ انه نتنياهو الذي حول مئات ملايين الدولارات الى قطاع غزة الخاضع لسيطرة حماس من اجل شراء السلام، وتجاهل تحذيرات المؤسسة الامنية، وحتى مع معرفته ان جزء من هذه الاموال ستذهب الى الجناح العسكري في حماس.
الخلاصة هي ان حملة الليكود ركزت خلال ثلاثين سنة على رسالة نزع الشرعية عن سياسيين يهود بسبب علاقتهم مع العرب، وعن سياسيين عرب لكونهم عرب. حقيقة ان نتنياهو التقى معهم ايضا لم تمنعه من تصوير الآخرين، الذين كان من المقدر لهم ان يلتقون بهم، كمتعاونين مع الارهابيين، وحقيقة انه ادرك ايضا ضرورة تحويل الاموال للمجتمع العربي لم تمنعه من الادعاء ان من فعل هذا بعده هو من حول الاموال الى الارهاب. وفوق كل ذلك يحاول طمس وانساء الحقيقة التي لا جدال حولها، وهي أنه هو نفسه قام بتحويل الاموال، التي في نهاية المطاف ذهبت لنشاطات ارهابية.
——————————————
إسرائيل اليوم 29/9/2026
الازمة في ايران فرصة محظور تفويتها
بقلم: المقدم احتياط اور هورفيتس: رئيس فرع حزب الله سابقا في شعبة الاستخبارات وزميل كبير في معهد سياسة الشعب اليهودي
تفهم طهران بان الزمن لا يعمل في صالحها. فالدولة التي قدست على مدى السنين الصبر الاستراتيجي توجد تحت تهديد محتدم من اضطراب داخلي في ظل أزمة اقتصادية غير مسبوقة في خطورتها. لقد أدى تشديد الضغط الاقتصادي الأمريكي في الأسابيع الأخيرة بدول عديدة لان توقف او تقيد الطيران من ايران واليها. وشددت هذه الخطوات على نحو ذي مغزى طوق الخناق الاقتصادي حول طهران، المتعلقة بالتجارة مع دول كالعراق، تركيا وعُمان. هذه ضربة شديدة للاقتصاد الإيراني، الذي يعاني على أي حال بسبب الاغلاق شبه التام للتجارة البحرية عبر موانئها في الخليج الفارسي.
من الجو، من البحر ومن البر – ايران تحت حصار غير مسبوق – بالذات في الوقت الذي بات فيه النظام أكثر هشاشة من أي نقطة أخرى منذ قيامه. هذه بالضبط أبخرة الوقود التي تصنع منها الثورات، وايران تفهم هذا جيدا. وبشكل لا مفر منه، يتخذ النظام سلسلة من خطوات الطوارئ التي تستهدف كسب الوقت: ساعات التواجد في الوزارات الحكومية تقلصت، بعض من الدراسات في الجامعات نقلت الى الشبكة، وسعر البنزين للاستهلاك الذي يشذ عن الدعم الحكومي القائم تضاعف. حلول أكثر شمولا لتجاوز العقوبات الامريكية بواسطة الصين وروسيا تصطدم بحاجز سواء بسبب الفجوة في الإرادة من جانب الصين ام بسبب الفجوة في القدرة من جانب روسيا. القوتان العظميان هاتان يوجد لهما في هذه اللحظة سلم أولويات آخر.
بين امكانيتين سيئتين
عمليا، تعيش ايران في معضلة بين امكانيتين سيئتين جدا بالنسبة لها. العمل على إجراءات تقشف تعسفية ستثقل العبء اكثر فأكثر على الجمهور وتزيد فرص الاضطراب الجماهيري، أو محاولة انتزاع اتفاق مع الأمريكيين يخفف قليلا الضغط الهائل المفروض عليها. الخوف من احتجاجات داخلية ساهم أغلب الظن بشكل كبير في القرار الإيراني في محاولة إعادة تحريك دواليب المفاوضات مع الولايات المتحدة من خلال اقتراح لاتفاق مؤقت، إضافة الى أن ترامب أعلن بانه يرفض ذلك ربما لرؤيته الفرصة لتعميق الضغط على ايران.
ترفع هذه المعضلة الاستراتيجية مرة أخرى الى السطح الخلافات العميقة داخل النظام الإيراني نفسه، بخاصة في ضوء سفر الرئيس الإيراني بازشكيان الى الجمعية العمومية في نيويورك. واعلنت الصحيفة المحافظة “كيهان” بان نيويورك “ليست مكانا للابتسامات والمفاوضات”، فيما ان وكالة “فارس” المتماثلة مع الحرس الثوري، انتقدت علنا قرار الرئيس الوصول الى الجمعية. بين هذين المعسكرين يتردد حاليا رئيس البرلمان، كاليباف، كمن سيحاول الجسر بين الفجوات. وعلى حد قوله بين النهجين المتطرفين لحرب بلا نهاية والمصالحة بلا نهاية. من الصعب التصديق بانه سينجح في مهمته هذه، بغياب زعيم ذي قامة.
