الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

 الصحافة الاسرائيلية – الملف اليومي

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

 

هآرتس 23/10/2026

قد يكون لنتائج الانتخابات تاثير حاسم على استئناف الحملة ضد ايران وتوقيتها

بقلم: عاموس هرئيلِ المحلل العسكري لصحيفة هآرتس

لا تقل في أي يوم ان “هذا مستحيل الى الابد” – لكن يبدو انه من المرجح ان خطر واحد على الأقل قد تراجع في الأيام الأخيرة. في الوقت الحالي هناك شكوك كبيرة حول ما اذا كانت إسرائيل والولايات المتحدة ستستانف الهجوم على ايران قبل انتخابات الكنيست في يوم الثلاثاء القادم. وما زال امر هذا الهجوم غامض. وهو يعتمد في المقام الأول على الاعتبارات السياسية لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. ولكن اذا لم يتم حسم الامر في الانتخابات (هذا سيناريو واقعي حسب الاستطلاعات) فان احتمالية تجدد المواجهة مع ايران ستزداد، بالتحديد في سياق الصراع السياسي على تشكيل الحكومة القادمة.

يبدو ان هناك امر واحد واضح تماما، وهو انه حتى لو خسر في الانتخابات فان نتنياهو لا ينوي الاختفاء بهدوء، كما قال الشاعر من ويلز ديلان توماس. هو سيلجأ الى كل وسيلة من اجل الاحتجاج على النتائج، أو من اجل تجاوز تداعياتها، بغض النظر عن الضرر الإضافي الذي سيلحق بالدولة. لو كان لديه أي وخز ضمير لكان هذا الشخص قد مات منذ زمن.

في الخلفية تظهر مسالة استراتيجية جوهرية وهي الحملة ضد ايران. فخلافا للتشخيصات القاطعة لنتنياهو وترامب هذه الحملة لم تنته بنصر كامل بعد الجولة الأولى (صيف 2025) والجولة الثانية في شتاء 2026. مع الهجوم الأول، عملية “شعب كالاسد”، ظهر ان كل الظروف تشابكت لصالح نتنياهو كما أراد. فبعد حوالي ثلاثة عقود من خيبة الامل، اعطى ترامب الضوء الأخضر للهجوم، بل وشارك فيه في المرحلة الأخيرة بقصف المنشأة تحت الأرض في فوردو. كانت عملية فعالة وموجهة بدقة صدمت النظام في ايران وتسببت بضرر كبير بالمشروع النووي، ولكنها خلفت مشكلة حادة: مخزون غير معالج يحتوي على 450 كغم تقريبا من اليورانيوم عالي التخصيب.

اما الحملة الثانية، “زئير الأسد”، فكانت بالنسبة لرئيس الحكومة فرصة غير قابلة للمساومة. كانت إسرائيل تستعد بالفعل لهجوم آخر في حزيران الماضي. وكانت الولايات المتحدة ما زالت مترددة عندما بدأت الاحتجاجات الواسعة في ايران في بداية كانون الثاني. قمع النظام الاحتجاجات بوحشية وقتل آلاف المتظاهرين – واقتنع ترامب أخيرا في لقائه مع نتنياهو في البيت الأبيض في 11 شباط بالشروع في حملة مشتركة ثانية، كان هدفها في هذه المرة اكثر طموحا: تغيير النظام في طهران.

مع ذلك، رغم اغتيال إسرائيل للمرشد الأعلى علي خامنئي، وتوجيه ضربات موجعة أخرى لقدرات النظام العسكرية والصناعية، لم يتخذ أي قرار في هذه المرة أيضا. فالقيادة الإيرانية الجديدة، بقيادة ابنه مجتبى خامنئي، ترفض الاستسلام رغم الضرر الكبير الذي لحق باقتصادها. ورغم ان الأمريكيين وجدوا بالتدريج حدود بديلة لاغلاق ايران لمضيق هرمز، الا انه بدأت حرب استنزاف طويلة الأمد، يكافح ترامب لايجاد طريقة لانهائها.

الاعتقاد السائد الان في واشنطن هو انه مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في 3 تشرين الثاني القادم، التي تتوقع الاستطلاعات خسارة الجمهوريين فيها، قد يسلم ترامب زمام الأمور لنتنياهو ويوافق على هجوم مشترك على ايران، حتى لو لمجرد التنفيس عن غضبه من خامنئي الابن على خلفية تعقيدات الحرب وتداعياتها السياسية في داخل أمريكا. وحسب تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” امس فان أمريكا وإسرائيل تقومان بالفعل باعداد خطة لهجوم مشترك بعد انتخابات التجديد النصفي.

بعض المسؤولين في الإدارة الامريكية يعتقدون ان بضعة أيام من الهجمات الكثيفة ستعيد ايران الى طاولة المفاوضات، وتؤدي الى تنازلات في المجال النووي. هذا التوقع لم يتحقق عدة مرات في السابق.

الأمور التي لم يتم قولها

في غضون ذلك يتعزز وضع مجتبى خامنئي رغم استمراره في الاختباء خوفا على حياته. وحسب الاستخبارات الإسرائيلية يقود خامنئي الموقف المتشدد في المحادثات الدبلوماسية، ويحث الشعب الإيراني على استئناف جهود التطوير في البرنامج النووي وبرنامج الصواريخ. وهذا أيضا يفسر التصريحات المتكررة لنتنياهو ووزير الدفاع إسرائيل كاتس حول خطط طهران لتدمير إسرائيل، والتهديد باستئناف الحرب ضد ايران. من خلال التصريحات يبدو ان نتنياهو يحاول ببساطة استفزاز ايران للهجوم أولا، الامر الذي سيوفر له ولترامب الذريعة لرد عسكري شديد. لقد جرب كل شيء تقريبا باستثناء ارسال فريق الاستعراض الجوي التابع لسلاح الجو في عرض جوي فوق طهران.

في الأسبوع الماضي صعد رئيس الحكومة لهجة التهديد وجعلها اكثر تحديدا. ففي الخطاب الذي القاه يوم الثلاثاء الماضي في احتفال تخريج دورة الضباط في الاكاديمية العسكرية رقم 1، قال نتنياهو بصراحة انه اصدر تعليماته للجيش الإسرائيلي والموساد والأجهزة الأمنية للإطاحة بالنظام في ايران. ووفقا له فان هذه هي الطريقة الوحيدة “للقضاء على هذا التهديد نهائيا”، و”اطلق مجتبى خامنئي العنان، وتحاول ايران من جديد تطوير القنابل الفتاكة”. يظهر وجود قدر من التنسيق بينه وبين ترامب. فقد تم رصد تصعيد نتنياهو للخطاب في يوم الاحد بالتزامن مع نشر الرئيس الأمريكي فيلم فيديو اعرب فيه عن دعمه القوي لترشيح نتنياهو في الانتخابات.

يبدو ان تفسير أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية للمعلومات المتعلقة بايران اقل حسما واقل فورية. فخلافا لعدم مبالاته طويلة الأمد تجاه التهديد الذي برز من حماس في غزة، دأب نتنياهو على تصعيد قضية ايران. والان، بعد فوات الأوان، يصف اطلاق الحملة الأولى في السنة الماضية كخطوة منعت ايران في اللحظة الأخيرة من امتلاك قدرة نووية عسكرية. وهذا وصف مثير للجدل بين الخبراء. أيضا هيئة الأركان العامة تشكك جدا بشان فرصة تغيير النظام في هذه المرة بعد فشل الجولة السابقة.

من الواضح ان الاعتبارات السياسية لنتنياهو هي الدافع من وراء ذلك. فلو انه سمح له بمهاجمة ايران الان، لادى ذلك أيضا الى تأجيل الانتخابات التي لا تبشر نتائجها بانها في صالحه. ولكن شن هجوم بعد الانتخابات، في ظل مفاوضات تشكيل الائتلاف وسعي كتلة التغيير الحثيث لتشكيل اغلبية تضمن تغيير الحكومة، قد يخلق ضغط شعبي على غادي ايزنكوت ونفتالي بينيت للتنازل والموافقة على تشكيل حكومة وحدة وطنية مع الليكود.

——————————————-

هآرتس 23/10/2026

حرب نتنياهو وترامب قد تقرب ايران من جيرانها

بقلم: تسفي برئيل محلل الشؤون العربية في صحيفة هآرتس

في حين تعد دول المنطقة الأيام، اذا لم يكن الساعات، لاستئناف الحرب ضد ايران، يعقد اليوم (الجمعة) اجتماع استثنائي بدعوة من وزير خارجية تركيا فيدان هاكان في إسطنبول، يشارك فيه وزراء خارجية مصر، باكستان، السعودية، بريطانيا، فرنسا وألمانيا. يهدف الاجتماع الى ان يكون اطارا لمناقشة القضايا الملحة المالوفة: مضيق هرمز، اليمن والحوثيون، ايران، الفلسطينيون، الوضع في غزة، وحتى الحرب في أوكرانيا. ولكن الهدف من هذه المبادرة هو إقامة تحالف دبلوماسي غير رسمي، يحدد نقاط الخلاف بين سياسة إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وسياسة دول المنطقة والدول الأوروبية الكبيرة من جهة أخرى. وفي محاولة تبدو متسرعة في اللحظة الأخيرة ستسعى هذه الدول الى تقديم بديل دبلوماسي، تنقصه حاليا خطة عمل مفصلة، يقدم حلول مقبولة على ايران والولايات المتحدة.

