المسار : من يحكم الضفة الغربية فعليًا؟ أهو الجيش الإسرائيلي، أم الشرطة، أم حرس الحدود، أم المستوطنون الذين باتوا يتحركون على الأرض الفلسطينية وكأنهم أصحاب القرار والسيادة؟
قد لا تعلن إسرائيل رسميًا أن المستوطنين هم أصحاب السلطة الفعلية في الضفة الغربية، لكن الشواهد الميدانية المتراكمة ترسم صورة مختلفة عن التصريحات الرسمية؛ صورة توحي بأن المستوطنين باتوا قوة تفرض إرادتها على الأرض، فيما يوفر جيش الاحتلال الحماية العسكرية والأمنية لهم، حتى عندما يكون الفلسطينيون هم الضحايا.
ميليشيات استيطانية تمارس العربدة والاعتداء
منذ تصاعد الهجمات الاستيطانية في الضفة الغربية، تتوالى الاعتداءات على الفلسطينيين وممتلكاتهم وأراضيهم الزراعية. وتشمل هذه الاعتداءات، وفقًا لما يورده الفلسطينيون في مناطق متضررة، قتلًا واعتداءً جسديًا وسرقةً للأغنام، والاستيلاء على محصول الزيتون، وإحراق المركبات، ومهاجمة المنازل، وترويع العائلات، فضلًا عن إقامة بؤر استيطانية جديدة على الأراضي الفلسطينية.
لم تعد هذه الممارسات تبدو حوادث معزولة في نظر أصحاب الأراضي، بل باتت جزءًا من واقع يومي يهدد حياة الفلسطينيين ومصادر رزقهم وحقهم في البقاء فوق أرضهم.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف يستطيع المستوطن الاعتداء على المزارع الفلسطيني وأرضه ومحصوله، ثم يواصل تحركاته تحت حماية قوات الاحتلال، بينما يجد صاحب الأرض نفسه مضطرًا إلى إثبات حقه في أرض ورثها عن آبائه وأجداده؟
المستوطن يعتدي.. والجيش يحميه
تكمن خطورة المشهد في العلاقة بين الاعتداء الاستيطاني والحماية العسكرية الإسرائيلية. فعندما يرافق الجيش المستوطنين، أو يتدخل لحمايتهم خلال مواجهات مع الفلسطينيين، أو يمنع أصحاب الأرض من الوصول إلى أراضيهم، تنشأ معادلة ميدانية مختلة: قوة تعتدي، وقوة عسكرية تحميها، فيما يتحمل الفلسطيني تبعات الاعتداء على أرضه وممتلكاته.
وهنا لا يتعلق الأمر بالسؤال عن الجهة التي تدير الحواجز أو تصدر الأوامر العسكرية فحسب، بل بمن يمتلك القدرة الفعلية على فرض الوقائع وتغيير معالم الأرض وتقييد حركة السكان الفلسطينيين.
إن تسليح المستوطنين، وتوفير الغطاء السياسي لهم، والتوسع في إقامة البؤر الاستيطانية، إلى جانب ما يصفه الفلسطينيون بتساهل سلطات الاحتلال في محاسبة المعتدين، كلها عوامل تعزز نفوذ هذه الجماعات وتمنحها قدرة متزايدة على فرض الأمر الواقع.
وبذلك، يتحول المستوطن من شخص يقيم في مستوطنة إلى طرف مسلح قادر على التأثير في حياة قرى فلسطينية بأكملها، وعلى تهديد المزارعين ومنعهم من الوصول إلى أشجار الزيتون وحقولهم ومراعيهم.
سرقة الزيتون والأغنام.. الاستيلاء على لقمة عيش الفلسطيني
لم تعد الاعتداءات تستهدف الحجر والشجر وحدهما، بل امتدت إلى مصادر الدخل الأساسية للعائلات الفلسطينية. فالزيتون ليس مجرد محصول زراعي؛ إنه موسم ينتظره المزارع عامًا كاملًا، ومصدر دخل يعيل به أسرته، وارتباط تاريخي بأرضه.
وعندما يُمنع المزارع من قطف زيتونه، أو يتعرض محصوله للسرقة، أو تُقتلع أشجاره بالجرافات، فإن الخسارة تتجاوز قيمة الثمار والأشجار إلى ضرب قدرة الأسرة على الصمود والاستمرار في أرضها.
والأمر ذاته ينطبق على سرقة الأغنام والاعتداء على المراعي والممتلكات الزراعية. إنها ممارسات تضرب الاقتصاد الريفي الفلسطيني وتزيد الأعباء على المزارعين، في وقت يحتاجون فيه إلى الحماية والدعم والوصول الآمن إلى أراضيهم.
وفي سهل عرابة شمال الضفة الغربية، كما في مناطق فلسطينية أخرى، تثير الاعتداءات على الأراضي الزراعية وأشجار الزيتون مخاوف جدية من أن تتحول القوة المسلحة إلى وسيلة لفرض وقائع جديدة على حساب أصحاب الأرض.
من يحاسب المعتدي إذا كانت القوة تحميه؟
إذا كان الجيش الإسرائيلي هو القوة العسكرية المسيطرة، وكانت الشرطة مسؤولة عن إنفاذ القانون، فأين المحاسبة عندما تقع الاعتداءات على الفلسطينيين؟ ومن يحمي المزارع الذي يُحرم من الوصول إلى أرضه؟ ومن يضمن ألا تتحول الشكاوى والبلاغات إلى إجراءات شكلية، فيما تتواصل الاعتداءات على الأرض؟
هذه أسئلة لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن سيادة القانون والمسؤولية عن حماية المدنيين. فالقوة المسيطرة على الأرض تتحمل مسؤوليات قانونية، ولا يجوز أن تكون حماية المدنيين انتقائية أو أن يُترك المعتدي بلا مساءلة بسبب انتمائه إلى جماعة استيطانية.
ولا يكفي أن تعلن السلطات الإسرائيلية أنها لا تمنح المستوطنين جصلاحيات الحكم؛ فالمعيار الحقيقي هو ما يحدث على الأرض، ومدى قدرة الفلسطيني على حماية نفسه وأسرته وأرضه، ومدى خضوع المعتدين للمحاسبة.
الضفة الغربية أمام واقع خطير
إن أخطر ما في المشهد ليس فقط اتساع الاعتداءات الاستيطانية، بل احتمال تحولها إلى منظومة فعلية لفرض السيطرة على الأرض الفلسطينية، تتكامل فيها قوة المستوطنين مع الحماية العسكرية والقرارات السياسية التي تتيح استمرار التوسع الاستيطاني.
وعندما يستطيع المستوطن إقامة بؤرة استيطانية، والاعتداء على المزارع، والاستيلاء على محصوله، وتهديد منزله، بينما يعجز صاحب الأرض عن الوصول الآمن إلى ممتلكاته، فإننا أمام اختلال عميق في ميزان القوة والعدالة.
المستوطن يفرض الأمر الواقع، والجيش يوفر الحماية، والفلسطيني يدفع الثمن من أرضه وشجره وأمنه ولقمة عيشه. هذه هي المعادلة التي تستدعي توثيقًا جادًا ومساءلة دولية وتحركًا سياسيًا وقانونيًا عاجلًا.
إن الضفة الغربية ليست أرضًا بلا أصحاب، وأشجار الزيتون ليست بلا جذور، وحقوق الفلسطينيين لا تسقط أمام السلاح أو البؤر الاستيطانية. والمطلوب اليوم ليس الاكتفاء بوصف ما يجري، بل توثيق كل اعتداء، وملاحقة المسؤولين عنه بالوسائل القانونية، وتوفير الحماية للمزارعين، والتحرك لوقف الاستيطان ومحاسبة المعتدين.
فالسؤال الذي سيبقى مطروحًا أمام إسرائيل والمجتمع الدولي هو: من يحكم الضفة الغربية فعلًا، ومن يحاسب من يعتدي على الفلسطينيين وأرضهم