يمكن لهذه الظروف الاستراتيجية ان تشجع الولايات المتحدة على محاولة السعي للتوصل الى اتفاق قصير المدى مع ايران. الحافز واضح ظاهرا: ترامب بحاجة الى صورة نصر قبل انتخابات منتصف الولاية في الولايات المتحدة، والجمهور الأمريكي تعب من “الحرب القصيرة” التي تواصلت منذ اكثر من نصف سنة. هذه ستكون خطأ جسيما. النظام الإيراني ضعيف ومهزوز اكثر من أي وقت مضى. وخروج الإيرانيين الى الشوارع يبدو كمسألة وقت. والان بالذات حين تتشقق اساسات النظام تبرز الفرصة الاستراتيجية لتعميق الضغط الاقتصادي على ايران حتى نقطة الانكسار.
سيصعب على النظام البقاء
الثورات هي أمر قابل للافلات من اليد وصعبة جدا على التنبؤ، لكن مزيدا من المعطيات تشير الى ان النظام سيجد صعوبة في البقاء في صورته الحالية على مدى الزمن. لا يمكن لإدارة ترامب أن تكتفي باتفاقات هشة وقصيرة المدى بل ان تسير بكل القوة نحو الجائزة الكبرى، التي أصبحت الان واقعية: اسقاط النظام، بالتوازي مع الجهود لتقليص التهديدات في المدى القصير، وعلى رأسها الاقتحام نحو النووي العسكري، هجمة مفاجئة إيرانية او تعاونات سرية مع روسيا والصين.
لعل هذه لن تكسبه نقاطا سياسية وربما تستغرق وقتا، لكن التاريخ والاجيال التالية ستشكرها على ذلك. ترامب يعلن بشكل ثابت وعن حق عظيم بانه محظور لإيران ان تحصل على سلاح نووي. لقد حان الوقت لان يفهموا في واشنطن أيضا بان السبيل الوحيد لضمان ذلك على مدى الزمن يمر في تغيير النظام في طهران.
——————————————
هآرتس 29/9/2026
ملك الأردن قال ان إسرائيل هي خطر على السلام، فعكس بذلك موقف دول المنطقة
بقلم: تسفي برئيل محلل الشؤون العربية في صحيفة هآرتس
بعد يوم من تصريحات لملك الاردن عبد الله الثاني على منصة الجمعية العمومية للامم المتحدة، وفي خطابه الذي يعتبر الاشد انتقادا الذي وجهه لاسرائيل، تم ابلاغه ان افيغدور ليبرمان يقترح عليه العودة الى السيطرة على المنطقة أ وب في الضفة الغربية، بل وحتى نشر جيشه هناك أو بناء قوات تابعة لقيادته. وكتب ليبرمان “نحن نحتاج الى التوصل الى تفاهم مع الاردنيين على ادارة يهودا والسامرة وان يتحملوا المسؤولية الامنية والادارية. لا يمكن ترك فراغ”.
غني عن القول ان الملك عبد الله ليست له أي نية لأن يحل محل اسرائيل أو السلطة الفلسطينية، سواء في الضفة الغربية أو في غزة. الملك من الموقعين على المبادرة العربية من العام 2002 وهو يدعم حل الدولتين. ولا يسعه الا ان يشعر بالارتياح لعدم اقتراح ليبرمان من جديد ان يكون الاردن هو الدولة البديلة للفلسطينيين.
واوضح الملك بجلاء وكل وضوح رأيه في الحكومة الاسرائيلية وسياستها وقال: “لكي ننجح في حل الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي فانه يجب على العالم التخلي عن بعض الاوهام. الاول هو افتراض ان الضفة الغربية وقطاع غزة هما قضيتان منفصلتان، هذا غير صحيح. فهما وجهان لاستراتيجية اسرائيلية واحدة. ففيهما يقتل الفلسطينيون، وفيهما يشهد الواقع على الارض تغيرا جذري، في غزة من خلال التدمير وفي الضفة الغربية من خلال الضم الفعلي. ووهم آخر هو ان معارضة القيادة الاسرائيلية الحالية لاقامة دولة فلسطينية هي موقف قابل للتغيير. هذا غير صحيح، بل هو واقع راسخ على الارض”.
حسب اقواله فان تهجير تجمعات فلسطينية من بيوتها، والتصريحات العلنية بنوايا احياء خطة نقل اللاجئين في غزة، وتوسيع السيطرة الاسرائيلية على منطقة الحدودبين سوريا والاردن – التي قد تمتد لاحقا، الامر الذي يثير مخاوف وشكوك الاردنيين، الى حوض اليرموك – تشكل بالنسبة لبلاده تهديدا امنيا خطيرا. وهذه هي المرة الاولى التي يرسم فيها ملك الاردن خريطة للتهديدات الاقليمية، تشمل هذه المناطق الجغرافية الثلاثة، التي يربط بينها جميعا السيطرة الاسرائيلية.