مصدر دبلوماسي تركي قال للصحيفة: “تعتبر الحرب ضد ايران حاليا مشروعا خاصا لنتنياهو وترامب، اللذان يشجعان عليها لاسباب سياسية”، وحذر من امتدادها الى حرب إقليمية خارجة عن السيطرة. وأضاف: “هناك بالفعل بؤر توتر ثلاثة في المنطقة وهي الخليج الفارسي والبحر الأحمر وقطاع غزة، الى جانب لبنان وسوريا اللتين تبدوان هادئتين في الوقت الحالي، أو على الأقل لا تشكلان أي تهديد على المنطقة”. مع ذلك، هناك اختلاف جوهري بينها من ناحية موقف الولايات المتحدة. “في بداية الحرب، في كل هذه الساحات، كان اسهام الولايات المتحدة كشريكة كاملة، أما اليوم فهي تظهر وكأنها متفرجة”. في هذا الموقف لا يترك الامر لدول المنطقة أي خيار الا خيار تشكيل نظام امني مستقل، حتى لو لم يكن متحررا تماما من التبعية للولايات المتحدة، ولا ينوي ان يكون هكذا، لكنه يفسح المجال دبلوماسيا لاطار بديل أوسع.

ويردد الدبلوماسي فكرة “الاستقلال الأمني” التي طرحها وزير خارجية تركيا هذه السنة. وتستند هذه الفكرة الى ضرورة سعي دول المنطقة الى تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، التي اثبتت عدم الاكتراث والعجز بدرجة كبيرة عن التصدي للتهديدات الإقليمية. وهذا ليس فقط شعور أو تفسير لرؤساء دول استخلصوا الاستنتاجات خلال الحرب. في هذا الأسبوع، على هامش “منتدى الامن العالمي” الثامن، الذي عقد في الدوحة عاصمة قطر، اجرت قناة “الجزيرة” مقابلة مع توم باراك، السفير الأمريكي في تركيا ومبعوث ترامب في سوريا وفي العراق. وكعادته اصدر تصريحاته بدون مواربة دبلوماسية، وأوضح ان واشنطن تتخلى عن دورها كضامن لامن المنطقة، وان حكومات الشرق الأوسط بحاجة الى تحمل مسؤولية اكبر عن امنها بعد فشل التدخلات البرية الامريكية المتكررة.

وعندما سئل عن الاتفاق الذي بحسبه توفر الولايات المتحدة الحماية للدول المنتجة للنفط مقابل الامداد المنتظم، أوضح وقال: “لم تنجح محاولات السيطرة المباشرة. ولم تنجح محاولات السيطرة على مناطق أخرى مثل ليبيا، أفغانستان، سوريا والعراق، أيضا. لذلك، الاتفاق لا يتعلق بالتملق أو السيطرة، بل بالرعاية والاهتمام، وهذا لا يعني أننا سننسحب، نحن لن ننسحب”.

لن ننسحب. ولكن تبين ان التواجد لا يفيد أيضا. فقد اعتقدت دول الخليج ان القواعد العسكرية الامريكية على أراضيها ستكون بمثابة جدار دفاع، لكن ايران اتخذتها كذريعة مشروعة لمهاجمة جيرانها واجبرت الولايات المتحدة على اخلاء بعضها.

ان السعودية هي التي عانت وما زالت تعاني، من تبعات استراتيجية “التجاهل”، حيث تخوض حربها ضد الحوثيين لوحدها تقريبا وكأنها ساحة مستقلة ومحلية، بدون أي اتصال دولي. ولكن السعودية ليست الا المثال الاحدث على ذلك. فقد سبقتها دولة الامارات التي تعرضت للهجمات اكثر من أي دولة أخرى، وكذلك قطر والبحرين وسلطنة وعمان والعراق، التي استهدفت بصواريخ ومسيرات اطلقتها ايران ووكلاؤها بدون أي رد فعل من قبل أمريكا. ويكمن الخطر الشديد لدى قادة دول المنطقة بان حرب جديدة ستضعهم من جديد في مرمى نيران ايران، هذه المرة مع ضعف أنظمة دفاعاتهم وانخفاض عدد الصواريخ الاعتراضية الى مستوى خطير، وقدرة ايران على ضرب اهداف مدنية وبنى تحتية اقتصادية لم يتم تدميرها بالكامل بسبب الحرب.

وقد نجحت دول الخليج مرتين على الأقل في اقناع ترامب بعدم مهاجمة ايران. يبدو الان ان نفوذها بدأ يتلاشى في ظل التقارير التي تشير الى نية ترامب شن الحرب، بدون وضوح أهدافه الاستراتيجية او الأهداف الإيرانية التي سيستهدفها، أو كيف يمكن لمثل هذا الهجوم ان يضعضع موقف ايران. ويستند التقييم الذي يقول بان هذا الهجوم سيكون كثيف وقصير المدى الى افتراض ان قائمة الأهداف ستشمل اهداف جديدة مثل منشآت النفط وشبكات الكهرباء والبنى التحتية المدنية ومنصات الصواريخ، وربما أيضا جبل الفأس الشهير، حيث سيتم اختبار “أم القنابل”.

لا يحتاج رد ايران المتوقع الى أي تكهنات عشوائية. فعلى خلفية الحرب غير المتكافئة التي شنتها حتى الان لا يمكن استبعاد أي سيناريو، وتشمل قائمة الأهداف الإيرانية تخريب كوابل الانترنت تحت مياه الخليج العربي وتعطيل المطارات في الدول المجاورة وتدمير محطات تحلية المياه التي توفر حوالي 90 في المئة من استهلاك دول الخليج للمياه، وتلغيم واسع للخليج، ومهاجمة المؤسسات المدنية مثل المكاتب الحكومية والمستشفيات والمدارس بالصواريخ والطائرات المسيرة.

يرى البعض، لا سيما في واشنطن وفي القدس، ان مثل هذه الاحتمالية ستجبر دول الخليج على خوض حرب شاملة ضد ايران، والانضمام للحرب، ومهاجمة ايران مع الولايات المتحدة وإسرائيل وتحويلها الى حرب في الشرق الأوسط. في هذا السيناريو لن تبدو إسرائيل والولايات المتحدة وكأنها بدأت الحرب لمصالحها الخاصة وفرضتها على دول المنطقة لاسباب داخلية. ستكون هذه حرب رد فعل، الى جانب حماية المدنيين. ويفترض هذا السيناريو ان ايران ستهزم في مثل هذه الحرب الشاملة: سيرفع النظام يديه مستسلما، ويعلن عن عجزه على تحمل تكلفة الحرب، وسيقدم قادته وثيقة استسلام يتنازلون فيها عن السيطرة على مضيق هرمز، ويفككون صناعة الصواريخ ويسلمون الـ 440 كغم من اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة.

مع ذلك، تظهر التجربة المتراكمة في الأشهر التسعة للحرب، ليس فقط مرونة ايران، بل أيضا دول الخليج وشركاءها في المنطقة، غير مستعجلين لتوحيد قوتهم وشن حرب انتقامية. على الورق توجد تحالفات مثل التحالفات الموقعة بين السعودية وباكستان قبل اكثر من سنة، والتحالف الثلاثي بين السعودية، باكستان وتركيا (تحالف مكة). ولكن هذه التحالفات لم تتطور الى اطار عسكري مشترك يخضع لقيادة مركزية ويخطط لمهمات مشتركة ومستعد لخوض الحرب. تقدم تركيا المساعدة بشكل رئيسي في المجال التكنولوجي، أما باكستان فقد وضعت في السعودية، حتى قبل التحالف، 8 آلاف جندي و16 طائرة قتالية ومنظومات دفاع صينية الصنع. ولكنها أوضحت بان جنودها لن يحاربوا على أراضي اليمن. هل ستوافق اسلام اباد على ارسال جنودها وطائراتها للقتال ضد ايران؟ هل ستنحاز تركيا، التي تسيطر على الاستراتيجية الدفاعية، الى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد ايران؟.

حتى في الحرب “المحدودة” ضد الحوثيين، التي تعطل الملاحة السعودية في البحر الأحمر وتستهدف مطارات المملكة، تواجه السعودية صعوبة في حشد الجيوش العربية. ليست تركيا وباكستان وحدها هي التي تتخوف من ارسال الجنود الى الميدان. فلم توافق دولة الامارات الا على تمويل بعض المليشيات في اليمن التي تقاتل الحوثيين، وما زال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ينتظر موافقة البرلمان على تحويل مساعدات عسكرية للسعودية. ولكنه اعلن بالفعل ان مصر لن تقاتل على أراضي اليمن، في حين اكتفت الدول الأعضاء الأخرى في مجلس التعاون الخليجي بإصدار بيانات ادانة شديدة. فهل هناك خط احمر يدفع هذه الدول الى عمل مشترك، في حين انها تعجز عن توحيد صفوفها في الأوقات العادية وفي أوقات الحرب؟.

امام احتمالية اندلاع حرب قد تتطور خطوة دبلوماسية في القريب، تبدأ فيها دول المنطقة بحوار استراتيجي مع ايران. ففي أيلول الماضي كان من المقرر ان يلتقي وزير خارجية العراق ووزراء دول الخليج الستة في سلطنة عمان مع وزير خارجية ايران عباس عراقجي، لمناقشة ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز. وقد تم الغاء الاجتماع بسبب هجمات الحوثيين على السعودية ومعارضة البحرين. في هذا الأسبوع، في نفس المنتدى الذي عقد في قطر حيث القى توم باراك كلمته، قدم نائب رئيس الوزراء القطري ووزير الدولة للشؤون الأمنية سعود بن عبد الرحمن آل ثاني اقتراح طموح: ان تجري دول الخليج، الى جانب تركيا وباكستان، حوار استراتيجي مع ايران لصياغة اتفاق عدم اعتداء، يتم انشاء في اطاره آلية إقليمية “تقوم على بناء الثقة ومعالجة المخاوف الأمنية المشتركة”. وجدير بالذكر أيضا منطق المتحدث باسم وزارة خارجية قطر، الذي أوضح ان الولايات المتحدة “تفصلها عن مضيق هرمز مسافات واسعة، وان إسرائيل لا تستفيد من مياه الخليج”. بكلمات أخرى، مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل لا تتطابق مع مصالح دول الخليج.

