من الميدان إلى المنشور.. كيف تعيد “إسرائيل” هندسة “الحكم العسكري” في الضفة؟

المسار : تتصاعد السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية لفرض سيادة فعلية صامتة وتفكيك المجال السياسي والاجتماعي الفلسطيني، حيث تُستغل حالة التركيز الإعلامي على حرب الإبادة الجماعية في غزة لفرض منظومة قمع وتدابير عقابية مستمرة، اتخذت من تهمة “مواجهة التحريض” غطاءً واسعًا لها.

وتتجلى هذه المنظومة في ممارسات ميدانية مكثفة؛ تشمل هدم صروح الشهداء ونصبهم التذكارية، وتوزيع ملصقات تحذيرية في البلدات والمدارس، وإزالة علم فلسطين، إلى جانب حملات اعتقال واسعة طالت ناشطين وصحفيين، مما يُحيل منصات التعبير الرقمي والمجال العام إلى أدوات للملاحقة والتجريم.

ويرى أكاديميون وحقوقيون أن هذه التدابير تجاوزت الطابع الأمني المؤقت لترسيخ هندسة سيطرة دافعة لليأس، وسط مخاوف من إعادة استنساخ آليات “الحكم العسكري” لعام 1948؛ بهدف إخضاع المجتمع، وطمس روايته الوطنية، وتقويض أية مساحة مستقبلية للتنظيم أو العمل السياسي والانتخابي.

الاعتقال على خلفية “التحريض”

وتؤكد مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان أن اعتقال الفلسطينيين على خلفية ما يسمى “التحريض” منافٍ لكافة الأعراف والقوانين الدولية، حيث إنه يستهدف حقاً أساسياً مكفولاً بالقانون الدولي وهو حرية الرأي والتعبير.

وتوضح دائرة التوثيق في المؤسسة، بتصريح لها ، أنه “منذ بدء جريمة الإبادة الجماعية، توسع نطاق الاعتقال على خلفية التحريض بشكل كبير، وشمل كل فئات المجتمع الفلسطيني، من نساء، وأطفال، وأسرى محررين، وصحفيين، وناشطين”.

وتشير إلى أن الاحتلال تعمد توسيع تعريف التحريض بصورة تجعل الاعتقال على هذه الخلفية فضفاضاً ولا يخضع لأي معايير، حيث إن الكثير من لوائح الاتهام لا يوجد فيها أساسًا تحريض مباشر، وإنما مجرد تعاطف أو تضامن أو حتى تعبير عن الحزن مع الشهداء أو الأسرى أو مع جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة.

وعلى صعيد المحاكمات، تُبين “الضمير” أن المحاكم العسكرية شهدت ارتفاعًا غير مسبوق في مستوى العقوبات لقضايا التحريض، في تجلٍّ واضح لمستوى العنصرية، مقابل تحريض علني ومباشر من القيادة السياسية الإسرائيلية على قتل الفلسطينيين وإعدامهم وطردهم، دون أي محاسبة.

وتضيف “الضمير” أن المحاكم العسكرية تجيز اعتقال الفلسطينيين وإصدار أحكام تصل إلى 10 سنوات بحقهم، حيث تتفنن النيابة العسكرية في تنفيذ وتكييف لوائح الاتهام لردع وقمع الفلسطينيين بأشد الأحكام.

وكان أعلى حكم صدر في قضايا التحريض منذ بدء الحرب هو السجن أربع سنوات بحق الصحفي محمود فطافطة، الشهر الماضي، في محكمة عوفر العسكرية، على خلفية منشورات عبر صفحاته على وسائل التواصل الاجتماعي.

وتحذر “الضمير” من خطورة هذا النهج كونه يجعل كل فلسطيني في حالة رقابة ذاتية وتأهب وخوف مستمر، مما يؤدي إلى استهداف وتغييب الرواية والسردية الفلسطينية، وطمس الذاكرة وإخفاء الحقيقة، وجعل القضايا الفلسطينية والتعبير عنها مواضيع للملاحقة والاستهداف والتجريم.

سيادة فعلية

من جانبه، يشير أستاذ الإعلام في جامعة القدس أحمد رفيق عوض إلى أن التوسع في هدم صروح الشهداء، وتوزيع الملصقات التحذيرية، واعتقال النشطاء تحت بند “منع التحريض”، يأتي ضمن سياسات “إسرائيل” الجديدة بعد 7 أكتوبر.