ويعكس الملك عبد الله رأي وموقف تشترك فيه كل دول المنطقة، التي تحذر، بشكل فردي أو مجتمعة، من سياسة اسرائيل. وقال الملك في الجمعية العمومية: “لا ينبغي لاحد في هذا المجلس ان يفترض ان طموحات اسرائيل تتوقف عن فلسطيني. فشهية التوسع لهذه الحكومة الاسرائيلية تشكل الان خطرا اقليميا. واليوم تعتبر سوريا بمثابة جرس انذار يتجاهله المجتمع الدولي”.
هذه ايضا هي المرة الاولى التي يتحدث فيها الملك عبد الله عن سياسة العقاب والاحتواء التي يلتزم المجتمع الدولي بتبنيها لدحر هذا الخطر. “السؤال الان هو هل سنتحرك؟. ففي نهاية المطاف لا ينبع التقاعس السياسي العالمي من نقص الخبرة. لذلك، دعونا نسمي الامور بمسمياتها: انه خيار مطروح. لدينا ادوات: العقوبات وتجميد الاصول والحظر والعزلة السياسية؛ ولدينا خبرة في استخدامها في اماكن اخرى. مع ذلك، عندما يتعلق الامر باسرائيل تنتهي القرارات حيث بدأت: على الورق. والنتيجة هي دولة تعمل بدون قيود”، قال الملك عبد الله.
الملك الاردني يتحدث وكأنه يتوق بشدة الى أي مبادرة دولية أو سياسية اخرى قد تقترحها حكومة اسرائيل، في حين الانفصال السياسي بين اسرائيل وبلاده واضح في كل المجالات تقريبا – باستثناء المجال العسكري والاستخباري، وفي مجالات مثل امدادات المياه والغاز التي تم النص عليها في الاتفاق بين الدولتين.
“لا اتذكر فترة اصعب واكثر توترا بين الدولتين منذ التوقيع على اتفاق السلام في العام 1994″، قال مسؤول سابق رفيع المستوى في الحكومة الاردنية لـ “هآرتس”، والذي كان مسؤول، ضمن امور اخرى، عن آلية التعاون. “لقد انتقلنا من وضع كان من المفروض ان يساهم فيه الاتفاق في تطوير العلاقات بيننا وتعزيز التطبيع الى نظام ادارة الاضرار ومنع التدهور. لقد تم استبدال مفهوم “الشراكة الاستراتيجية” الذي قامت عليه العلاقات بالعداء والريبة المتحكم بها. تتحدثون عن اتفاقيات ابراهيم، لكنكم تتخلون عن الدول التي وقعت بالفعل على اتفاق سلام معكم”.
توجد فجوة كبيرة بين الخريطة التهديدية التي يرسمها الملك عبد الله وقدرة الاردن على التعامل معها. يوجد الاردن في قلب منطقة تعمق فيها اسرائيل سيطرتها على جنوب سوريا، التي تشاهد اعادة تشكل مستمر؛ وتواصل ايران – التي هاجمت مرارا وتكرارا قواعد امريكية في اراضيها – تهديدها من الشرق؛ واصبح البحر الاحمر والحدود مع العراق جزء من حملة واحدة. يحتاج الاردن الى الولايات المتحدة للدفاع عن نفسه، والى سوريا لتحقيق الاستقرار على حدوده الشمالية، والى اسرائيل – حتى لو كان عبد الله يفضل عدم ذلك – لتوفير المياه والتعاون في مجالات اخرى.
الاردن ليس من بين دول الوساطة، سواء في الصراع مع ايران أو مع الحوثيين أو في غزة. لم يكن الاردن شريكا في “صفقة القرن” التي طرحها ترامب. وليس شريكا فاعلا في التحالفات العسكرية الاقليمية. في المشاورات مع دول المنطقة يعتبر الاردن دولة ضيفة أو مستضيفة، لكن ثقلها اقل بكثير من دول الخليج أو مصر. في نفس الوقت الحروب الاخيرة هي التي اعطت الاردن مكانة خاصة وعززت علاقاته مع الولايات المتحدة ودول المنطقة. كان الاردن شريكا فاعلا في تحييد الصواريخ والمسيرات التي اطلقت على اسرائيل في حزيران 2025، ايضا سمح مجاله الجوي بمرور الطائرات القتالية الامريكية في رحلاتها الى ايران. تتركز القوات العسكرية الامريكية على اراضيه بموجب اتفاق الدفاع المشترك من العام 2021، الذي يمنحها حق الوصول الى 12 منشأة وقاعدة عسكرية، بما في ذلك قاعدة موفق السلطي الجوية، التي تعتبر مركز لوجستي رئيسي للقوات الجوية الامريكية.