اذا ما تحول هذا الاقتراح الى سياسة متفق عليها فقد تكون النتيجة معاكسة. فالحرب التي تهدف الى اخضاع ايران ستؤدي بالتحديد الى ما سعت إسرائيل والولايات المتحدة الى منعه. فبدلا من انضمام جبهة إقليمية للحرب، سيتشكل تحالف يهدف الى احتواء الحرب، وسينظر هذا التحالف لطهران كشريكة ضرورية حتى لو كان غير مرغوب فيها في ترتيب امني جديد في الخليج، ليس هذا لان الدول العربية نسيت موضوع الصواريخ الإيرانية أو بدأت تثق بالنظام في طهران، بل لانها تخشى من تركها لوحدها في مواجهة النيران من جديد أمام واشنطن والقدس اللتين تحددان اهداف الحرب وتكلفتها.

مع ازدياد التخوف من اندلاع الحرب يطرح السؤال الأكثر الحاحية وهو ما اذا كان الخطر الأكبر على دول المنطقة هو ايران نفسها أو حرب ستدار باسمها، لكنها خارجة عن سيطرتها. سيحدد اجتماع وزراء الخارجية في إسطنبول اليوم اذا كانت هذه المخاوف ستثمر عن تحرك دبلوماسي منسق قد يعطي ايران مكانة جديدة: ليس فقط العدو الذي يريدون اخضاعه، بل أيضا الطرف الذي لا يمكن وقف الحرب بدونه.

——————————————-

 

 

القناة 12 العبرية 23/10/2026

يتزايد الضغط على ابن سلمان: هل استقرار السعودية في خطر؟

بقلم: د. يوئيل غوزانسكي، خبير في شؤون دول الخليج، وباحث أول في معهد دراسات الأمن القومي (INSS) بجامعة تل أبيب

تواجه المملكة العربية السعودية حاليًا مزيجًا غير مسبوق من التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية، يُعد من أخطرها في العقود الأخيرة. فالحرب مع إيران ووكلائها تكشف عن مواطن ضعفها الأمنية، وتُلحق الضرر بالبنية التحتية وصادرات الطاقة، وتُثقل كاهل اقتصادها، وتُشكك في الافتراضات الأساسية التي بُنيت عليها سياستها في السنوات الأخيرة، ولا سيما قدرتها على ضمان بيئة إقليمية مستقرة ودعم أمني أمريكي موثوق.

وتأتي هذه الأزمة في خضم تحولات اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة، تتمحور حول ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. في هذا السياق، يبرز سؤال لم يكن مطروحًا على جدول الأعمال: هل يُمكن أن يُقوّض تراكم الضغوط على المملكة استقرار آل سعود؟

تتطلب الإجابة التمييز بين خطورة الأزمة وقدرة النظام على التعامل معها. على مرّ السنين، أثبت آل سعود قدرتهم على الصمود والتكيف بشكلٍ مُلفت  للنظر، وحتى اليوم، لا تزال معظم مصادر صمودهم قوية. يمتلك ابن سلمان سلطة سياسية غير مسبوقة، ولا تُظهر الأجهزة الأمنية أي مؤشرات على التفكك، ولا توجد معارضة منظمة قادرة على تحدي الحكومة، ولا تزال المملكة تمتلك موارد اقتصادية كبيرة.

لذا، لا يوجد حاليًا ما يُبرر استنتاج أن النظام يواجه خطرًا وشيكًا بالانهيار. مع ذلك، لا يقتصر الاستقرار على القدرة على منع سقوط الحكومة فحسب، بل يشمل أيضًا القدرة على الحفاظ على تماسك النخبة، وثقة الشعب، وقدرة الدولة على توفير الأمن والازدهار على المدى الطويل.

تكمن فرادة الأزمة الحالية في أنها تختبر في آنٍ واحد الوعدين الأساسيين اللذين بنى عليهما ابن سلمان النظام السياسي الجديد: الأمن والازدهار. إن رؤية 2030 ليست مجرد خطة اقتصادية، بل هي جزء من عقد اجتماعي جديد، يعد الشعب السعودي بالنمو والتوظيف والانفتاح الاجتماعي وتحسين مستويات المعيشة مقابل قبول مركزية سياسية مشددة.

لكن الحرب تقوض الظروف التي جعلت هذه الرؤية ممكنة. فالأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، وتعطل صادرات الطاقة، وارتفاع الإنفاق الدفاعي، كلها عوامل تجبر الرياض على تغيير أولوياتها. لا تزال المملكة بعيدة عن أزمة مالية، لكن السؤال السياسي الأهم ليس ما إذا كانت ستنفد أموالها، بل ما إذا كانت ستتمكن من الاستمرار في توفير مسار الازدهار الذي وُعد به مواطنوها. ومع تزايد الحاجة للاختيار بين الأمن والتنمية الاقتصادية والرفاه، من المرجح أن تظهر بؤر استياء جديدة.

كما أن وعد الأمن يخضع للاختبار. فرغم الاستثمارات الضخمة في الجيش، تكافح السعودية للدفاع عن أراضيها الشاسعة وجميع أصولها الاستراتيجية من التهديدات من عدة جهات. وتزيد الشكوك حول استعداد الولايات المتحدة للتدخل للدفاع عنها في أي سيناريو، إلى جانب محدودية المساعدات من باكستان وتركيا، من اتساع الفجوة بين وعد توفير الأمن والقدرة على تحقيقه. قد تُلحق هذه الفجوة ضرراً بثقة المستثمرين وشعور الجمهور بالأمان، على الرغم من أن الهجمات الخارجية قد تُعزز أيضاً التماسك الوطني حول النظام الملكي على المدى القصير.

قد ينبع التحدي الأكبر لاستقرار النظام من التغييرات التي أدخلها ابن سلمان على هيكل الحكم. فعلى مدى العقد الماضي، أضعف مراكز القوى المتنافسة، وقلل من استقلالية المؤسسة الدينية، واستبدل إلى حد كبير نظام الضوابط والتوازنات الأسري بنظام مركزي مرتبط به شخصياً. وقد منحته هذه الخطوات سيطرةً وصلاحيات تنفيذية استثنائية، لكنها قلّصت أيضاً آليات التوازن الداخلي: فكلما ازداد نفوذ بن سلمان، ازداد اعتماد استقرار النظام على نجاحه الشخصي. فبينما تُنسب إليه الإنجازات، قد تُنسب إليه الإخفاقات أيضاً.

لذا، فإن الخطر السياسي الأكبر لا يكمن بالضرورة في انتفاضة شعبية، بل في احتمال أن تُتيح أزمة طويلة الأمد فرصةً للعناصر المُحبطة داخل العائلة المالكة والنخب التقليدية التي أُجبرت على الخروج من السلطة. لا يوجد حاليًا أي دليل على وجود مثل هذه المنظمة، لكن تآكل الأمن والازدهار، لا سيما إذا اقترن بأزمة خلافة أو توترات في أعلى الهرم، قد يُخلّ بالتوازن الداخلي للقوى.

خلاصة القول أن ثمن الحفاظ على الاستقرار في المملكة آخذ في الارتفاع. لا ينبع الخطر من تهديد واحد، بل من تراكم ضغوط متداخلة: فالاختراق الأمني ​​يُثني المستثمرين، والتباطؤ الاقتصادي يُقلل من القدرة على تخصيص الموارد، وخيبة الأمل من وعود الحكومة قد تُعمّق التوترات داخل النخبة. لا توجد حاليًا أي مؤشرات على انهيار وشيك، لكن كلما طال أمد الحرب، ازداد خطر تحوّل الأزمة الخارجية إلى أزمة سياسية داخلية. السؤال ليس فقط ما إذا كان آل سعود سيصمدون بعد الحرب، بل أيّ آل سعود سينبثقون منها، وما هو وضع ابن سلمان فيها.

——————————————-

معاريف 23/10/2026

الخطر سيأتي من الدوائر المتطرفة

بقلم: جاكي خوجي

على عادة رؤساء مصر على أجيالهم، وصل عبدالفتاح السيسي هو الاخر الى احتفال انتهاء دورة الضباط في الاكاديمية القومية. كان هذا يوم الخميس الماضي، والسيسي لم يكتفِ باحتفال منح الاوسمة لضباط الشرطة الجدد بل ووقف امام الكاميرات أيضا. الفترة عاصفة والتوقيت رمزي. قبل بضعة أيام من ذلك احيت مصر 53 سنة على حرب يوم الغفران. الانتخابات المرتقبة في إسرائيل تقلق القيادة المصرية، مثلما تقلق حكومات المنطقة، من ايران عبر السعودية وحتى لبنان، الأردن ورام الله. كلهم في حالة توتر ليروا أي حكومة ستقوم في القدس والى اين ستأخذ المنطقة بكاملها. وبعيدا عن هناك، في السعودية يتبين الحوثيون كجوزة عسيرة على الكسر. عرضت مصر على السعوديين المساعدة في اعتراض الصواريخ.

روى السيسي بانه منذ استولى على الحكم في 2013 جرت عدة محادثات بينه وبين رئيس وزراء إسرائيل. فقد كشف النقاب فقال انه “في اللقاءات معه قلت ان إقامة دولة فلسطينية هي فرصة ستحقق لنا جميعا الاستقرار وتسمح بالاندماج الحقيقي لإسرائيل في المنطقة. اما بنيامين نتنياهو فلم يقتنع، كما اجمل السيسي بخيبة أمل، لكن اللحظة المثيرة للاهتمام في وصفه جاءت بعد ذلك.

“نتنياهو يعرف جيدا بان مصر لن تشكل في أي مرة تهديدا على إسرائيل”، بدأ السيسي روايته. “ذات مرة قال لي، قل لماذا تتسلح؟ سألني لماذا اشتري السلاح. قلت له، لم اعتقد في حياتي ان قوة إسرائيل تشكل تهديدا علي. وانا اعتقد أنك انت أيضا يجب أن ترى في قوة مصر امرا لا يهددك. نحن نعيش في منطقة مضطربة وعلينا أن نكون أقوياء كي نحمي السلام. ليس فقط مع إسرائيل بل مع المنطقة كلها.

