المسار : يبدو أن الحديث عن انتخابات تشريعية فلسطينية في المرحلة الراهنة أقرب إلى الأمنيات السياسية منه إلى الاستحقاق الانتخابي الذي يسير على الأرض. ولذلك، فليريح بعض الناشطين أنفسهم، وليتوقفوا عن الحراك والجدل وكأن صناديق الاقتراع ستُفتح غداً، لأن المعطيات السياسية والميدانية لا تشير، حتى هذه اللحظة، إلى وجود انتخابات تشريعية وشيكة.
وليس هذا استنتاجاً مبنياً على عامل واحد، وإنما على مجموعة من المعطيات السياسية والأمنية والوطنية التي تجعل إجراء الانتخابات في هذه الظروف أمراً بالغ التعقيد.
أين القائمة الرئيسية لفتح؟
إذا كانت الانتخابات التشريعية على الأبواب فعلاً، فأين القائمة الرئيسية لحركة فتح؟ وأين الاستعدادات الجدية لخوض الانتخابات؟ ولماذا لا نرى حراكاً واضحاً باتجاه لجنة الانتخابات المركزية لإعداد القوائم وترتيب الاستحقاقات الانتخابية؟
في المقابل، هناك فصائل وتيارات سياسية سجلت حضورها لدى لجنة الانتخابات المركزية، وتتحرك في هذا الاتجاه، بينما تبدو القائمة الرئيسية للحركة الأكبر في النظام السياسي الفلسطيني غائبة عن المشهد الانتخابي.
وهذا الغياب بحد ذاته يحمل دلالات سياسية لا يمكن تجاهلها.
كما تتداول أوساط سياسية وفتحاوية حديثاً عن مواقف داخلية في اجتماعات مغلقة للجنة المركزية والمجلس الثوري لحركة فتح، تفيد بعدم وجود قرار فعلي بإجراء انتخابات تشريعية في هذه المرحلة. وبطبيعة الحال، تبقى هذه المواقف في إطار المعلومات المتداولة ما لم يصدر موقف رسمي واضح.
الاحتلال أولاً… والانتخابات ليست أولوية المواطن
كيف يمكن أن نتحدث عن انتخابات بينما الاحتلال الإسرائيلي ينتهك المدن والقرى والمخيمات والشوارع والأحياء والأزقة الفلسطينية؟
كيف نتحدث عن الحملات الانتخابية بينما المستوطنون يواصلون اعتداءاتهم على المواطنين وأراضيهم وممتلكاتهم وأشجارهم؟
ثم كيف يمكن أن نطلب من المواطن أن يذهب إلى صندوق الاقتراع بينما السلطة الفلسطينية نفسها عاجزة عن توفير الحماية للمواطن في شارع أو زقاق أمام آلة الاحتلال والمستوطنين؟
هذه ليست أسئلة انتخابية فقط، بل أسئلة تتعلق بأولوية المرحلة كلها.
فالمواطن الفلسطيني اليوم يريد الأمن قبل الصندوق، ويريد أن يعيش بأمان قبل أن يختار ممثليه.
القدس… حجة لم تعد مقنعة
هناك أيضاً قضية القدس.
قد يقال إن عدم وضوح إمكانية مشاركة القدس يمثل عقبة أمام الانتخابات. لكن هل ما زالت هذه الحجة كافية في عصر التكنولوجيا والانتخابات الإلكترونية ووسائل الاتصال الحديثة؟
إذا كانت الإرادة السياسية موجودة، فمن الممكن البحث عن آليات تضمن مشاركة المقدسيين، أو على الأقل طرح حلول عملية بدلاً من تحويل قضية القدس إلى ذريعة لتعطيل الاستحقاق الانتخابي.
فالقدس ليست تفصيلاً انتخابياً، وإنما هي جوهر القضية الفلسطينية، والمطلوب أن تكون حاضرة في أي استحقاق وطني، لا أن تتحول إلى سبب لإلغاء الاستحقاق.
غزة… المواطن يبحث عن الخبز لا عن بطاقة الاقتراع
أما قطاع غزة، فالقضية أكثر تعقيداً.