ويقول عوض في لقاء صحفي إن “إسرائيل تريد من خلال هذه الإجراءات إخضاع الفلسطينيين، وتخفيض سقوفهم السياسية، وتخفيض سقف التعبير عن الرأي لديهم، وإزالة كل ما من شأنه أن يمثل رموزًا وطنية وقومية، لأنها تتصرف في الضفة الغربية باعتبارها ضمن الفضاء السيادي الإسرائيلي، وتتعامل مع هذه الأرض كأرض إسرائيلية يُطبق عليها القانون الإسرائيلي”.

ويصف عوض هذا السلوك بالخطير للغاية، مفسرًا إياه بأن “إسرائيل تمارس السيادة الفعلية على الأرض ولا تجد مبررًا للإعلان الرسمي عن ضم الضفة الغربية لتفادي المشاكل الدبلوماسية والسياسية مع العالم العربي ومع الغرب”.

ويتابع: “لهذا السبب هي تقوم بمهاجمة المدارس، وهدم النصب التذكارية، ونزع أي لافتة أو علم، إلى جانب اعتقال الناس على منصة فيسبوك”.

ويؤكد أستاذ الإعلام أن الهدف الأساسي هو “إدخال اليأس والإحباط إلى قلوب الفلسطينيين لإشعارهم بأنهم لم ينتصروا ولم يتقدموا قيد أنملة، وإزاحة طموحهم بإقامة دولة أو حتى ما يشبه الدولة”.

وعزا عوض هذه الموجة العالية من القمع إلى “المزاج المتطرف للجمهور الإسرائيلي واليمين بكل أنواعه القومي والديني والعلماني الذي ذهب إلى التطرف بشكل كبير جدًا، وترجم هذا التطرف عبر الهجوم على الفلسطينيين ورموزهم ونصبهم التذكارية والمناهج التعليمية”.

“نظام الحكم العسكري”

ومتفقًا مع سابقه، قال أستاذ القانون الدولي في الجامعة العربية الأمريكية رائد بدوية، إن ما يجري اليوم تحت عنوان “مواجهة التحريض الفلسطيني” لا يمكن التعامل معه باعتباره إجراءات متفرقة؛ من اعتقالات، وهدم صروح، وملاحقة للمنشورات.

ويشدد أن “قراءة هذه الإجراءات مجتمعة تُظهر توسعًا جليًا في أدوات القمع والسيطرة الإسرائيلية داخل المجتمع الفلسطيني؛ إذ لم تعد المسألة تقتصر على الهيمنة على الأرض أو الحركة أو الموارد، بل امتدت لتطال المجال العام نفسه، بالتحكم فيما يقوله الفلسطيني وما ينشره، وما يرفعه من رموز، وكيفية تعاطيه مع ذاكرته وروايته الوطنية”.

وينبه بدوية في حديثه لـه إلى أن خطورة مفهوم “التحريض” تكمن في كونه أصبح واسعًا إلى درجة تبتلع أشكالاً كثيرة من التعبير السياسي والوطني.

ويرى بدوية أن هذه الصورة تعيد الذاكرة – مع اختلاف الظروف والأوضاع القانونية – إلى نظام الحكم العسكري الذي فرضته “إسرائيل” على الفلسطينيين داخل أراضي 1948، واستمر حتى عام 1966، حيث كانت هناك رقابة أمنية واسعة وقيود على الحركة والنشاط السياسي والحياة العامة.

ويحذر من أن الخطر الحقيقي ليس في كل إجراء بمفرده، بل في تراكمها وتحولها مع الوقت إلى طريقة حكم دائم.

ويتساءل بدوية مستنكرًا: “هل نحن أمام تدابير مؤقتة محصورة بالظرف الراهن وستزول بزواله، أم أمام سياسة ممتدة تتجه للاستمرار والتوسع؟”، مُؤكداً أن “الاحتمال الثاني هو الأشد خطورة؛ لأنه يعني أن إسرائيل لا تكتفي بإعادة صياغة سيطرتها الميدانية على أرض الضفة، بل تسعى جاهدة لإعادة تشكيل البيئة التي يتحرك ويعمل فيها المجتمع الفلسطيني سياسياً واجتماعيًا”.

Share This Article