كانت هذه لحظة نادرة من الاطلال على حديث من داخل الغرفة بين زعيمين لقوتين اقليميتين مع حدود مشتركة. عبر نتنياهو عن تخوف إسرائيليين كثيرين في ضوء التسلح العسكري لمصر بسلاح متطور وفي تثبيت قواتها في سيناء. وحقيقة أن الحديث جرى قبل عقد وربما اكثر، لا تغير في الامر شيء. فلم يحصل أي تغيير جوهري في العلاقات منذئذ، بلا ربما احتدم. الشراكة من جهة، والشك من جهة أخرى.

جزء من الجواب على سؤال نتنياهو بالفعل اعطي في اقوال السيسي مثلما وصفه في ذاك الخطاب. الجزء الاخر يختبىء في القدس، او للدقة في تل أبيب. صحيح ان إسرائيل هي حليف لمصر من ناحية امنية، لكن سياستها الإقليمية تعطي مكانا مركزيا لاستخدام القوة العسكرية اكثر بكثير من الخيار السياسي. دولة ذات تـأثير ومكانة كمصر لا يمكنها أن تسمح لنفسها بالبقاء متخلفة في الوراء حين تكون في جوارها قوة عظمى عسكرية عديمة الراحة. ليس لإسرائيل فقط جيش متقدم وسلاح متطور. في ميزانيتها السنوية، الامن في المكان الأول وهو يسبق حتى التعليم. رجال ونساء يتجندون للقتال، وفي نظرة من القاهرة وليس فقط منها، المجتمع الإسرائيلي بعمومه هو مجتمع عسكري ومجند. هذا واقع مختلف عن ذاك المعروف لمصر كفكرة للحياة اليومية.

مرة كل بضع سنوات تعلق إسرائيل في حرب ما، وناطقون مختلفون عنها يطلقون أحيانا تصريحات عسيرة على السمع حتى تجاه الأصدقاء. وعندما تخرج من القدس تعابير عن نائب او وزير ما بان الأردن هي الدولة الفلسطينية، فدول المنطقة ترى في ذلك تهيئة للقلوب لاسقاط القصر في عمان. قبل أسبوعين في مقابلة صحفية مع الوزير بتسلئيل سموتريتش قال ان مصر لا تخرج الى حرب ضد إسرائيل لانها تعرف بانها ستخسر سيناء الى الابد.  “لكن لا، لا معاهدة مرة أخرى، لا يوجد بيغن”، أضاف. الكلمات الأخيرة التقطت جيدا في القاهرة “لا يوجد بيغن”، معناها ان سياسة إسرائيل تغيرت. اليوم ما كنا سنسعى الى المعاهدة إياها التي عقدتها حكومة الليكود في 1979. فقد انسحبت من كل سيناء في صالح اتفاق سلام شامل.

خوف من طرف ثالث

إسرائيل اليوم لن تهاجم مصر، هذا يعرفونه في القاهرة أيضا، لكن عالمنا هو عالم التغييرات، ولا يمكن كيف ستتصرف في المستقبل حكومة برئاسة مرشح من اليمين المتطرف اذا نجحت في تشكيل الائتلاف. السنوات الأخيرة أظهرت ان هذا السيناريو واقعي.

المصريون لا يخافون فقط من تطرف حد في السياسة الإسرائيلي وفي سياستها الأمنية. هم يرون إمكانية ينجح فيها الفلسطينيون في جر الطرفين الى مواجهة عسكرية. احد السيناريوهات الذي يخافونه منذ عهد حسني مبارك يتعلق بسيناء. الاف اللاجئين من غزة يسقطون الاسوار ويجتازون الحدود، يحرفوا قوات مصري كثيرة باتجاه منطقة رفح، ودون ان يريدوا ذلك يغرقونها في مواجهة مع جنود الجيش الإسرائيلي المرابطين في الطرف الاخر من السور. حتى قبل بضع سنوات كانت مثل هذه السيناريوهات تبدو خيالية. اما اليوم فلا يوجد احد قادر على أن يستبعدها استبعادا تاما.

الخوف من هجوم إسرائيلي عليهم هو سبب مركزي لتسليم الجيش المصري. لكنه ليس الوحيد. في 2011 أطيح بحسني مبارك بعد ثلاثين سنة في منصبه. من تلك اللحظة حكم على مصر بفترة مهددة ومضطربة من التمرد وسفك الدماء. الحكم في القاهرة اكتشف ما كان يعرفه دوما – بان جيرانها ليسوا سندا بل ان بعضهم من شأنه ان يزيد الخطر في داخلهم. ليبيا كانت ممزقة بحرب داخلية خاصة بها، ومثلها السودان أيضا. أمريكا بقيادة براك أوباما، الصديقة ظاهرا هجرتها في لحظة الحقيقة ووقفت الى جانب الشارع العاصف. قيادة حماس في القطاع بعثت برجال منها كي يساعدوا الاخوان المسلمين في صراعهم من اجل تغيير النظام.

السعودية واتحاد الامارات هرعتا بالفعل لمساعدتها من خلال المنح والقروض التي ثبتت صندوقها العام الاخذ بالفراغ. إسرائيل هي الأخرى وقفت الى جانبها بالذات من خلال مساعدة عسكرية للقضاء على جماعات الجهاد في سيناء. لكن لا يوجد عدو اخطر من ذاك الداخلي. وخطت الصدمة في وعي نظام الضباط. فقد تعلموا على جلدتهم بانه قد تأتي اللحظة التي تهتز فيها الأرض ليبقوا في مواجهة الخطر وحدهم. وهم ومئة مليون من المواطنين الذين يتوقعون منهم اطعامهم كل يوم بيومه.

الى كل هذا ينبغي أن تضاف عزة الضباط. مؤسسة عسكرية وامنية تقاس بجيبها وبكأسها. كم من ميزانية الدولة تخصص لها وباي دمى زودها الحكم. ولاجل نيل تأييد الضباط او ولاءهم فان ا لحكم مطالب بمشتريات متطورة قدر الإمكان من الوسائل القتالية واجور معتبرة لقمة القيادة العليا والوسطى. جيش شبع هو جيش منضبط. هذا صحيح في الديمقراطيات الغربية وصحيح باضعاف في الدول في محيطنا، التي ليست المؤسسة الأمنية فيها مجرد درع الدولة بل وأيضا مسؤولة عن سلامتها، بقائها وعن سلامة “بقاء وقوة الحاكم”.

عندما نعجب هل مصر تخطط لمهاجمة إسرائيل في يوم من الأيام، يجب أن نبحث عن المصلحة. السيسي قال الحقيقة لضباط الشرطة الجدد. له ولرجاله لا توجد مصلحة كهذه في هذه الأيام. فهم يعرفون القدرات العالية للجيش الإسرائيلي، وحتى لو جن جنونهم وبدأوا الحرب فان نتائجها ستنقلب عليهم على نحو شبه مؤكد كالسهم المرتد. بالنسبة للقاهرة السيسي، فان إسرائيل مستقرة هي بالفعل أساس في امنها. ليس انطلاقا من رؤية صالح إسرائيل، بل من اجل مصر. عدم الاستقرار في حدود إسرائيل، كما رأينا منذ 7 أكتوبر، يهدد الامن القومي لجيرانها.

ان اتفاقات السلام التي وقعت مع مصر والأردن اثبتت نفسها في اثناء الحرب في غزة. القصر الأردني حافظ على حدود هادئة، ومصر، رغم تعرضها لاضرار مالية وقلق كثير في حدودها، حافظت على الاستقرار في سيناء ونسقت مع إسرائيل خطوات ومهام تتعلق بالقطاع. وفي المستقبل؟ طالما كان في إسرائيل حكم سوي العقل، معتدل وملتزم بالاتفاق وطالما ساد في مصر الاستقرار، فان إرث بيغن والسادات سيواصل اثبات نفسه. الخطر لن يأتي من المعتدلين عندنا وعندهم، هو سيأتي، اذا ما أتى من دوائر متطرفة او اذا ما هز ميل متطرف النظام القائم.

——————————————-

يديعوت أحرونوت 23/10/2026

نتنياهو يندفع نحو الأفول

بقلم: ناحوم برنياع

كان السؤال الأول الذي سمعته من الناس في هذه الحملة الانتخابية، بطيف من خمسين درجة، من الفضول إلى الفضول الشديد: “ماذا سيحدث؟”. قلت: “لا أعرف”. ثم جاء السؤال الثاني: “هل أنت متفائل أم متشائم؟”. قبل أن أجيب، اعتذرت عن صراحتي، ثم قلت: “لا يهمني إن كنت متفائلًا أم متشائمًا، فمزاجي لا علاقة له بأي شيء، هناك مهمة يجب إنجازها، وما عداها غير مهم. يجب أن ترحل هذه الحكومة. ليس بسبب الماضي – مع أن الضرر الذي ألحقه هؤلاء الأشخاص في أربع سنوات من الحكم كان كافيًا لمنعهم من أي منصب عام – بل بسبب المستقبل. إنها مسألة وجودية.

وأضفت: “اليأس ثروة ثمينة”. من المؤسف إهدار هذه الفرصة الآن: سنحتاج إلى الكثير من اليأس في الصراعات التي ستلي 27 أكتوبر.

حتى كتابة هذه السطور، لم تظهر أي مظاهر للعنف في الحملة الانتخابية، ولم تحدث أي تدخلات إلكترونية، لا من جهات خارجية ولا داخلية. تُوجّه هذه الاعتداءات إلى الشبكة وتبقى هناك. وقد فوجئ المرشحون أنفسهم بمستوى التسامح الذي يستقبلهم به الشارع. وهذه مفاجأة سارة.

يخوض تحالف التغيير الانتخابات في وضع أفضل من تحالف نتنياهو. تتنافس أحزابه الأربعة على مسافة آمنة من عتبة التصويت، محمية باتفاقيات الفوائض. وفي التصويتات الأولى في الكنيست وفي التوصية المقدمة إلى الرئيس، يضمنون دعم الأحزاب العربية.

