المسار : بعد نحو 17 عاما على هجوم أودى بحياة 13 شخصا داخل قاعدة عسكرية أميركية، عاد اسم الطبيب النفسي العسكري السابق من أصول فلسطينية، نضال مالك حسن، إلى الواجهة عقب موافقة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على تنفيذ حكم الإعدام الصادر بحقه رميا بالرصاص.
وقد أعلن الجيش الأميركي في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري تحديد تاريخ الثالث من كانون الأول/ ديسمبر المقبل موعدًا لتنفيذ الحكم بحق حسن (56 عاما)، بواسطة فرقة إعدام عسكرية داخل قاعدة “فورت هود” بولاية تكساس، وهي القاعدة ذاتها التي شهدت الهجوم عام 2009، وأن ينفذ الإعدام عند الساعة الواحدة ظهرا بالتوقيت المحلي.
وأوضح الجيش أن ترامب وافق على حكم الإعدام في الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، بعد استكمال إجراءات الاستئناف القضائي العسكري وبناء على توصية وزير الدفاع، بيت هيغسيث، فيما أصدر وزير الجيش بالإنابة، آدم تيل، توجيهًا في السادس من الشهر نفسه بتنفيذ الحكم.
وفي حال تنفيذ الحكم، سيكون أول إعدام ينفذه الجيش الأميركي منذ 65 عامًا، وأول إعدام عسكري رميًا بالرصاص منذ الحرب العالمية الثانية.
النشأة والأصول الفلسطينية
وُلد نضال مالك حسن في الثامن من أيلول/ سبتمبر 1970 بمقاطعة أرلينغتون في ولاية فرجينيا الأميركية، لوالدين فلسطينيين مهاجرين من مدينة البيرة في الضفة الغربية.
ونشأ حسن في أسرة مسلمة وكان الأكبر بين 3 أشقاء، قبل أن تنتقل أسرته إلى منطقة رونوك بولاية فرجينيا، حيث تخرج في مدرسة وليام فليمينغ الثانوية عام 1988.
وتوفي والده عام 1998، ثم والدته عام 2001، قبل سنوات من الهجوم الذي نفذه داخل قاعدة “فورت هود”.
وبعد إنهاء دراسته الثانوية التحق حسن بالجيش الأميركي، ودرس الكيمياء الحيوية في جامعة فرجينيا للتكنولوجيا حيث حصل على درجة البكالوريوس بمرتبة الشرف.
ثم تابع دراسة الطب في جامعة الخدمات الصحية الموحدة للعلوم الصحية، وهي مؤسسة تعليمية عسكرية أميركية، وتخرج فيها عام 2003.
وتخصص حسن في الطب النفسي، وأكمل تدريبه الطبي في مركز “والتر ريد” العسكري، كما حصل لاحقًا على درجة الماجستير في الصحة العامة.
وفي عام 2009، ترقى إلى رتبة رائد بالجيش، ونُقل إلى قاعدة “فورت هود” بولاية تكساس، في وقت كان يستعد فيه لاحتمال إرساله إلى أفغانستان ضمن القوات الأميركية.
مراسلات العولقي
وخلال عمله في مركز “والتر ريد” الطبي العسكري، أثارت مواقف حسن وتصريحاته قلق بعض زملائه ورؤسائه، ولا سيما بشأن مشاركة الجنود المسلمين في الحروب الأميركية بالعراق وأفغانستان.
وبحسب تقارير ودراسات متخصصة، تجاوز عدد المدنيين الأفغان الذين قُتلوا خلال العدوان الأميركي على أفغانستان 38 ألف شخص، إضافة إلى مقتل آلاف من عناصر طالبان وأفراد الجيش والشرطة الأفغانيين.
وفي العراق، تشير تقديرات إلى أن عدد القتلى جراء الغزو الأميركي وما أعقبه من أعمال عنف تجاوز 200 ألف شخص، فيما قدرت دراسات أخرى الحصيلة بنحو نصف مليون قتيل.
