«أيباك».. نفوذ انتخابي خلف ستار الصمت

المسار : للوهلة الأولى، قد تبدو مقالة «نيويورك تايمز» الأخيرة حول لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية “أيباك”، وهي منظمة ضغط ثرية مؤيدة لإسرائيل، واعدة.

فقد نُشرت على الصفحة الأولى من النسخة المطبوعة يوم الأحد، وهي الصفحة الأبرز في الأسبوع، ثم امتدت إلى داخل الصحيفة لتغطي صفحة كاملة تقريباً، وبلغ طولها 53 فقرة. كما أشار اسم المقالة إلى أن أربعة صحفيين من «التايمز» عملوا عليها.

لكن المثير للدهشة أن أياً من الفقرات الثلاث والخمسين لم يوضح أن جهود «أيباك» للتأثير في الانتخابات الأمريكية تغيرت جذرياً خلال السنوات الأخيرة. ففي الوقت الراهن، غالباً ما تخفي المنظمة آراءها المؤيدة لإسرائيل، رغم أن الترويج لإسرائيل هو السبب الأساسي لوجودها. وبدلاً من ذلك، تضخ أموالاً طائلة في الحملات السياسية وتثير قضايا لا صلة لها بإسرائيل أو فلسطين يمكن النظر، على سبيل المثال، إلى الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي التي جرت في وقت سابق من هذا العام على مقعد مجلس النواب عن الدائرة الثالثة عشرة في ولاية نيوجيرسي.

قررت «أيباك» استهداف توم مالينوفسكي، عضو الكونغرس السابق الذي تجرأ على التلميح إلى ضرورة ربط المساعدات العسكرية لإسرائيل بسجلها في مجال حقوق الإنسان. وقد أوضح مايكل أريا، الخبير في موقع «موندويز»، بإيجاز طريقة تحرك اللجنة.

القاعدة الديمقراطية أكثر انتقاداً لإسرائيل

وكتب أريا أن «أيباك» لا تستطيع فعلياً بث إعلانات تحث الناخبين الديمقراطيين على رفض مالينوفسكي لأنه ليس مؤيداً لإسرائيل بما يكفي، ذلك أن القاعدة الديمقراطية أصبحت أكثر انتقاداً لإسرائيل، وكذلك جماعات الضغط التي تدعم العلاقة معها.

وأضاف أن الإعلانات التلفزيونية التي مولتها «أيباك» هاجمت مالينوفسكي بدعوى دعمه سياسات دونالد ترامب المتعلقة بالهجرة. واستند هذا الادعاء إلى تصويت جرى عام 2019، عندما أقر الكونغرس مشروع قانون تمويل تضمن أموالاً لإنفاذ القانون على الحدود الجنوبية، وقد أيد معظم الديمقراطيين، ومن بينهم مالينوفسكي، هذه الحزمة.

وفي تلك الانتخابات، جاءت استراتيجية «أيباك» بنتائج عكسية. فقد أنفقت اللجنة مليوني دولار على إعلانات تلفزيونية هاجمت مالينوفسكي، وأدى ذلك، على ما يبدو، إلى إضعافه بدرجة سمحت لأناليليا ميخيا، الأكثر تقدمية في قضايا إسرائيل وفلسطين، بالفوز في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي. وتشغل ميخيا حالياً عضوية الكونغرس.

ولم تكن استراتيجية «أيباك» الجديدة سراً بأي حال من الأحوال. فقد غطت كل من «بوليتيكو» و«إم إس ناو» انتخابات نيوجيرسي، وكشفتا عن المناورات الخفية لجماعة الضغط المؤيدة لإسرائيل.

واستخدمت «أيباك» الاستراتيجية نفسها في أغسطس/آب، عندما ساعدت في إفشال محاولة النائبة التقدمية السابقة كوري بوش استعادة مقعدها في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية ميسوري. وكانت الجماعة المؤيدة لإسرائيل قد دعمت منافسها ويسلي بيل قبل عامين.

وفي تلك المرة، تجنبت إعلانات «أيباك» التطرق إلى إسرائيل مجدداً، وركزت بدلاً من ذلك على مزاعم تغيب بوش عن التصويت في الكونغرس، وعلى انتقادها المزعوم لإدارة بايدن.

التحيز المؤسسي والتستر المتعمد

يطرح ذلك سؤالاً حول الكيفية التي غابت بها هذه الاستراتيجية عن أربعة صحفيين من «نيويورك تايمز» مُنحوا مساحة بلغت 53 فقرة. كما يطرح سؤالاً آخر حول سبب تقاعس هيئة التحرير التي راجعت التقرير عن الإشارة إلى هذا الجانب.

والتفسيرات المعقولة الوحيدة، وفق هذا الطرح، هي التحيز المؤسسي والتستر المتعمد والرقابة الذاتية.

وهناك جانب آخر من قصة «أيباك» أغفلته المقالة المطولة في «نيويورك تايمز». ففي الماضي، كانت اللجنة تعقد مؤتمرات سنوية ضخمة في واشنطن، يحضرها سياسيون من الحزبين الرئيسيين. وكان عدد الحضور يصل إلى 18 ألف شخص، فيما كان بعض القادة الأجانب يسافرون جواً أحياناً لإظهار دعمهم لإسرائيل.

لكن ابتداءً من عام 2021، ألغت «أيباك» مؤتمراتها السنوية. ومنذ ذلك الحين، لم يحدث شيء.

وكان من المفترض أن يتضمن أي استطلاع للرأي حول «أيباك» اليوم هذه الحقيقة الدالة، إلا أن أربعة مراسلين من «نيويورك تايمز» لم يذكروها في أي فقرة من الفقرات الثلاث والخمسين.

ويكشف هذا الإغفال، أن التقرير لم يتناول التحول في أساليب عمل «أيباك» ولا تراجع قدرتها على الظهور العلني، كما لم يربط بين تجنب الحديث عن دولة الاحتلال الإسرائيلي في الإعلانات الانتخابية وبين اتساع عدم شعبية تل أبيب داخل القاعدة الديمقراطية الأمريكية.

Share This Article