يرغب ناخبو التحالف في تصديق وجود اتفاق سري بين رؤساء القوائم بشأن آلية اختيار مرشح رئاسة الوزراء. وهم لا ينشرونه خشية خسارة الأصوات. وحسب علمي، لا وجود لمثل هذا الاتفاق. يقول آيزنكوت: “أنا رئيس الحزب الذي سيفوز بأكبر عدد من المقاعد”. وقال بينيت في إحدى مقابلاته: “أنا رئيس الحزب الذي سيفوز بأكبر عدد من التوصيات”. ويقول ليبرمان: “أنا كذلك، وأعوّل على الجولة القادمة”. هذا هو الشق الذي سيحاول نتنياهو توسيعه – أحد الشقوق. يعقد مقر كتلة التغيير اجتماعات تنسيق أسبوعية ويبرم اتفاقيات تكتيكية، لكن الاستياء المتبادل يتصاعد ويتراكم. يُذكّرنا هذا الخطاب بفيلم تارانتينو “كلاب الاحتياط”: المهمة مشتركة، لكن الأسلحة مسلولة والدماء تسيل كالمياه.

عمومًا، مفاجأة الانتخابات هي غادي آيزنكوت. بعد عام وشهر من إعلانه تأسيس حزب من العدم، دون قاعدة جماهيرية، ولا تمويل، ولا أتباع، يتصدر هو وحزبه استطلاعات الرأي. قبل أربعة أيام من الانتخابات، ورغم ترامب، ورغم تهديدات الحرب، يتمتع آيزنكوت بتقدم كبير على نتنياهو في الملاءمة لمنصب رئيس الوزراء. هو السياسي الأكثر شعبية في إسرائيل – أولاً في كتلة التغيير، وثانياً، بعد نتنياهو، في الكتلة المعارضة. لم يكن السبب في ذلك الكاريزما، ولا مهارات الخطابة، ولا الحملات الانتخابية البهلوانية. انجذب الناخبون إلى النقيض. حقق آيزنكوت صعوداً بفضل المهارات التي يفتقر إليها، وبفضل استيائهم مما يقدمه نتنياهو. لم يعترف شركاء الكتلة بقيادته، لكن وسائل الإعلام الرئيسية كان لها رأيها. تُعرف كتلة اليسار- الوسط الآن باسم كتلة آيزنكوت.

إن الاحترام الذي يحظى به في الأوساط اليمينية لا يضمن له بالضرورة الأصوات، ولكنه قد يُسهّل عليه الأمر لاحقاً، إذا ما طُلب منه تشكيل حكومة. أثبت آيزنكوت مناعته ضد هذا السم، ربما بفضل الحزن، وربما بفضل غولاني. من أبرز المحطات المثيرة للاهتمام في الحملة الانتخابية اللقب الذي أطلقه عليه ينون ماغيل، المذيع في جهاز نتنياهو، وهو لقب “القرد”. للمرة الأولى، وقعت حملة يمينية في الفخ الذي لطالما وقع فيه اليسار. هذا ما ظننته. ربما كنت مخطئًا: ربما يدرك نتنياهو وجود عنصرية معادية للمزراحيين (الشرقيين) لدى ناخبيه المزراحيين. فهم لا يؤمنون بمرشح مغربي.

يأمل آيزنكوت الآن في تحقيق فارق واضح في الانتخابات، ليس فقط بينه وبين نتنياهو، بل أيضًا بينه وبين بينيت. سيُظهر هذا الفارق من يتقدم. ولن يحقق ذلك في معاقل الليكود، بل فقط من خلال استمالة أصوات شركائه، فيما يُعرف بحملة الأحزاب الكبرى.

المفاجأة الثانية هي نفتالي بينيت. مسيرته السياسية كانت متقلبة: لحظات ضعف مخيفة، ولحظات نجاح باهرة. يستحق لقب مُنظِّم حملات بارز: فقد كان يُقيم فعاليات في مقاهٍ في أنحاء البلاد، عادةً أمام ناخبي الليكود الأكبر سنًا، ثم يُنتج، بعد التحرير، مقاطع فيديو على الإنترنت تُبهر الناخبين الشباب. كان هناك دراما، وكان هناك ضحك. استعان بينيت بمؤثرين على الإنترنت لحملته. وكانت النتيجة، وفقًا لاستطلاع رأي أُجري يوم الأربعاء، زيادة مقعدين لقائمة بينيت خلال شهر ونصف، وانخفاض مقعدين لقائمة آيزنكوت. إنجازٌ جيد، لكنه محدود. وكما في تلك النكتة العسكرية، الخبر السار هو أنك تُغيّر ملابسك الداخلية؛ والخبر السيئ هو أنك تُغيّرها مع بعضها بعضا.

ركزت حملة بينيت على رسالة واحدة: الخدام في مواجهة المتهربين؛ وهذا ما نجح. أما الرسالة الثانوية فكانت تورط نتنياهو في فضيحة قطر. افترض بينيت أنه رغم أحداث 7 أكتوبر، لا يزال نتنياهو يتمتع بثقة كبيرة. قطر هي نقطة ضعفه.

النظام السياسي في إسرائيل مريض. لا توجد فيه أحزاب، بل قوائم مؤقتة يسيطر عليها سياسي واحد، هو وحاشيته. حزب الليكود حزبٌ مُتعفن: لقد أفرغته حقبة نتنياهو من أعضائه؛ ولم يبقَ فيه إلا المُنحازون والكاهانيون. لا يملك الحزب فرصة للتعافي إلا إذا بقي في المعارضة لفترة.

يطرح البعض أفكارًا حول وداعٍ لائق لنتنياهو وتشكيل حكومة وحدة وطنية بدونه. هذا ضربٌ من الخيال. نتنياهو والليكود كيانٌ واحد، ولا يمكن أن تنتهي علاقتهما بوداعٍ رومانسي كما في أفلام هوليوود. ما قيل عن حكومات الوحدة الوطنية في الماضي ينطبق على حكومة الوحدة الوطنية اليوم: كحفاضة الطفل، تكون دافئة وجافة في البداية، ثم باردة ورطبة لاحقًا.

صفقة على طريقة ترامب

جلب الأسبوع الأخير من الحملة الانتخابية لنتنياهو طاقةً لم يشهدها في الأشهر التي سبقت السابع من أكتوبر، وخلال معظم فترة الحرب. تنقّل بين الفعاليات، من أقصى البلاد إلى أقصاها، مع التركيز على قواعد سلاح الجو. حلّت الطائرات المقاتلة الجاثمة محل خريطة الشرق الأوسط على الحائط. قال هنري كيسنجر ذات مرة، في مقابلة مع أوريانا فالاتشي، إن الأمريكيين مفتونون بصورة راعي البقر الذي يمتطي جواده وحيدًا، على رأس القافلة، برفقة حصانه فقط. “هذا الراعي هو أنا”، قال كيسنجر، ويقول نتنياهو. تعود الذاكرة إلى حملة انتخابات عام 1981، آخر حملات مناحيم بيغن. أيقظت تلك الحملة قوى كامنة في بيغن. انطلق إلى صناديق الاقتراع، وتألق ثم خفت بريقه. ربما يندفع نتنياهو الآن نحو الأفول.

قام نتنياهو بثلاث خطوات ناجحة في الحملة الانتخابية. لنبدأ بالسهل ثم الصعب: أولها شعار “إما اليمين أو فلسطين”. بأربع كلمات موجزة، ذات صلة بالجميع، لخصت ما يشعر به ناخبو اليمين، بمن فيهم ناخبو يمين الوسط، بعد مجزرة 7 أكتوبر. كلام جميل، لكنه ليس بالغ الأهمية. في الماضي، كان الشعار يحفز الناخبين، وكذلك الأغنية. أما الآن، فالوضع مختلف. الانتخابات التي أمامنا هي انتخابات تيك توك، حيث يتحدث الناس عبر مقاطع الفيديو.

الخطوة الثانية هي تأييد ترامب له. منذ بداية الحملة، كان قادة أحزاب التغيير حذرين من الإدلاء بأي تصريح حول ترامب، خشية أن يدفعه كلامهم، عن حق، إلى أحضان نتنياهو. عندما أعلن ترامب أنه لن يتدخل في الانتخابات الإسرائيلية، استفادوا من ذلك. يوم الأحد، تراجع ترامب عن موقفه: فقد رتب أحدهم صفقة.

افترضت المؤسسة السياسية أن السبب هو إيران. تصرف كل من نتنياهو وترامب بدافع اعتبارات خارجية: أراد نتنياهو شن هجوم قبل الانتخابات لتأجيلها، بينما استخدم ترامب حق النقض ضد هجوم لمنع هزيمة ساحقة في انتخابات التجديد النصفي. وافق نتنياهو على الانتظار، وحصل في المقابل على رسالة توصية.

إن لم تكن إيران، فغزة: تتوقع قطر من ترامب إعادة المليارات التي استثمرتها فيه وفي عائلته، بما في ذلك طائرة جامبو. غزة مهمة بالنسبة لها. وعد نتنياهو بتسخير مجلس الأمن القومي لدفع التسوية في غزة قدما، وكان بوست ترامب المؤيد له مثابة ردّ الجميل.

أظن أن في كل هذه التفسيرات شيئًا من الحقيقة، لكن القصة لا تنتهي هنا. ففي نهاية كل خطوة لترامب فاتورةٌ تحمل علامة الدولار. من المشكوك فيه أن الجهد الهائل الذي بذله البيت الأبيض لإعادة المختطفين كان ليتحقق لولا تبرع عائلة أديلسون بمبلغ 140 مليون دولار لحملته الانتخابية. في وقت ما في المستقبل، من خلال تحقيق صحفي أو كتاب، سنعرف ما إذا كان نتنياهو قد وجد مليارديرًا اتصل بالرئيس وذكّره بواجباته.

لم يكن ترامب الوحيد الذي عرقل خطة نتنياهو الحربية، بل كان رئيس الأركان عاملًا آخر. استندت معركة إيال زامير البطولية لاحتواء الأزمة إلى حجج عسكرية، لكن كان لها سبب آخر لا يقل أهمية: إن خوض حرب عشية الانتخابات سيُعيد فتح جرحٍ دامٍ من أيام ثورة النظام. سيظل هذا الظل يُلقي بظلاله على عملية صنع القرار حتى بعد الانتخابات، في الفترة الانتقالية بين الحكومات. حصل نتنياهو على منصب، لكنه لم يحصل على حرب.