المواطن الذي هُجّر من منزله، ودُمّر بيته، واستشهد أفراد من عائلته، ويعيش في ظروف إنسانية قاسية، وقد يتجمع في مناطق الجنوب أو في مراكز النزوح، هل ستكون الانتخابات بالنسبة إليه هي الأولوية؟
إذا كان المواطن الغزي المهجّر سيجد نفسه في منطقة مثل دير البلح أو غيرها، بعيداً عن بيته ومنطقته الأصلية، فكيف ستُدار العملية الانتخابية؟ وكيف سيجري توزيع المراكز؟ وكيف ستضمن مشاركة مواطن يعيش وسط مأساة إنسانية غير مسبوقة؟
هذا المواطن لا يبحث أولاً عن المرشح أو القائمة.
إنه يبحث عن الماء والخبز والدواء والمأوى والأمان.
هرم ماسلو يقول لنا أين تبدأ الأولويات
ولمن يريد أن يفهم المسألة بعيداً عن الحسابات السياسية، فلنعد إلى هرم ماسلو للحاجات الإنسانية.
الأولوية تبدأ بالحاجات الأساسية: الأمن، الغذاء، الماء، المأوى، ثم تأتي بعد ذلك الاحتياجات الأخرى.
فكيف نطلب من شعب يعيش تحت الاحتلال والقصف والتهجير والاعتداءات أن يجعل الانتخابات التشريعية في رأس قائمة اهتماماته؟
المواطن الفلسطيني اليوم لديه أولوية واحدة تكاد تختصر كل الأولويات:
أوقفوا النزيف الفلسطيني أولاً.
أوقفوا القتل والتهجير والاعتداءات، احموا المواطن، احموا الأرض، وفروا لقمة العيش، وبعد ذلك تحدثوا عن الانتخابات.
ولماذا تشريعية فقط؟
ثم هناك سؤال سياسي آخر لا يقل أهمية:
لماذا انتخابات تشريعية فقط؟
إذا كان المطلوب إعادة تجديد الشرعيات السياسية الفلسطينية، فلماذا لا تكون هناك انتخابات رئاسية وتشريعية معاً؟
وإذا كانت الظروف لا تسمح بالانتخابات الرئاسية، فلماذا تسمح بالانتخابات التشريعية؟
أما أن ننتقي استحقاقاً انتخابياً ونترك الآخر، فهذا يحتاج إلى تفسير سياسي واضح ومقنع للشعب الفلسطيني.
الضغوط الخارجية لا تصنع انتخابات وطنية
صحيح أن هناك حديثاً عن ضغوط دولية وإقليمية وأوروبية على السلطة الفلسطينية لإجراء انتخابات، لكن الانتخابات الفلسطينية لا ينبغي أن تكون نتيجة ضغط خارجي.
الانتخابات، إن جرت، يجب أن تكون قراراً وطنياً فلسطينياً، وتستند إلى توافق سياسي ومجتمعي، وإلى بيئة تسمح للمواطن بالمشاركة بحرية وأمان.
أما أن تأتي الانتخابات استجابة لضغوط من هنا أو هناك، بينما يعيش الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال والحرب والتهجير، فذلك يطرح أسئلة أكثر مما يقدم إجابات.
الحوار الوطني قد يكون المخرج
ربما يكون المخرج الحقيقي في هذه المرحلة هو إطار حواري فلسطيني شامل تشارك فيه الفصائل والقوى والتيارات السياسية والمستقلون، للاتفاق أولاً على شكل المرحلة المقبلة وأولوياتها، وعلى مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وعلى الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وعلى آليات مشاركة القدس وغزة والضفة.
لكن حتى هذا الإطار الحواري لا يزال غير واضح المعالم حتى اللحظة.
ولهذا كله، فإن عنوان المرحلة الحالية، في تقديري، ليس:
“الانتخابات التشريعية قادمة”.
بل العنوان الأكثر واقعية هو:
لا توجد انتخابات تشريعية في الأفق المنظور.
ومن يريد أن يخوض الانتخابات، فليستعد، ولكن لا يحوّل الاستعداد إلى حقيقة سياسية قائمة.
فالفلسطيني اليوم أمام معركة أكبر بكثير من صندوق الاقتراع: معركة البقاء على الأرض، وحماية الإنسان، ووقف نزيف الدم، والحفاظ على ما تبقى من الوطن.
وبعد أن تتوفر الظروف الوطنية والسياسية والأمنية، يمكن أن نذهب إلى صناديق الاقتراع
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار

