التصعيد ضد الضفة يتصدر المشهد الانتخابي الإسرائيلي

المسار : رويداً رويداً، يتزايد حضور الضفة الغربية في المشهد الانتخابي الإسرائيلي، وفي كل مرة، ومع اقتراب موعد إجراء الانتخابات، يتصاعد الخطاب التحريضي والتصعيدي بحق الضفة الغربية والسلطة الفلسطينية أيضاً.

ويشهد على ذلك حجم الهجمات التي يشنها مستوطنون متطرفون في عموم الضفة الغربية، حيث ارتفع عدد الهجمات من خمسة في اليوم الواحد إلى ما يقرب من 20 هجوماً، استهدف أغلبها قاطفي الزيتون.
أما آخر التصريحات التي أثارت انتباه المتابعين، فجاءت قبل أيام على لسان وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي قال فيها: «لدينا خطط جاهزة لتهجير سكان الضفة إلى خيام في الصحراء وغور الأردن».
وجاءت التصريحات، التي وصفها البعض بأنها مثيرة للجدل، عبر القناة 14 الإسرائيلية، حيث أعلن فيها أن جيش الاحتلال أعد خططاً جاهزة لتهجير سكان مدن الضفة الغربية نحو خيام في مناطق صحراوية وغور الأردن، مهدداً بتكرار سيناريوهات التدمير التي شهدتها غزة وجنوب لبنان حال اندلاع مواجهة شاملة.
وتأتي تصريحات كاتس بعد أيام معدودة من تصريحات أدلى بها بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، حيث أعلن أن الجيش أعد خطة لرد عسكري واسع، تشمل التعامل مع سيناريوهات تتضمن احتمال توجيه عناصر الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية أسلحتها ضد إسرائيل.
وجاء ذلك خلال جولة ميدانية، بهدف تعزيز حالة عامة من التنافس على أصوات المستوطنين في الضفة الغربية، حيث كانت الجولة على ما يسمى «خط التماس» في شمال الضفة الغربية، وخلالها شدد على أن جيش الاحتلال سيبقى مسيطراً على المنطقة، رافضاً إعادة سكان مخيم طولكرم إليها، ومهدداً بمواجهة أي محاولة لاختبار القوة الإسرائيلية.
وزار نتنياهو المنطقة برفقة وزير الأمن ورئيس مجلس الأمن القومي وقائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال، حيث استمع إلى إحاطات من قادة جيش الاحتلال وجهاز الشاباك وحرس الحدود بشأن الإجراءات المتخذة لحماية المستوطنات والتجمعات السكنية على طول خط التماس، وعمليات الاعتقال ومصادرة الأسلحة.
وقال نتنياهو، في إشارة إلى مخيم طولكرم للاجئين: «سمعت أن هناك شخصاً في المحكمة العليا يقول إنه يجب إعادة السكان إلى هنا. هؤلاء ليسوا سكاناً، بل مسلحون»، مضيفاً أن جيش الاحتلال هو الذي سيسيطر على المنطقة وسيبقى فيها.
وأضاف في التصريح ذاته: «لن يكون هنا جيش عربي غرب نهر الأردن، بل سيكون هنا جيش الدفاع الإسرائيلي»، وفق تعبيره، مشيراً إلى أن المنطقة تبعد دقائق عن مدينة نتانيا والساحل، وأن حكومته تسعى إلى الحفاظ على السيطرة الإسرائيلية على المنطقة الممتدة من نهر الأردن إلى البحر.
وفي سياق تهديداته، قال نتنياهو إن هناك إنذارات أمنية في المنطقة، مدعياً أن «أعداء إسرائيل قد يحاولون اختبارها في الأيام التي تسبق الانتخابات»، ومضيفاً أن جيش الاحتلال عرض أمامه وأمام وزير الجيش خطة وصفها بالقوية والحازمة لمواجهة أي سيناريو، بما في ذلك ما سماه «انقلاب البنادق»، وقصد بذلك الأسلحة الخفيفة التي تملكها عناصر الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية.
وتابع: «في مثل هذه الحالة، لا أنصح أعداءنا بمحاولة اختبارنا، فستواجهون هنا قوة لم تحلموا بها». وحسب الخبير في الشأن الإسرائيلي، الباحث ياسر مناع، فإن تصريحات وزير حرب الاحتلال يسرائيل كاتس ينبغي قراءتها على مستويين مترابطين، الأول انتخابي يرتبط بمحاولة استقطاب جمهور اليمين الإسرائيلي قبل الانتخابات، والثاني سياسي وأمني يعكس توجهات قائمة داخل الحكومة الإسرائيلية بشأن مستقبل الضفة الغربية وسكانها الفلسطينيين.
ومن الخطأ اختزال هذه التهديدات في الدعاية الانتخابية وحدها، لأن السنوات الأخيرة شهدت انتقال عدد من الطروحات التي تبناها اليمين الاستيطاني من مستوى التصريحات السياسية إلى مستوى القرارات الحكومية والإجراءات العسكرية على الأرض.
ورأى مناع، في حديث مع «القدس العربي»، أن ما يمنح هذه التهديدات جديتها هو أن «إسرائيل تنفذ بالفعل أشكالاً من التهجير القسري داخل الضفة الغربية، سواء من خلال إفراغ مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس من سكانها ومنع عودتهم، أو عبر الاعتداءات الاستيطانية وهدم المنازل وتقييد الحركة والوصول إلى الأراضي في الأغوار ومسافر يطا ومناطق أخرى».
وبالتالي، «فإن الحديث عن نقل الفلسطينيين إلى مناطق صحراوية أو تجمعات مؤقتة لا ينفصل عن واقع قائم، تحاول فيه إسرائيل إعادة توزيع السكان الفلسطينيين جغرافياً وتقليص وجودهم في المناطق التي تسعى إلى توسيع السيطرة الاستيطانية عليها».
وأضاف: «في المقابل، يجب التمييز بين وجود توجه سياسي نحو التهجير وبين امتلاك خطة عملياتية جاهزة لتنفيذ تهجير جماعي واسع. فحتى الآن لا تتوافر أدلة علنية كافية لإثبات وجود خطة تنفيذية شاملة بالمضمون الذي تنسبه التصريحات إلى كاتس، كما أن تنفيذ عملية بهذا الحجم يرتبط بحسابات عسكرية وسياسية ودولية معقدة. لكن ذلك لا ينفي خطورة التهديد، خصوصاً أن التهجير قد يتخذ شكل عمليات متدرجة تستهدف مناطق أو تجمعات محددة، من دون إعلان قرار شامل بتهجير سكان الضفة».
أما انتخابياً، والحديث للباحث مناع، فإن كاتس يخاطب جمهوراً باتت قضية السيطرة على الضفة الغربية ومنع قيام دولة فلسطينية تحتل موقعاً متقدماً في أولوياته السياسية. وتسعى أطراف اليمين إلى إظهار قدرتها على اتخاذ إجراءات أكثر تشدداً تجاه الفلسطينيين، خصوصاً في ظل المنافسة بين أحزاب الائتلاف الحاكم.
ومع ذلك، فإن الانتخابات قد تؤثر في توقيت التصريحات وحدتها أكثر مما تحدد مضمون السياسات نفسها، لأن مشاريع التوسع الاستيطاني والضم والتهجير سبقت الحملة الانتخابية الحالية.
ويخلص مناع إلى أن التهديد الحقيقي لا يقتصر على احتمال تنفيذ تهجير جماعي مفاجئ، وإنما يشمل استمرار عمليات التهجير الجزئي والمتدرج، وتحويل إجراءات عسكرية تقدمها إسرائيل باعتبارها مؤقتة إلى ترتيبات دائمة تمنع السكان من العودة إلى منازلهم وأراضيهم. وهذا تحديداً ما يجعل تصريحات كاتس أكثر خطورة من مجرد خطاب انتخابي، فالمسألة تتعلق بوجود سياسات وأدوات تنفيذية قائمة يمكن توسيع استخدامها تحت ذرائع أمنية أو في ظروف تصعيد عسكري جديد.
ويرى الدكتور إبراهيم ربايعة، الباحث والأكاديمي في العلوم السياسية والاقتصاد السياسي، أن الانتخابات الإسرائيلية، كما في كل انتخابات وكل دورة، تستثمر الحالة الفلسطينية لتغذية الخزان التصويتي لكل طرف إسرائيلي.
ويقول ربايعة، في حديث مع «القدس العربي»: «في هذه الفترة تحديداً، فترة الانتخابات، يحمل هذا الموضوع أبعاداً مضاعفة، لأن الشارع الإسرائيلي متعطش لمثل هذه التصريحات بشكل كبير وواضح، وبالتالي فإن هذا التصريح يأتي في سياق الصراع اليميني اليميني، وهو لا يتصل بالخريطة السياسية الكاملة، بل هي تصريحات وسلوكيات متصاعدة تصب في خزان سموتريتش الانتخابي، أما كاتس فيحاول أن يلتهم منها، بالإضافة إلى الحضور كقائد بارز على مستوى حزب «الليكود».
والبعد الآخر، بحسب ربايعة، يتمثل في أن هناك رغبة إسرائيلية في تصعيد الخطاب بهذا الاتجاه، ولكن ما هو واضح جداً أن هذا التهديد يتسق مع تصريحات نتنياهو قبل أيام، وبالتالي فإن التوقيت يتماشى مع تصريحات نتنياهو التي تحدث فيها عن خطط جاهزة في الضفة الغربية، وهذا يأتي ليكمل الصورة التي يقدمها نتنياهو. إذن، هناك تكامل بين التصريحات يتصل ببيئة المشروع وطبيعته والرغبة في تنفيذه.
وحول ما إذا كان هذا يعكس حقيقة وجود خطط جاهزة، بمعنى وجود استعداد وقبول من أطراف إقليمية أو دولية، وحتى الولايات المتحدة الأمريكية، يرى ربايعة أنه لا يعتقد ذلك.
وتابع: «هذا ليس التصريح الأول الذي يصدر بهذا الاتجاه وبهذا الخصوص، فهناك ليبرمان، عندما كان حاضراً في الحكومة الإسرائيلية، كان يصدر مثل هذه التصريحات بشكل دوري ودائم ومتصاعد، ولكن من الواضح أن أي قرار متصل بالتهجير ليس قراراً إسرائيلياً، لكونه يتصل بالحسابات الأمريكية والإقليمية، فهذا ملف يتصل بالأمن الإقليمي، وهو شديد التعقيد وسيقود إلى المزيد من التوترات».
وسألت «القدس العربي» ربايعة عما إذا كانت لدى إسرائيل خطط للضغط أكثر على الفلسطينيين في الضفة الغربية، فأجاب: «بكل تأكيد، ومن الواضح أننا أمام مسار تصعيدي متــــصاعد، من الآن وحتى تشكيل الحكومة الجديدة، وليس فقط حتى الانتخابات، لأن هناك فترة بين الانتـــــخابات وتشكيل الحكومة الجديدة، وبالتالي أرى أن كل فاعل في هذه الحكومة سيحاول أن ينفذ منها ما يمكن تنفيذه بأسرع وقت وبأكبر كثافة ممكنة».

Share This Article