والمثير للدهشة أنه لم يحصل على أصوات الناخبين أيضًا. بعد عامين من الثرثرة، يومًا بعد يوم، توقف ترامب عن إظهار عواطفه.

لقد كانت خطوة نتنياهو الناجحة الثالثة هي استبعاد القائمتين العربيتين. كرر نتنياهو المناورة السياسية التي قام بها بن غوريون بتصريحه “بدون حيروت وماكي”(حزب بيغن والحزب الشيوعي): لقد حوّل أغلبية واضحة مؤيدة لتغيير الحكومة إلى ما يشبه التعادل. سيتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع يوم الثلاثاء، دون أن يعرفوا كيف تنوي المعارضة تشكيل الحكومة ومن سيرأسها. لم تُشكّل حكومة التغيير بعد – وسيتجاهل شركاؤها بالفعل إجراء انتخابات إضافية في الربيع المقبل.

هذه هي النجاحات. أما في كل جانب آخر، فقد فشل نتنياهو: فشل مع حماس، وفشل في قطر، ولم يُنهِ مهمته في إيران ولبنان وسوريا واليمن، وفشل في علاقاته مع العالم الديمقراطي، وفشل في تعيين الوزراء واختيار مساعديه، وفشل في الاستسلام للحركة الكاهانية، وفشل في ثورة النظام التي يُجبر الآن على إخفائها، وفشل في التهرب من مسؤولية عواقب أفعاله. وهو يدفع الثمن بفقدان سلطته داخل كتلته.

في 21 أكتوبر 1998، احتفل بعيد ميلاده التاسع والأربعين في منتجع واي، في طريقه إلى اتفاق مع السلطة الفلسطينية. أحضر له أحمد الطيبي باقة الزهور الأولى صباحًا، مع تهنئة من ياسر عرفات. أيّهما أشدّ كآبة، أن يتلقى المرء في عيد ميلاده رفضًا من واحد فينتر، وواحد لايتنر، وهما شخصان بالكاد يعترف بوجودهما، أم أن يتلقى في عيد ميلاده زهورًا من ياسر عرفات؟

——————————————-

هآرتس 23/10/2026

الانتخابات على حافة خراب البيت الثالث

بقلم: اوري عراد وامير هسكيل

كتب هذا المقال بألم شديد. كيهود وكوطنيين إسرائيليين إسرائيل عزيزة جدا على قلوبنا، فيها تلقينا تعليمنا وتربيتنا، ولا نتخيل العيش في أي مكان آخر. خضنا حروبا وفقدنا أصدقاء، وشهدنا كيف تغيرت البلاد على مر السنين، تتطور وتزدهر اقتصاديا، لكنها في نفس الوقت تعاني من أزمات حادة. كان اغتيال رئيس الحكومة اسحق رابين نقطة تحول بالنسبة لنا، لكننا لم نتوقف ابدا عن الايمان بالفكرة الصهيونية وبقدرتنا، نحن الإسرائيليين، على بناء مجتمع جدير وعادل هنا.

مثل حال كل الإسرائيليين هزت مذبحة 7 أكتوبر قلوبها بشكل عنيف. لقد كانت جريمة بشعة بحق الإسرائيليين وكل الإنسانية. وعلى اثرها شنت إسرائيل حربا مبررة، وكسبت تعاطفا عالميا واسعا.

أما ما حدث منذ ذلك الحين فهو قصة أخرى. فقد استغلت مشاعر الغضب والانتقام الى اقصى حد من قبل شخص رأى في الحرب فرصة للحفاظ على حكمه والهرب من العدالة. وانضم اليه من يكرهون البشر والكهانيون ومعهم المسيحانيون الذين اتخذوا لانفسهم اسم “الصهيونية الدينية”، مع انهم لا يمتون بصلة للصهيونية، ولا وجود لله في قلوبهم. رأى الكهانيون في حرب الانتقام فرصة لاطلاق العنان للعنصرية وكراهية العرب. اما المسيحانيون فقد رأوا في رؤيتهم حربا دينية ابدية تتيح تحقيق حلم ارض إسرائيل الكاملة، الخالية من العرب، والتي تبشر بقدوم المسيح. كلاهما في جنونهما وخبثهما ساهما في مساعدة احقر شخص في تاريخ إسرائيل على تدمير كل شيء هنا.

بعد الصدمة الأولية، استمر الهجوم الوحشي على الديمقراطية الإسرائيلية وعلى روح الصهيونية نفسها بكثافة اكبر تحت غطاء الحرب، وانتهكت القيم الأساسية لحرمة الحياة والتضامن وحرمة عائلات الضحايا وحق الاسرى في الخلاص وطهارة السلاح بشكل صارخ. وادى تعميق التحريض والانقسام الى شرخ عميق في الشعب، ومشكوك فيه إمكانية رأبه. وتآكلت مكانة إسرائيل الدولية والأخلاقية الى الحضيض.

وكشف هذا التدهور عن نظام سياسي فاسد تماما، وعن ضعف بنيوي ومؤسسي في كل الآليات التي يفترض ان تعمل كحراس، بما في ذلك القضاء وأجهزة انفاذ القانون. يخصص مكان لوسائل الاعلام الرئيسية التي فشل معظمها في أداء دورها كرقيب على الديمقراطية، وطبعت كل شيء، بما في ذلك ترشيح الشخص المسؤول بالدرجة الأولى عن الكارثة، في الانتخابات القادمة لمنصب رئيس الحكومة – وهو الشخص الذي لم يكن ليبقى في منصبه يوما واحدا في أي دولة ديمقراطية أخرى. وتتحمل وسائل الاعلام “الوطنية” جزء كبير من اللوم في نشوء وعي زائف، لانها لم تنقل الواقع بانصاف لمواطني البلاد، وعززت خطابات التباكي على شاكلة “كل العالم ضدنا” و”الجميع لاساميون”.

كان نضال مئات آلاف المواطنين في وجه العمليات المدمرة بمثابة بصيص امل في الظلام. مع ذلك، وبصفتنا شركاء في الاحتجاج المدني، بدءا بأيام المظاهرات في بلفور ومرورا بالاحتجاج على الانقلاب وانتهاء بالنضال من اجل إعادة الرهائن وانهاء الحرب، يجب ان نقر باننا الى جانب النجاحات التكتيكية الكبيرة فشلنا في نهاية المطاف لأننا لم نتمكن من تغيير الحكومة. وذلك رغم انه ما كان ليخطر ببال أي عاقل ان الحكومة المسؤولة عن اكبر كارثة في تاريخ البلاد ستكمل ولايتها. ان هذا فشل استراتيجي ذريع.

مع تقدم عملية تدمير إسرائيل اصبح من الواضح لكثير من المواطنين ما كان واضحا لنا حتى قبل 7 أكتوبر: ان النية الحقيقية الكامنة وراء “الإصلاح القانوني” ليست تغيير النظام بحد ذاته. وتغيير النظام ليس الا وسيلة. كان الهدف وما زال، تغيير وجه إسرائيل وصورتها بحيث لا يمكن التعرف عليها. تحويلها من دولة ليبرالية تحكمها القوانين الى ديكتاتورية مع صفات فاشية، حيث تداس الحقوق المدنية وتستبدل بالاوامر الدينية؛ ويصبح الفساد والمحسوبية هما القاعدة، ويصبح الانسان ذئب على اخيه الانسان؛ ولا يبقى مكان لقيم يهودية إنسانية وعالمية، مثل الحرية والمساواة والاخوة.

نحن نسير بخطى حثيثة في هذا المسار، وواضح لنا انه اذا سمح للائتلاف الحالي بالاستمرار فسيتم انجاز المهمة وستتغير إسرائيل تغييرا لا رجعة فيه.

يمكننا التوقف هنا والقول: اعتبروا هذا بمثابة جرس انذار – الانتخابات القادمة مهمة جدا لانها صراع على صورة إسرائيل. فاذا لم تتم إزالة هذه الحكومة الخبيثة من البلاد فسيتغير وجه إسرائيل بشكل جذري، ستصبح دولة تبعد كل القوى الإبداعية والليبرالية، وستصبح بالتأكيد فقيرة، وستصبح دولة تعاني في فيها الحياة من صعوبات كثيرة، وسينبذها معظم العالم، وستعاني من المقاطعة، وستصبح فيها التوترات الاجتماعية لا تطاق ولن يتمكن مواطنوها من السفر الى الخارج، بل حتى ان يهود العالم سينفصلون عنها، وستكون مكان تتحقق فيه رؤية “شعب يعيش لوحده ولا يبالي بالأمم”.

لكن تصوير الانتخابات على انها صراع على صورة إسرائيل هو ناقس. في الواقع الامر اخطر بكثير. فللمرة الأولى منذ بدء الاحتجاجات والنضال من اجل صورة إسرائيل حصلنا على اعتراف بان هذا خطر حقيقي يهدد إسرائيل ماديا ويهدد بتدمير الهيكل الثالث.

نحن على حافة هاوية سحيقة، على بعد خطوة نحو السقوط في ظلام دامس، يكتنفه الشك في إمكانية العودة منه. هذا درس من تاريخنا البعيد الذي شهدنا فيه تدمير الهيكل مرتين، وهو درس لشعوب أخرى أيضا في العصر الحديث، التي لم تعرف كيفية تجنب السقوط ودفع ثمن باهظ.

إسرائيل دولة صغيرة وهي تفتقر الى العمق الاستراتيجي، وهي محاطة بالتهديدات وتعتمد بشكل كبير على مكانتها الدولية بشكل عام، وعلى علاقتها بالولايات المتحدة والدول الغربية بشكل خاص. في ظل تدهور العلاقات مع الدول الغربية، لا سيما مع الرأي العام في أمريكا، لم يعد يمكن افتراض انه اذا انهارت أسس الدولة فسيكون هناك من يحشد الجهود لاعادة بنائها.

ان من يتجاهل الأثر المتزايد لمشاهد الدمار في غزة والمذابح في الأراضي المحتلة انما يدفن رأسه في الرمل. والعقوبات التي بدأت تفرض على إسرائيل ليست الا غيض من فيض، عملية ستتفاقم وتحول إسرائيل الى دولة ضعيفة ومعزولة ومنبوذة في نظر كل العالم.

ومن يعتقد ان الشرعية الدولية والالتزام الأخلاقي بوجود الدولة اليهودية بعد المحرقة هو مصدر لا ينضب، هو واهم. فالذاكرة التاريخية تتغير، ومشاعر الذنب التي أعقبت المحرقة تتلاشى، وفي نفس الوقت نشهد صعودا متجددا لليمين المتطرف ومعاداة السامية في أجزاء كثيرة في أوروبا.

ورغم كل ما سبق يعتقد كثيرون ان هناك مبالغة في وصف الوضع الخطير في إسرائيل، ويشيرون الى التشابه الظاهري بين إسرائيل والمجر، التي يرونها مثالا على القدرة على الحفاظ على نظام غير ديمقراطي لفترة طويلة مع البقاء كدولة شرعية. وهذا خطأ كبير. فالمجر جزء من اطار أوروبي مستقر ومتوازن، وعضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في حين إسرائيل هي دولة صغيرة في بيئة امنية معادية مليئة بالصراعات.

يضاف الى ذلك وجود تيار ديني مسيحاني متشدد في إسرائيل، يزداد تاثيره على طبيعة الدولة وقيمها واستعدادها لحل الصراع الدموي مع الفلسطينيين. في ظل غياب تحالف سياسي متوازن مثل الاتحاد الأوروبي، وفي ظل سحب الولايات المتحدة دعمها التقليدي لإسرائيل، تتضاءل فرصة إسرائيل في البقاء على المدى البعيد بشكل كبير.

بسبب ذلك تعتبر هذه الانتخابات مهمة جدا. انها مسالة وجود أو زوال. وليس اقل من ذلك. وحتى لو لم يتم محو الدولة من خارطة العالم على الفور، الا ان عملية التدهور ستكون سريعة وقاسية. ستتم إعادة رسم الخارطة السياسية ولن تشكل إسرائيل أي ذخر استراتيجي لأي دولة في العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة التي تسعى بجهد لتشكيل شرق أوسط جديد لا تمثل فيه إسرائيل محور رئيسي. وعندما يختفي المبرر الأخلاقي لوجود الدولة اليهودية في نظر العالم، وعندما نبقى أمة صغيرة، معزولة ومكروهة من قبل الجميع، وعندما نفقد الدعم الاقتصادي والعسكري من الدول الغربية، وعلى راسها الولايات المتحدة، عندها سيأتي الانهيار النهائي – سيتم تدمير الهيكل الثالث.

——————————————-

يديعوت احرونوت 23/10/2026

التصويت الوجودي

بقلم: سيما كدمون

بعد أربعة أيام، سنقف خلف الستار وبيدنا ورقة اقتراع. في لحظة، ستوضع الورقة في ظرف، ثم يُوضع الظرف في صندوق الاقتراع. سيرميها بعضنا بلا مبالاة، بينما سيرميها آخرون بقلوب تخفق بشدة: إنه قرار لا رجعة فيه. ستأتي الفرصة التالية، إن لم يكن حسم، فقط بعد بضعة أشهر عصيبة في جولة انتخابية أخرى – وحتى ذلك الحين، ستستمر الحكومة الكارثية في جرّنا إلى الهاوية.

الإدلاء بالصوت ليس يانصيبًا. أحيانًا تُوجّهه العواطف والمعتقدات والأهواء، وأحيانًا أخرى يُوجّهه المنطق السليم. يُسمّونه التصويت الاستراتيجي. ليس في ذلك عيب – لكن هذه المرة يجب ألا يكون تلقائيًا. على المحك حياة كل واحد منا ومستقبل بلد بأكمله. “التصويت الوجودي”، هذا هو الاسم الذي أُطلقه عليه. أخيرًا، ثمة مبرر لاستخدام كلمة “وجودي”. قبل بضعة أشهر، كنا لا نزال نعتقد أن الانتخابات ستنتهي بحسم واضح. بعد السابع من أكتوبر، وبعد حرب لم تنتهِ بعد، وحكومة لا تُبالي بمواطنيها – من ذا الذي سيصوّت لهذه الحكومة؟ لكن استطلاعات الرأي والمعلقين يرسمون صورة لمعركة حامية الوطيس. ومع ذلك، قبل أربعة أيام من الانتخابات، لا يزال هناك الكثير مما يمكن أن يحدث. قبل يومين فقط علمنا أننا كنا نواجه حربًا استباقية قبل نحو عشرة أيام. سمّوها ما شئتم، أنا أسميها عملية إلغاء الانتخابات. مجرد هجوم صغير في إيران، تم إلغاؤه بأوامر من الرئيس ترامب. وتأكدوا أن الأمر لم ينتهِ بعد. بمعرفتي بالعميل، من الممكن أن يُدق ناقوس الخطر يوم الثلاثاء الساعة السابعة صباحًا. انتظروا، ولماذا لا في الأيام التي تلي الانتخابات؟ ما الذي قد يخدم نتنياهو أفضل في حال خسارته من فوضى أمنية “تُجبره” على الدعوة إلى حكومة وحدة وطنية؟ الأمر المؤكد هو أنه مع اقتراب الانتخابات، يُصعّد نتنياهو من “رقصة الحوافر”، حيث تدفعه حوافر زواله السياسي إلى إشعال حرب.

ثلاثة سيناريوهات كارثية تلوح في الأفق: حكومة أقلية، أو حكومة وحدة وطنية مشلولة، أو إعادة الانتخابات. ثلاثة خيارات إما أن تبقى فيها الحكومة الكارثية قائمة، أو تُشكّل حكومة ضعيفة أيامها معدودة. لقد أعلن نتنياهو بالفعل أنه حتى لو خسر، فلن يرحل. هيا بنا. حتى حكومة من 61 مقعدًا تُعدّ انتصارًا على العبث. مع هذه الأغلبية، يصبح كل فاسد ملكًا، وكل وزير إمبراطورًا له حق النقض، وكل نزوة تُصبح تهديدًا، وكل قرار جريء يُرفض. حكومة بأغلبية صوت واحد ستواجه صعوبة حتى في تغيير مصباح كهربائي. كيف ستُمرر قانونًا للتجنيد العادل؟ كيف ستستأصل الفساد وكل يد مرتعشة في المجلس قادرة على استئصاله؟ مثل هذه الحكومة لا تُعيد الأمور إلى نصابها: إنها تنجو فقط. لكن هذه المرة، لم يعد البلد ينجو. هذه المرة، لا يجب أن نرضى بـ 61 صوتًا. ما نحتاجه هو أغلبية ساحقة، بحيث لا يستطيع أي عضو كنيست أو حزب صغير إسقاط البيت بأكمله.

نحن نقترب من عتبة بعد أربع سنوات هي الأصعب في تاريخنا. في قلب هذه السنوات جرح غائر: السابع من أكتوبر، كارثة لم تُحقق فيها بعد، ودروس لم تُستخلص منها بعد. من جهة، نيران مشتعلة على جميع الجبهات: إيران، حماس، حزب الله، الحوثيون، وسوريا؛ تجنيد الحريديم؛ الجريمة التي تنهش المجتمع العربي، ووضع دولي يتدهور نحو العقوبات والعزلة. وفي خضم كل هذا، الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية، الذي قد يتحول إلى حرب أهلية. العالم يُغطي أخباره يوميًا، وقادة أحزاب التغيير غالبًا ما يلتزمون الصمت خشية خسارة الأصوات. نحن نُصبح تحت حماية ترامب، الذي يعرف جيدًا ما هو خير لنا. أو له. والعقوبات التي تنتظرنا خلف الزاوية ستحطم نوافذ الفيلا التي واصلنا العيش فيها، على بعد مسافة قصيرة بالسيارة من الضفة الغربية وقطاع غزة.

من جهة أخرى، تنهار الأسس: تعليم متساهل، ومواصلات خانقة، واقتصاد متدهور سيجعلنا نفتقد غلاء المعيشة الحالي. معظم الناس لا يدركون حجم الضرر، وليس هذا من قبيل الصدفة. التهديدات الخارجية حقيقية تمامًا، لكن الخوف منها أصبح أداة سياسية، وإلى جانبه يُغذّى الخوف من “العدو الداخلي”: العرب، واليساريون، والقضاة، والإعلام، وكل من تجرأ على رفع رأسه. سيُكسر سد الصمت. سنكتشف فسادًا وإخفاقات لم نكن نتخيلها. في حزيران 2021، أدت حكومة بينيت-لبيد اليمين الدستورية بأغلبية 60 صوتًا مقابل 59، مع امتناع واحد عن التصويت. وعدت الحكومة الجديدة بـ”قانون المتهم” وتحديد ولاية رئيس الوزراء، لكنها كانت أضعف من أن تُفعّلهما. بعد أقل من عام، نهض أحد أعضاء الكنيست وانسحب، فانهار المبنى. وقد حدث هذا في وقت كان فيه الاقتصاد مستقرًا ولم تُفتح الحدود بعد. إذا لم تصمد هذه الأغلبية آنذاك، فكيف ستصمد حكومة كهذه اليوم؟ لذلك، سيتعين على الحكومة القادمة أن تتصرف بشكل مختلف: لا أن تُحصّن نفسها حول أعضائها، بل أن تزيد من سلطتها منذ اليوم الأول وأن تضم إليها أعضاءً أكفاء في الكنيست. فبدون رؤية حكومية واضحة، لا مجال للإصلاح.

