المسار: يوم تلو آخر تنشر عناوين رئيسية مثل: “مستوطنون يهاجمون قاطفي الزيتون ويسرقون المحاصيل في قرى كثيرة في الضفة الغربية؛ والجيش الاسرائيلي يمنع قطف الزيتون” (مثال على ذلك ما نشره متان غولان في موقع “هآرتس” بعد ظهر يوم السبت). ليس حفنة فقط هي المسؤولة عن هذا الروتين، بل الشعب بأكمله. وليسمح لي النشطاء الذين يحاولون بجهد سد الثغرة التي تتسع في السد المتهالك. فباستثنائهم لا يوجد أي احد في الشعب اليهودي في اسرائيل غير متورط.
اذا لم يسرق من اختارهم الله ومن ينتخبون بتسلئيل سموتريتش وايتمار بن غفير الزيتون، فانهم يسرقون العنب والشعير، بل ويسرقون كروم وحقول بالكامل. واذا لم يسرقوا فهم ينهبون قطيع آخر من الفقراء، تحت حماية عسكرية كاملة. واذا لم يطلقوا النار يقومون بضربهم بالعصي، واذا لم يضربوهم بالعصي هو يضربونهم بقضبان الحديد. ان استمتاع من يرتكبون جرائمهم علنا مع وجود كاميرات، يستقبل بموافقة ضمنية أو لامبالاة أو تجاهل من قبل الاغلبية.
في العام 2008 تم اضافة بند جديد لقانون العقوبات في اسرائيل ينص على أن الشخص يجوز له اطلاق النار والقتل من اجل الدفاع عن ممتلكاته، سواء كان بيت أو محل تجاري أو مزرعة، وبما في ذلك المرعى. يعرف هذا البند باسم “قانون شاي درومي” نسبة الى مزارع من النقب اطلق النار على بدوي اعتدى على ارضه وقتله. وقد دفع قدما للقانون الاسرائيلي هذه الاضافة وزير الدفاع الحالي اسرائيل كاتس. بعد ذلك قامت المحكمة بتبرئة درومي من تهمة القتل غير المتعمد، لانها اعترفت بحقه في الدفاع عن ممتلكاته، ووافقت على ذريعة ان عملية الاقتحام كانت متكررة.
في العام 2025 بلغ عدد “امثال درومي” في الضفة الغربية 1836 شخص على الاقل، وهذا هو عدد الهجمات التي نفذها اليهود ضد الفلسطينيين في تلك السنة، والتي تسببت باصابات بالارواح والاجساد والنباتات والحيوانات والممتلكات. وفي الفترة بين كانون الثاني و20 ايلول 2026 تمكن المتسللون اليهود من ايذاء أكثر من 1700 فلسطيني. ولكن عندما يكون شاي درومي هو فلسطيني فان الممارسة العسكرية تحظر عليه الدفاع عن نفسه. بل على العكس تماما، الويل لمن حاولوا الدفاع عن ابناء عائلاتهم وجيرانهم وممتلكاتهم، مثل فاروق رمضان من قرية تل. فقد قتل هو الاخر على يد مسلح يهودي، ووصف بأنه “ارهابي”. وتمت معاقبته مرة اخرى بعد موته. فقد تم هدم بيته واعتقال اشخاص آخرين في القرية.
منذ العام 2006 وثقت الامم المتحدة سلسلة الهجمات التي ينفذها يهود يلتزمون تماما بالفرائض الدينية، ضد الفلسطينيين، ومن بينهم البدو. بلغ عدد الهجمات التي قمنا باحصائها 117 هجوم، وخلال عشر سنوات تذبذب العدد بين الارتفاع والهبوط. وبلغت اعمال الشغب رقم قياسي مؤقت في 2011، حيث نفذ المشاغبون 423 هجوم. انا ما زلت اتذكر حالة الذعر والاستغراب التي سادت في المؤتمر الصحفي الذي تم عرض هذا الرقم فيه. في ذلك الحين، مثلما هي الحال اليوم، لم يشمل هذا الرقم الا الهجمات التي قتل فيها اشخاص أو تم تخريب ممتلكات أو كليهما. ولم يشمل التي اقتصرت على مجرد اقتحام وتهديد مخيف. ومنذ العام 2016، عندما بلغ عدد الهجمات فقط 96 هجوم لم يتوقف تواتر هذه الهجمات عن الارتفاع.
تخيلوا 1500 هجوم في السنة ضد اليهود في نيويورك. تخيلوا 300 هجوم مشابه في برلين. كلها موثقة. يا لها من ضجة، ويا له من اضطراب الذي كان سيحدث، وكم كان سيكون حثيثا التحرك من جانب الجهات المسؤولة. ولكن في بلادنا تعبر الهجمات والجرائم عن ارادة الدولة العميقة الاستيطانية. انها استمرارية امينة لارثها. ان التخلي الحقيق عن هذه الممارسات يتطلب اعادة النظر في كل تاريخنا.
ليس الاعلام الاسرائيلي هو المسؤول عن التستر على الجرائم الصارخة، بل الشعب اليهودي في اسرائيل الذي يرفض ان يضعضع سلامه، باستثناء قلة قليلة. المحررون ليسوا وحدهم الذين يقررون ان الانتهاكات الروتينية التي يرتكبها اليهود ضد الفلسطينيين لا تتجاوز عتبة الخبر، بل خوارزمية نسبة المشاهدة التي تخضع لصوت الجمهور. وليس اصحاب قنوات التلفزيون وحدهم هم الذين يحددون التسلسل الهرمي، بل الذين يتلوون. وسائل الاعلام لا تخون وظيفتها لانها بالاجمال هي تستمع لارادة الشعب، وارادة الشعب والمشاهدون هي الاستمتاع بالتضحية المستمرة والتحليق على اجنحة بطولات قادتهم والانتقال الى الفيلات مع المناظر الخلابة.
الروتين يتفاقم يوم تلو آخر ويرفع سقف التعود الى مستوى اعلى. السادية تتفشى، ولا تهدأ ولا تتوقف، في الليل والنهار. اموال ضرائبنا تمولها وتمول القضاة ورجال الشرطة والجنرالات والمحامين والجنود الذين مكنوا من هذا الروتين وما زالوا. الجميع متورطون باستثناء قلة قليلة. اسألوا هل المتقاعدون والمرضى وسكان دور رعاية المسنين متورطون ايضا؟ نعم، لانهم قبل ان يصبحوا هكذا كان يمكنهم وقف هذه السادية، ولكنهم لم يفعلوا ذلك. أليس هذا كلام قاس؟ اذهبوا الى المرضى والمصابين في غزة الذين يموتون ببطء بسبب نقص الادوية وعدم امكانية السفر الى الخارج لتلقي العلاج، وستتعلمون منهم معنى القسوة. اسألوا وهذا من حقكم، هل الرضيع اليهودي متورط، الذي يبتسم والده ووالدته اللذان استقرا في مزرعة موجودة في منطقة طرد منها اصدقاءهم سكان تجمع بدوي. هذا سؤال صعب، ستجدون الاجابة عليه في اطفال غزة الذين قتلهم طيارونا.