يتمتع الاردن بمكانة حليف رفيع المستوى من خارج حلف الناتو، وليس مجرد عدد من القواعد. اصبح الاردن ركيزة استراتيجية حيوية للولايات المتحدة، وبالتالي، لاسرائيل. لذلك فانه لاعب فاعل في تنفيذ السياسة الامريكية، بما في ذلك مشاركته في “خريطة الطريق” التي وضعتها القوة العظمى لتوحيد القوات الكردية مع الجيش السوري. وبالتنسيق مع الرئيس السوري احمد الشرع فان الاردن يعمل على تحييد تهريب المخدرات والسلاح من سوريا الى الاردن، وقد شن هجومين على الاقل في الاراضي السورية في محيط السويداء ودرعا، الامر الذي ادى الى الحاق الاضرار بمزارع انتاج المخدرات.
ايضا يطمح الاردن الى ان يكون جزء من نظام انبوب النفط البديل الذي سيتجاوز مضيق هرمز وايران، وقد بدأت مباحثات مع الحكومة العراقية لاحياء مشروع انبوب النفط الذي سيربط البصرة بميناء العقبة. يعتبر هذا المشروع ضخم، بمبلغ اولي يقدر بخمسة مليارات دولار، ويتوقع ان يتيح للعراق تصدير حوالي 2.25 مليون برميل نفط في اليوم. وقد اصبح ميناء العقبة نفسه طريق بديل لامداد العراق في السنة الماضية لنقل البضائع غير النفطية. وحسب بيانات وزارة التجارة الاردنية فقد ارتفعت التجارة البرية بين الدولتين باكثر من 150 في المئة.
بعد انقطاع استمر 33 يوم في امداد الغاز من اسرائيل بسبب الحرب، تم استئناف الامداد في شهر نيسان. وفي غضون ذلك وسع الاردن استخدامه للغاز المسال واقام منشأة غاز اخرى اضافة الى المنشأة القائمة، بطاقة انتاج محتملة تبلغ حوالي 20 مليون متر مكعب من الغاز في اليوم، وهذا لا يتجاوز بكثير متوسط الكمية التي كان يشتريها من اسرائيل قبل الحرب.
لم يتنازل الاردن عن الغاز الاسرائيلي (رغم الانتقادات السياسية والشعبية)، بل هو يعمل على تعزيز قدرته على عدم الاعتماد عليه. والاهم من ذلك انه حول الغاز المسال من خيار احتياطي طاريء الى خيار استراتيجي، حيث سيبيع حوالي 4 ملايين متر مكعب لسوريا و2 مليون متر مكعب للبنان (عند استكمال البنية التحتية). مع ذلك، ما زالت هذه الامكانية الاقتصادية الكامنة غير كافية لتلبية الاحتياجات الملحة التي تدفع الاردن باستمرار الى شفا ازمة اقتصادية.
ترتفع نسبة البطالة الى 21 في المئة تقريبا، ويتجاوز عجز الميزانية 5 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي، ويخصص حوالي خمس ميزانية الدولة، 18 مليار دولار تقريبا، لتسديد الدين. وقد بلغت فوائد الدين العام حوالي 89 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي. يضاف الى ذلك الضرر الذي لحق بالصادرات وفرع السياحة، الذي يساهم بحوالي 15 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي في البلاد بسبب الحرب. يعتمد الاردن بشكل كبير على القروض والمساعدات الخارجية التي تشكل حوالي ربع مداخيل البلاد، وتشكل هذه الارقام الصارخة واقعا يوميا صعبا، لا سيما بالنسبة للفئات الاقل حظا في المجتمع وفي المناطق الريفية.
على سبيل المثال، نشر في هذا الشهر تقرير عن عدد من العائلات التي تعيش في وادي الاردن، من المناطق الافقر في المملكة، حيث لا يتجاوز دخل العائلة 200 دينار في الشهر (حوالي 280 دولار امريكي)، وتواجه صعوبة في شراء القرطاسية والكتب لاولادها استعدادا للعودة الى المدارس. ولا تقتصر هذه المشكلات على الاردن وحده، بل هي تمتد الى المجال السياسي والمجال العام، وتشير الى الثمن الباهظ الذي ستدفعه اسرائيل اذا استمرت في ابعاد نفسها عن جارتها.
لم يعد الاردن دولة عربية تستطيع اسرائيل الاستغناء عنها. فهو اطول حدودها واكثرها هدوءا، وبوابتها الى سوريا والعراق، واحدى ركائز الوجود الامريكي في الشرق الاوسط. هكذا فانه تتسع الفجوة بين حاجة اسرائيل الى استقرار الاردن والعلاقات الدبلوماسية الفعلية معه، التي لم تكن في أي يوم اكثر هشاشة منذ اتفاق السلام، بل وحتى قبله. واذا لم تعد اسرائيل العلاقات مع المملكة الان فقد تكتشف بشكل متأخر ان اتفاق السلام مع الاردن قد انهار، لان الطرفين توقفا عن اعتباره مكسب.
——————————————
معاريف 29/9/2026
دور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط سيتغير، ووضع إسرائيل سيتأثر
بقلم: زلمان شوفال
تقف مكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط امام انعطافة، فيما أن النظام القديم آخذ في التآكل وذاك الذي سيحل محله لم ينضج بعد. ويشير المركز الأمريكي للبحوث الاستراتيجية والدولية الى أنه في نظرة الى الوراء، كان عدم الرد الأمريكي في 2019 على هجمة الحوثيين بدعم من ايران على منشآت النفط السعودية مثابة خط الفصل الذي أدى الى وهن النظام القديم.
بعد الحرب ضد ايران، التي ستنتهي بهذا الشكل أو ذاك، لن تكون العلاقات المتبادلة مثلما كانت ودول المنطقة تعمل، كل واحدة بطريقتها، كي تكيف نفسها مع الوضع المتغير. سيكون هناك من يرغب في ان يجد حلا في تسويات إقليمية على نمط الناتو، لكن كما تظهر تجربة الأيام الأخيرة في عدوان الحوثيين ضد السعودية، فان تسوية كهذه لم تثبت نفسها. هناك من يعملون على رفع قدرة الدفاع الذاتي لديهم، ربما حتى بمشاركة إسرائيل، وهناك من سيحاولون فتح صفحة جديدة مع ايران. وحتى في الولايات المتحدة توجد محافل يؤيدون ذلك.
سيحفظ للولايات المتحدة دور في المنطقة بسبب مصالحها وبسبب احتياجات أمن حلفائها. لكن الواقع الذي نشأ في الأشهر الأخيرة يعرض تقليلا ما في دورها وتغييرا في نقاط التشديد. عمليا، مجرد مفهوم “شرق أوسط” الذي يعود في الأصل الى الاستعمار الأوروبي، يتطلب تحديثا في ضوء التغييرات الجيوسياسية. ولعله من الأفضل بعامة الحديث عن جنوب – غرب آسيا. فإسرائيل هي شرق أوسطية وكذا أوروبية اكثر مما هي شرق أوسط.
لا يوجد أي جديد في القول ان سياسة الخارجية وسياسة الداخلية هما وجهان للعملة ذاتها، لكن في الولايات المتحدة ترامب هذا صحيح على نحو خاص. فمع أنه هو نفسه لم يلبي توقعات مؤيديه الأكثر تصميما في ابعاد أمريكا عن التدخل خلف البحر، فان ميل الانطواء الداخلي لم ينقضِ ولم سيستأنف بقوة اكبر مع حلول انتخابات منتصف الولاية القريبة وبخاصة بعد الانتخابات التالية للرئاسة، سواء خلف ترامب نائبه جيدي فانس ام سيفوز مرشح الحزب الديمقراطي. في هذا السياق لا يوجد فرق كبير من تصريحات السناتور اليساري المتطرف بيرني ساندرز كتصريحات رجل اليمين المتطرف تاكر تارلسون.
لدى إسرائيل، في كل حال، سيتأثر بذلك سلبا على صعيد العلاقات الأمنية والعلاقات الاستراتيجية الأخرى مع الولايات المتحدة. مبالغ فيه القول ان اليهود الكثيرين الذين يعيشون في الولايات المتحدة سيشكلون “رهائن” في التحولات المحتملة تجاه إسرائيل في السياسة الامريكية، لكن لا شك انهم طرف في الامر، ناهيك عن ان الأطراف المتطرفة في الحزبين مصابة باللاسامية. فما يعرف كتغيير بين الأجيال في موقف اليسار واليمين في الولايات المتحدة تجاه إسرائيل واليهود توجد جملة واسعة من الأسباب إضافة الى اللاسامية في صيغتها الكلاسيكية. التغيير الذي يتغذى أيضا بمبالغ هائلة من مصادر عربية يؤدي الى “اسقاط” كل مظالم المجتمع الأبيض على اليهود وعلى إسرائيل، بما في ذلك التجارة بالاجنة، التمييز بحق السود والنزعة الاستعمارية.
لقد جعلت صحيفة “نيويورك تايمز” نفسها عن وعي منبرا لمقالات وتقارير صحفية متحيزة ضد إسرائيل، وذلك أيضا لاجل الحفاظ على مدى انتشارها. وكما يقضي بحث البروفيسور عديئيل فينكر من جامعة ييل، فان “تقارير الصحيفة بعد 7 أكتوبر عرضت بمنهاجية الفلسطينيين كضحايا وإسرائيل كالمعتدي الحصري”. كما أن الصحيفة سارعت الى نشر مقالات لاسرائيليين حولوا جلدتهم، مثل المؤرخ عومر بارتوف الذي يقيم في الولايات المتحدة وكتب مؤخرا كتابا يتهم إسرائيل بالابادة الجماعية، او تحليلات مغرضة بموجبها 7 أكتوبر كان نتيجة عدم منح حق تقرير للفلسطينيين – وليس عملا كانت نيته وضع حد لحق تقرير المصير لليهود.