أعترف أنه لكي أُقصي قائدًا جديرًا بأبنائي وأحفادي، يكفيني حكمٌ كهذا الوارد في دعوى رئيس جهاز الأمن العام السابق، رونين بار، ضد رئيس الوزراء. ردًا على توصية بار بتحويل “ورشة الاغتيالات” إلى مؤسسة واسعة النطاق، أجاب المدعى عليه بأنه يخشى أن يُوازن معادلة الاغتيالات بتنفيذ عمليات مماثلة من قِبل الأعداء ضده شخصيًا، أو باختصار: يخشى على نفسه. وردًا على رسالة بار التي تُحذر من اقتراب “عاصفة كاملة”، شدد نتنياهو على ضرورة “تعزيز أمنه وأمن عائلته”. وإذا أضفنا إلى ذلك ما قاله نتنياهو لغالانت في سياق مناقشات تصفية نصر الله: “إنهم يعرفون أين نسكن” – أي أنه أعرب عن مخاوفه من أن يرد حزب الله بتصفية قادة إسرائيليين – يمكننا ربط هذا بالنمط المألوف من السؤال: “من تريد أن يجيب على الهاتف الأحمر في الثالثة صباحًا؟”. لكن السؤال هذه المرة هو: هل تريد رئيس وزراء يخشى أولًا على حياته وحياة عائلته، أم يهتم أولًا بأمن البلاد؟

هذا يكفيني. أريد لقائدي أن يهتم قبل كل شيء بحياة جميع أبنائنا، وليس فقط بنفسه وعائلته. وبناءً على ذلك، سأتوجه إلى صناديق الاقتراع الأسبوع المقبل. عندما يخوض نتنياهو معركة حياته، ونخوض نحن معركة حياتنا، لا مجال للتعادل: إن فاز، خسرنا. وإن فزنا فوزًا خفيًا، سيبحث عن عضو الكنيست الذي سيمنحه جولة ثانية، وسيجده.

… هل يمتلك آيزنكوت الخبرة السياسية الكافية؟ هل استوعب بينيت دروس فترة رئاسته للوزراء؟ هل سيتمكن ليبرمان من التخلي عن موقفه وإدراك استحالة الإعلان مسبقًا عن عدم قبول حكومة أقلية، أو حكومة مدعومة من العرب، أو حكومة مع الحريديم؟ بعيدًا عن الصراعات الشخصية بين ليبرمان وبينيت وآيزنكوت ولبيد وغولان، سنتركها جانبًا. ما سنحمله معنا هو الإدراك أن على الأغلبية المعتدلة هذه المرة أن تنحاز: دولة ضعيفة تغرق في الدماء، أم دولة لديها فرصة. وأي ورقة اقتراع ستمنحها أغلبية ساحقة – ورقة اقتراع تُعزز الكتلة، لا ورقة تُرمى في سلة المهملات دون الوصول إلى العتبة الانتخابية.

عندما أضع ورقة الاقتراع في الظرف، سأعلم أنها الورقة الصحيحة. لكن تلك اللحظة ما زالت أمامنا. أربعة أيام تفصلنا عن يوم الثلاثاء: للإقناع، ولإيقاظ اللامبالين، ولرصد أي محاولة للتشكيك في نزاهة الانتخابات.

نحن على حافة الهاوية. هذه المرة نحتاج إلى الفوز بضربة قاضية، بفارق كبير، لأن البلاد لن تنجو من جولة أخرى كهذه.

——————————————-

 

 

نتنياهو يفشل في إبعاد حزب الحريديين عن منافسته في الانتخابات

كشف موقع “زمان إسرائيل”، عن محاولات يائسة من رئيس الحكومة الصهيونية بنيامين نتنياهو لثني رئيس حزب ما يسمى بـ”الجمهور” الحريدي موتي لايتنر، عن المشاركة في انتخابات “الكنيست” في كيان الاحتلال المقرر إجراؤها في 27 الجاري، لكن دون جدوى.

وأشار المحلل السياسي في صحيفة “زمان إسرائيل” شالوم يروشالمي في تقرير له اليوم الجمعة 23 تشرين الأول/أكتوبر 2026 إلى أن نتنياهو حاول “طوال ليلة كاملة”، إبعاد موتي لايتنر، عن خريطة المنافسة في الانتخابات.

وقال: “لم يكن نتنياهو يعرف من هو لايتنر حتى اللقاء الذي جمع بينهما، ولن يتذكر أيضًا من يكون بعد دقيقة من انتهاء الانتخابات، لكنه يوم الثلاثاء الماضي، الذي صادف عيد ميلاد رئيس الحكومة، وبين الساعة الثانية والرابعة والنصف فجرًا، استخدم كل نفوذه وسحره المعروف لإقناعه بالانسحاب قبل طلوع الشمس”.

أضاف: “لايتنر، الذي يسعى إلى تجنيد الجمهور الحريدي الذي لا يدرس في الجيش “الاسرائيلي”، وإدخال المواد الأساسية إلى التعليم الحريدي، لم يتزحزح عن موقفه وأعلن أنه سيواصل السباق حتى نهايته. ومن المرجح أن تفسيره زاد من توتر نتنياهو، الذي فقد أعصابه في الأيام الأخيرة وهو يحاول إنقاذ كل صوت في معسكر اليمين، بدءًا من عوفر فينتر وانتهاءً بحزب “أخي” الجديد، الذي أسّسه الحاخام الراحل يورام أبرجل”.

وأشار إلى أن لايتنر قال لنتنياهو صراحةً إنه سيخسر الانتخابات، وأنه يمتلك استطلاعات معمّقة استُثمرت فيها أموال كثيرة، تشير إلى أن كتلة اليمين يمكنها الحصول على 54–55 مقعدًا على الأكثر.

وقال لايتنر لنتنياهو: “حتى لو حصلت الأحزاب الحريدية مجتمعةً على 18 مقعدًا، وهي لن تصل إلى هذا العدد، فلن تتمكن من الفوز في الانتخابات”. مشيرًا إلى أن نتياهو بالمقابل عرض عل لايتنر بيانات معاكسة من استطلاعات حصل عليها. فقال له لايتنر: “أنا أعرف هذه الاستطلاعات. رجالك يقولون لك ما تريد أن تسمعه”.

ولفت يروشالمي إلى أن لايتنر، الذي يصف نفسه بأنه من أنصار نتنياهو، ليس الحريدي الوحيد الذي ينقل أجواء التشاؤم إلى رئيس الحكومة. “فرئيس حزب “شاس”، أرييه درعي، مقتنع أيضًا بأن كتلة اليمين لن تتمكن هذه المرة من تجاوز عتبة 58 مقعدًا، حتى في أفضل الأحوال”.

كما لفت إلى أن درعي يتحدث بحماسة على القناة 14 عن حصول نتنياهو وشركائه في الائتلاف على 64 مقعدًا في الانتخابات المقبلة، لكنه يعترف في المحادثات الداخلية بأن الوضع صعب، بما في ذلك وضع حزب “شاس” نفسه؛ ولذلك يستعد لخوض معركة من أجل بقاء الحزب يوم الثلاثاء المقبل.

وأوضح يروشالمي أن شعبية درعي هي في أدنى مستوياتها، ولم تعد تُر في الشوارع لافتات تعرض صورته إلى جانب نتنياهو.

ووفقًا لكاتب التقرير، ينوي درعي إنفاق ملايين الشواكل يوم الانتخابات، من ميزانية ضخمة موضوعة تحت تصرفه في ذلك اليوم بموجب قانون تمويل الأحزاب. وسيشغّل درعي 5,000 ناشط ميداني، إضافةً إلى 3,000 من حاخامات جماعات شاس في أنحاء البلاد، يعرفهم شخصيًا.

في المحادثات الداخلية، يقدّر درعي أن الحريديم الأشكناز في حزب “يهدوت هتوراه” قد يديرون ظهورهم لنتنياهو بعد الانتخابات، ويتوصلون إلى اتفاق خاص بهم بشأن قانون الإعفاء من التجنيد مع غادي آيزنكوت، إذا انتصر في المعركة.

ورأى الكاتب أن “هناك من يسعى إلى استغلال هذا الوضع. فتراجع كتلة اليمين في استطلاعات الرأي والضغط الذي يتعرض له نتنياهو يشجعان مزيدًا من الأحزاب الحريدية الصغيرة على انتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب، أحيانًا إلى حد العبث”.

وأضاف: “بالعودة إلى لايتنر. خلال لقائه مع نتنياهو، عرض عليه رئيس الحكومة مناصب رفيعة في الحكومة وميزانيات للعمل المشترك من أجل تجنيد الحريديم وتغيير خريطة التعليم الحريدي. وطالب لايتنر بضمانات مالية لهذه الوعود، لأن الأمور، من دونها، تبقى حبرًا على ورق. لكن نتنياهو رفض تقديمها”.

وتابع: “قال لايتنر لنتنياهو؛ “يجب أن يتغير الواقع في “إسرائيل”. على المجتمع الحريدي أن يندمج. يشكّل الحريديم 34% من تلاميذ الصف الأول في “إسرائيل”. وفي عام 2030، ستصل النسبة إلى 40%، ويخرج معظم التلاميذ من منظومة التعليم الحريدي من دون أن يكونوا مستعدين لحياة العمل وكسب الرزق”. ولدهشة لايتنر، كان نتنياهو يعرف كل هذه المعطيات المحزنة جيدًا”.

ورأى يروشالمي في المحصلة، أن نتنياهو فشل، وسيخوض لايتنر وحزبه الانتخابات حتى النهاية. مشيرًا إلى أن لايتنر يقدّر أنه سيحصل في الانتخابات على ما يقارب مئة ألف صوت. وسيشكّل ذلك قاعدة لخوض الحزب الانتخابات المقبلة، التي ستُجرى في وقت قريب، بحسب تقديره، إذا لم تُحسم الانتخابات، وكذلك إذا شكّل آيزنكوت حكومة أقلية سيسقطها سريعًا.

وختم مشيرًا إلى أن نتنياهو، “مقتنع بأن سيناريو كهذا، إذا حدث، سيكون بسبب فينتر ولايتنر وأفي ماعوز، وجميع أصدقائه في اليمين الذين كان في الماضي يقنعهم بالانسحاب من السباق الانتخابي عبر مكالمة هاتفية من سيارته”.

—————-انتهت النشرة—-

Share This Article