ووفق تحقيق أجرته لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية بمجلس الشيوخ الأميركي بشأن هجوم “فورت هود”، قدّم حسن خلال تدريبه الطبي عام 2007 عرضًا أكاديميًّا تناول فيه قضايا تتعلق بمشاركة المسلمين في الجيش الأميركي.
وتضمن العرض اقتراحًا بالسماح للعسكريين المسلمين بعدم المشاركة في الحروب لأسباب تتعلق بمعتقداتهم، وهو ما أثار تساؤلات بشأن مواقفه لدى بعض المسؤولين عن تدريبه.
وفي موازاة ذلك، كشفت تحقيقات أميركية عن مراسلات إلكترونية بين حسن والداعية الأميركي من أصل يمني، أنور العولقي، الذي ارتبط بتنظيم “القاعدة في جزيرة العرب”.
وبحسب تقرير لجنة مستقلة برئاسة المدير الأسبق لمكتب التحقيقات الفيدرالي، وليام ويبستر، بدأت المراسلات المرصودة بين حسن والعولقي في السابع عشر من كانون الأول/ ديسمبر 2008، واستمرت حتى حزيران/ يونيو 2009.
وتناولت بعض الرسائل مسائل دينية متعلقة بالقتال ومشاركة المسلمين في القوات الأميركية، فيما خضعت الاتصالات لمراجعة مكتب التحقيقات الفيدرالي قبل الهجوم.
وكان حسن قد ارتاد في وقت سابق مسجد (دار الهجرة) بولاية فرجينيا، خلال الفترة التي عمل فيها العولقي إمامًا بالمسجد.
وبعد هجوم “فورت هود”، أشاد العولقي بحسن عبر موقعه الإلكتروني ووصفه بالبطل، وفق تقارير إعلامية نشرت آنذاك.
ورغم ذلك، لم تثبت المراسلات بمفردها أن العولقي أصدر أمرًا مباشرًا إلى حسن بتنفيذ الهجوم.
هجوم “فورت هود”
في الخامس من تشرين الثاني/ نوفمبر 2009، دخل حسن مركزًا لتجهيز الجنود داخل قاعدة “فورت هود” العسكرية بولاية تكساس، حيث كان عسكريون يستعدون للانتشار في مهمات خارج الولايات المتحدة.
وفتح النار على الموجودين مستخدمًا مسدسًا شبه آلي، في هجوم أسفر عن مقتل 13 شخصًا وإصابة 32 آخرين.
وخلال الواقعة، أصيب حسن برصاص الشرطة التي تدخلت لوقف إطلاق النار، ما تسبب في إصابته بالشلل.
وصُنّف الهجوم ضمن أكثر حوادث إطلاق النار دموية داخل منشأة عسكرية أميركية، وأثار تساؤلات واسعة بشأن تعامل المؤسسات العسكرية والأمنية مع المؤشرات التحذيرية التي سبقت وقوعه.
وخلصت تحقيقات لاحقة إلى وجود قصور في تعامل بعض الجهات مع المعلومات المتاحة عن حسن قبل الهجوم، ولا سيما مراسلاته مع العولقي.
المحاكمة والحكم بالإعدام
مثل حسن أمام محكمة عسكرية أميركية في شهر آب/ أغسطس عام 2013، حيث تولى الدفاع عن نفسه وأقر بأنه منفذ إطلاق النار.
وقال خلال إجراءات المحاكمة إنه غير الجانب الذي يقف معه في النزاع، في إشارة إلى معارضته مشاركة القوات الأميركية في الحروب ضد المسلمين.
وفي الثالث والعشرين من الشهر نفسه أدانته المحكمة العسكرية، بارتكاب جرائم قتل عمد وشروع في القتل مرتبطة بالهجوم.
وبعد خمسة أيام وتحديدًا في الثامن والعشرين من آب/ أغسطس، أصدرت هيئة المحلفين العسكرية حكمًا بالإعدام بحقه.
وأمضى حسن السنوات اللاحقة في سجن “فورت ليفنوورث” العسكري بولاية كانساس، في انتظار انتهاء مراجعة الحكم والطعون القضائية.