لقد احصى رئيس الوزراء نتنياهو في خطابه القاطع في الجمعية العمومية للأمم المتحدة بؤر الفساد اللاسامي واللااسرائيلي وفعل ما كان ينبغي للدعاية الإسرائيلية ان تفعله منذ زمن بعيد، لكن مشكوك ان تكون أقواله حظيت بالعطف المناسب لها في وسائل الاعلام. ومع ذلك توجد في الولايات المتحدة اليوم دوافع واسعة في المعسكرين السياسيين ترى في إسرائيل حليفا هاما، ليس فقط استراتيجيا بل وأيضا قيميا واخلاقيا.
إسرائيل ملزمة بان تجد سبل التعاون معها والمفتاح هو الجالية اليهودية. تأييد الافنجيليين وجهات مسيحية أخرى لإسرائيل هامة بالفعل لكنه ليس بديلا عن التأييد اليهودي، التأييد الواسع اليوم أيضا، 85 في المئة حسب استطلاعات أخيرة. غير ان هذا التأييد لا يحظى بموقف مناسب من جانب مؤسسات الدولة التي تواصل اتخاذ تمييز مؤسساتي ضد اغلبية اليهود في الولايات المتحدة ممن لا يعرفون أنفسهم ارثوذكسيين. هذا موضوع آخر للإصلاح بعد الانتخابات.
——————————————-
يديعوت 29/9/2026
نتنياهو: “كان رونين بار على علم بخطر حقيقي ولم يُحذّر منه”، بار: “رئيس الوزراء يكذب”
بقلم: ايتمار آيخنر
هجوم لاذع وغير مسبوق من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) السابق، رونين بار. فقد كتب نتنياهو أمس على حسابه في موقع “إكس” يقول انه “في الأسابيع الأخيرة، شنت وسائل الإعلام اليسارية حملةً خبيثةً ومضللةً لإلقاء اللوم على رئيس الوزراء نتنياهو في جميع إخفاقات رونين بار وجرائمه التي ارتُكبت مساء السابع من أكتوبر. “في ليلة السابع من أكتوبر، أجرى رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) رونين بار محادثاتٍ عديدةً مع رئيس الأركان آنذاك هرتسي هاليفي ورئيس شغبة الاستخبارات حليفا، ناقشوا خلالها جميع الدلائل الواضحة”.
وبعد اتهام بار صراحةً بارتكاب “جرائم”، تابع نتنياهو قائلاً: “على الرغم من ذلك، قرر رونين بار عدم الاتصال برئيس الوزراء وإطلاعه على آخر المستجدات، وعدم تنبيه وحدات الاستعداد وقوات الجيش الإسرائيلي في الميدان، وعدم إجلاء حزب نوفا، واكتفى بإرسال فريق صغير من “تيكيلا” (مما يثبت أنه كان على علمٍ بخطرٍ حقيقي).
“وراء هذه الافتراءات الدموية الكاذبة، تقف أيضاً دولٌ وعناصرٌ أجنبيةٌ معادية، من بينها دولٌ عربية، بهدف الإطاحة بحكومة نتنياهو اليمينية واستبدالها بحكومةٍ يساريةٍ – أحزابٍ عربية”. وهكذا يمكن تفسير تصريحات نتنياهو على أنها صدى لنظريات المؤامرة التي تزعم أن رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) آنذاك كان على علم مسبق بخطط حماس. في الإفادة التي قدمها بار إلى المحكمة العليا خلال جلسات إقالته، أشار بالتفصيل إلى هذه النظريات التي تزعم علمه المسبق بما سيحدث. وكتب في إفادته آنذاك: “لم نختبئ في السابع من أكتوبر. طلبتُ إطلاع رئيس الوزراء على آخر المستجدات في الساعة 5:15 صباحًا”. حتى في ذلك الحين، اتهم رئيس الوزراء نتنياهو بشكل غير مباشر بالمسؤولية عن الأكاذيب التي تزعم أن الجهاز كان لديه “علم مسبق”، وادعى أن “هذا كذب محض، بل هو تحريض مؤسسي ضدي وضد الجهاز”.
بار: “لقد حذرتُ في الوقت المناسب”
وأعلن بار، مساء أمس، عقب اتهامات نتنياهو غير المسبوقة، عزمه رفع دعوى تشهير ضد رئيس الوزراء، مطالباً بـ “الكشف عن الأدلة والوثائق المتعلقة بالمعلومات التي قُدّمت لرئيس الوزراء قبل 7 أكتوبر، والكشف عن جدول اجتماعات نتنياهو مع المؤسسة الأمنية والجهات الأجنبية، واستدعاء أعضاء مكتب نتنياهو ومساعديه للإدلاء بشهادتهم، ممن ساعدوه ولا يزالون يساعدونه في هذه الحملة التضليلية”.
وجاء في بيان صادر عن بار: “شنّ رئيس الوزراء نتنياهو حملة تحريضية جامحة، وتجاهلً للواقع، ضد الرئيس السابق لجهاز الأمن العام (الشاباك). وبعد رفضه الاعتراف بمسؤوليته لثلاث سنوات، ومنعه الجمهور من الوصول إلى لجنة تحقيق رسمية بكل السبل، بدأ بنشر أجزاء من الوثائق بطريقة تضليلية ومُنتزعة من سياقها. والآن، مع ظهور أدلة على التحذيرات التي تلقاها قبل المجزرة، يحاول صرف الأنظار عنه بإلقاء اللوم على من حذروه في الوقت المناسب”. ليس من المستغرب، كما سيتضح لاحقًا، أن بار، بصفته رئيسًا لجهاز الأمن العام (الشاباك)، قد حذر رئيس الوزراء من كارثة وشيكة بطريقة غير مسبوقة، وأن رئيس الوزراء تجاهل هذه التحذيرات، فضلًا عن التوصيات المتعلقة باستعادة الردع وتعزيز الحدود. وحتى الآن، كان رونين بار يعتقد أنه من الصواب انتظار تشكيل اللجنة التي بحتاجها الجمهور وعائلات الضحايا. إلا أنه لا يمكن السماح باستمرار سلسلة الأكاذيب. فالأكاذيب وتشويه الحقائق والتلاعب بالبروتوكولات ونشر معلومات مضللة للجمهور – هذا ما يفعله رئيس الوزراء في الوقت الذي بدأت فيه تتضح له حقيقة التحذيرات التي تلقاها قبل مجزرة 7 أكتوبر. لذلك، أصدر رئيس الشاباك السابق تعليماته لمحاميه برفع دعوى تشهير ضد رئيس الوزراء واستدعاء كل من قام بتشويه الحقائق وتزوير الوثائق ونشر معلومات كاذبة ومُسيئة ضده للإدلاء بشهادته. يدعو رونين بار رئيس الوزراء إلى الكشف الفوري عن جميع الوثائق، لكي يتسنى للجمهور الاطلاع على الحقيقة كاملةً دون تلاعب.
وفي ختام البيان، جاء التوضيح: “إنّ رفع دعوى تشهير، وما يتبعها من كشف الحقيقة، أمران بالغا الأهمية لحماية ذكرى الشهداء، وكرامة عناصر جهاز الأمن العام (الشاباك) الذين يقاتلون في الخفاء منذ ثلاث سنوات، وكشف الحقيقة التي يحاول رئيس الوزراء تشويهها عبر حملة تحريضية ضد رؤساء المؤسسة الأمنية. فالنصر يتحقق بهجوم استباقي على العدو في الخارج، لا على قوات الأمن في الداخل”.
وأثارت اتهامات نتنياهو غضب المقربين من بار، الذي صرّح الليلة الماضية: “في ضوء سلسلة الكشوفات حول التحذيرات التي تلقاها نتنياهو قبل السابع من أكتوبر من قادة دول المنطقة ورؤساء الأجهزة الأمنية، يفقد نتنياهو أعصابه مجدداً ويتنصل من المسؤولية وكأنه لم يكن رئيساً للوزراء طوال السنوات الخمس عشرة التي سبقت المجزرة”. نأمل في تشكيل لجنة تحقيق في أسرع وقت ممكن لدراسة الأحداث التي سبقت ذلك اليوم المشؤوم، في السنوات والأشهر والأيام التي سبقته، دون تحيز، ولصالح الأجيال القادمة. لم يتحدث رونين بار مع أي من رؤساء المؤسسة الأمنية، كما يدّعي نتنياهو. تم اطلاع الأمانة العسكرية لرئيس الوزراء في الساعة الثالثة صباحًا. يعلم رئيس الوزراء أن “التكيلا” هي السلطة التي يمتلكها رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك)، ويتم إرساله عند وجود أي خطر. نتنياهو يحتقر الحقيقة والموتى للتهرب من مسؤوليته عن الأحداث.
آيزنكوت: “نتنياهو خطر على إسرائيل”
كما تطرق غادي آيزنكوت، رئيس “يشار! ورئيس الأركان الأسبق، إلى الاتهامات التي وجهها رئيس الوزراء لبار الليلة الماضية قائلاً: “لقد فقد نتنياهو صوابه. كل دقيقة يقضيها في منصبه تشكل خطراً على مواطني إسرائيل والمجتمع الإسرائيلي. يتصرف رئيس الوزراء الفاشل كشخص منحرف مهووس بمحاولة الكذب وإخفاء كيف تسبب في تدهور أوضاعنا بسبب كوارث إسرائيل. لا يتردد نتنياهو في نشر الأكاذيب المسمومة، ونظريات الخيانة الخطيرة في محاولة يائسة للتنصل من المسؤولية، والتحريض ضد عائلات الناجين المختطفين والأسرى. وبذلك، يمزق إسرائيل من الداخل – عن قصد وبخبث. تلقى مكتب رئيس الوزراء تحذيرات وتوصيات للقيام بعمليات اغتيال، تجاهلها في الأشهر والأسابيع السابقة، ومعلومات استخباراتية في تلك الليلة أيضاً! إنه يعلم الحقيقة. إنه يعلم أنه مسؤول عن 20 عاماً من السياسة، ومسؤول عن تقوية حماس، ومسؤول عن فشل وكارثة 7 أكتوبر. إنه خائف، إنه كاذب.” وهو يشكل خطراً بالغاً على دولة إسرائيل. لا يوجد خط أحمر لا يرغب في تجاوزه لإنقاذ نفسه.
——————————————-
معاريف 29/9/2026
التاريخ حسب نتنياهو
بقلم: افي اشكنازي
نفي رئيس الوزراء نتنياهو تحذيرات ما قبل مذبحة 7 أكتوبر غير ذي صلة. بداية، مستوى مصداقية نتنياهو معروف، وعليه ينبغي الفحص الجيد لكل قول له، حتى لو كان ينفي نشرا كهذا او ذاك. ثانيا، معروف انه كانت إنذارات علنية على نحو جسيم قبل 7 أكتوبر – في شهري تموز – آب 2023 طلب رئيس الأركان الفريق هرتسي هليفي اللقاء مع رئيس الوزراء كي يعرض عليه صورة الوضع حول المس بتأهيل الجيش الإسرائيلي حول تشريع تقليص علة المعقولية، لكن توجهه رفض او لم ينسق في الوقت المناسب. كما أن رجال وزير الدفاع يوآف غالنت توجهوا في حينه لتنسيق لقاءات مشابهة، رفضت.
وكان انذار من رئيس المعارضة يئير لبيد قبل أسبوعين من الهجوم، حين خرج الى وسائل الاعلام في الزمن الحقيقي وحذر. الى هذا ينبغي ان تضاف شهادات غالنت من الآونة الأخيرة والتي روى فيها ضمن أمور أخرى بانه في الأسابيع ما قبل المذبحة وصلت من حماس الى المخابرات رسالة تقول ان يحيى السنوار يخطط “لهز السجون”. وبزعمه، في جهاز الامن فسروا هذا في الزمن الحقيقي كرسالة ترتبط باختطاف اليزابيت تسوركوف وليس كتحذير من هجوم واسع. وأشار غالنت الى أن المستوى السياسي تلقى تحذيرات وانذارات مباشرة من مصر ومن اتحاد الامارات قبل الهجوم، لكنه أضاف بانه سمع عن هذا من وسائل الاعلام. كما وصف عدم نقل هذه المعلومات الى جهاز الامن، اذا ما حصل هذا حقا، كـ “خلل خطير جدا في تقويم الوضع العام”.
نتنياهو ليس جنتلمان. هو مجرد متفرغ سياسي. بعد مذبحة 7 أكتوبر، بعد كارثة فظيعة بهذا القدر، حدث كان سيتسبب في كل مكان في العالم بتغيير من الأساس لمنظومات الدفاع والحكم، كان متوقعا ممن كان يقف على راس المنظومة السياسية والأمنية لدولة إسرائيل ان يضع المفاتيح ويخلي المكان. لا يدور الحديث هنا عن موضوع سياسي بل عن قول جماهيري هو الأكثر أساسية. هكذا يعملون في كل منظومة سليمة النظام. فضلا عن ذلك كان متوقعا أيضا تشكيل لجنة تحقيق رسمية تحقق وتجد مواضع الخلل وتعمل على اصلاح الإخفاقات كي لا تحصل كارثة كهذه لنا بعد يوم، شهر، سنة او خمسين سنة.
في مدرس ضباط الجيش الإسرائيلي “بهد 1” يتعلمون سلسلة من قواعد الإدارة والقيادة. الامر الأساس هو فحص كل الوقت من أن المهام التي تنزل الى تحت تنفذ. يسمون هذا بكلمة واحدة: رقابة. رئيس الوزراء، ولا يهم من هو – من الجانب اليميني او اليسار من الخريطة السياسية – ملزم فقط بامر واحد: أمن إسرائيل. رئيس وزراء مهني ملزم بان ينزل الى التفاصيل. بخاصة عشية الأعياد. هو ملزم بان يصل الى كل واحدة من جبهات القتال: غزة، الضفة، لبنان، الحدود الشرقية، سوريا. ان يسأل المستويات الميدانية وان يحس الوضع وفقط عندها يتخذ القرارات.
صحيح، هذا صعب، هذا ليس لامعا، بل وحتى قاتم. ثمة من سيقول ان دور رئيس الوزراء ليس ان يفحص الماء في قناني المقاتلين ولا الرصاصات في مخازن البنادق. صحيح، لكن دوره بالفعل هو ان يطرح الأسئلة عن كم كتيبة توجد في كل ساحة، ما هي التهديدات، ما هو مدى الجاهزية ومتى أجريت تدريبات للفرق أو للالوية. كل مسألة هل كانوا ايقظوه او لم يوقظون في الليل، هذه احبولة من نتنياهو. والان ينشغل رئيس الوزراء في تركيب الرواية حول مسؤوليته عن الإخفاق الأكبر في تاريخ دولة إسرائيل منذ قيامها. لكن هذا حقا لا يغير في الامر كثيرا. هو كان رئيس وزراء – وعليه المسؤولية العامة.
—————-انتهت النشرة—————–