وفي الحادي والثلاثين من آذار/ مارس 2025 رفضت المحكمة العليا الأميركية طلبه مراجعة إدانته العسكرية، قبل أن يوافق ترامب في تشرين الأول/ أكتوبر 2026 على تنفيذ حكم الإعدام الصادر بحقه قبل 13 عامًا.
لماذا عاد ملف الإعدام إلى الواجهة؟
بعد سنوات من الإجراءات القضائية، وافق ترامب في الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري على تنفيذ حكم الإعدام بحق حسن، بناء على توصية وزير الدفاع هيغسيث.
وفي السادس من الشهر الجاري، أصدر وزير الجيش بالإنابة، آدم تيل، توجيهًا بتنفيذ الحكم رميًا بالرصاص في قاعدة “فورت هود”، وحدد موعد التنفيذ في الثالث من كانون الأول/ ديسمبر المقبل.
وبحسب بيان الجيش الأميركي، يتمتع الرئيس بسلطة الموافقة على أحكام الإعدام الصادرة بحق العسكريين، فيما يحدد وزير الجيش موعد التنفيذ وفقًا للّوائح المنظمة لهذه الإجراءات.
ورغم انتهاء مراحل الاستئناف العسكري ورفض المحكمة العليا مراجعة القضية، لا يزال بإمكان حسن تقديم طعون أمام القضاء الفيدرالي المدني، قد تؤدي إلى تأجيل التنفيذ.
أول إعدام عسكري منذ 65 عامًا
إذا نُفذ الحكم في موعده، فسيكون أول إعدام ينفذه الجيش الأميركي منذ الثالث عشر من نيسان/ أبريل 1961، عندما أُعدم الجندي جون بينيت شنقًا بعد إدانته بالاغتصاب ومحاولة القتل.
كما سيكون أول إعدام عسكري أميركي رميًا بالرصاص منذ عام 1945، عندما أُعدم الجندي إيدي سلوفك بتهمة الفرار من الخدمة العسكرية خلال الحرب العالمية الثانية.
ولا يعني ذلك توقف تنفيذ أحكام الإعدام في الولايات المتحدة طوال هذه الفترة، إذ استمرت السلطات المدنية في تنفيذها، أما الجيش فلم ينفذ أي حكم بالإعدام منذ عام 1961.
جدل بشأن بث الإعدام مباشرة
أثار قرار تنفيذ الحكم بحق حسن جدلًا إضافيًّا بعدما أعلن وزير الدفاع اعتزام البنتاغون إتاحة مشاهدة عملية الإعدام مباشرة للجمهور.
وأكد مسؤول في البنتاغون في الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري أن الجيش يعتزم بث تنفيذ الحكم، في خطوة ستكون غير مسبوقة في تاريخ الإعدامات العسكرية الأميركية الحديث.
ودافع هيغسيث عن الخطة وبرّر ذلك بزعمه أن إظهار تنفيذ العقوبة يهدف إلى توضيح العواقب التي تنتظر مرتكبي جرائم مماثلة.
غير أن الإعلان أثار اعتراضات من شخصيات دينية وحقوقية وسياسية أميركية، حذرت من تحويل تنفيذ حكم الإعدام إلى مشهد استعراضي.
وكان بين المنتقدين رئيس مؤتمر الأساقفة الكاثوليك الأميركيين، بول كوكلي، الذي رفض فكرة بث الإعدام، فيما أعلن نائب الرئيس الأميركي، جيه دي فانس، أنه لا يعتزم مشاهدته.
وفي هذا الشأن قال ترامب إنه سيتخذ القرار النهائي بشأن بث عملية الإعدام، ما يعني أن الإعلان السابق للبنتاغون لم يحسم المسألة نهائيًّا.
وبذلك يواجه نضال حسن، بعد نحو 17 عامًا من هجوم “فورت هود”، موعدًا محددًا لتنفيذ حكم الإعدام الصادر بحقه عام 2013.

