بقلم أحمد زكي العريدي: هل يتخلى العالم الرسمي عن نفاقه وتواطؤه وإلى متى يتحمل الفلسطينين نتائج حروب العالم؟

الخليل تحت الحصار الإسرائيلي.. مشاهد التهجير تعيد الفلسطينيين إلى نكبة عام 1948

المسار: يواصل الاحتلال الإسرائيلي تفنّنه في التنكيل بالفلسطينيين وتعذيبهم جماعيًا، وهذه المرة عبر حصار مدينة الخليل ومحيطها، وإغلاق مداخلها، وتدمير الممتلكات، وإجبار العائلات الفلسطينية على مغادرة منازلها، في مشهد يعكس سياسة البطش والترويع التي تتسع رقعتها في الضفة الغربية.

منذ أمس، يفرض الاحتلال حصاره على منطقة الخليل، التي تضم نحو ستة مداخل رئيسية، بعدما أغلق أربعة مداخل في وقت سابق، قبل أن يطاول الإغلاق المدخلين الرئيسيين للمدينة، ليحوّل حياة المواطنين إلى معاناة يومية، ويقيّد حركتهم، ويضاعف أعباءهم الإنسانية والمعيشية.

وفي منطقة فرش الهوى، المدخل الغربي لمدينة الخليل، خلّفت جرافات الاحتلال مشاهد من الدمار والخراب، في اعتداء جديد يضاف إلى سجل طويل من استهداف المدن والبلدات الفلسطينية، وتدمير مقومات الحياة فيها.

الأكثر إيلامًا ما أظهرته المشاهد والصور من خروج مئات العائلات الفلسطينية من منازلها، تحت وطأة الاقتحامات والإجراءات العسكرية، فيما تحمل النساء أطفالهن، ويسير المواطنون في مجموعات، وسط الخوف والقلق، تاركين وراءهم منازلهم وممتلكاتهم، من دون أن يعرفوا متى سيتمكنون من العودة إليها.

إن هذه المشاهد ليست عابرة، بل تستحضر في الذاكرة الفلسطينية صور التهجير القسري الذي شهده شعبنا عام 1948، وما أعقبه عام 1967، وصولًا إلى ما تعرض له أهالي قطاع غزة ومخيم جنين ومخيم نور شمس من تدمير وتهجير وتشريد. وتتكرر المأساة بأشكال مختلفة، فيما يبقى الفلسطيني مطالبًا بدفع ثمن الاحتلال من أمنه وبيته وأرضه ولقمة عيشه.

ولا يتوقف العدوان عند الخليل وحدها؛ فالضفة الغربية بأكملها تواجه واقعًا متصاعدًا من الاقتحامات والتدمير واستهداف المصانع والمحلات التجارية والمنشآت الاقتصادية والزراعية، فضلًا عن تجريف الأراضي الزراعية والاعتداء على أشجار الزيتون التي تمثل مصدر رزق آلاف العائلات الفلسطينية، وجزءًا أصيلًا من هويتها الوطنية والتاريخية.

أين العالم الذي يتحدث عن حقوق الإنسان، وأين المؤسسات الدولية التي ترفع شعارات حماية المدنيين؟

كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يواصل الصمت أمام مشاهد العائلات التي تُجبر على مغادرة منازلها، وأمام الدمار الذي يطاول المدن والقرى والمزارع الفلسطينية؟ وأي قيمة للبيانات والاستنكارات إذا بقيت بلا إجراءات فعلية توقف الانتهاكات وتحمي المدنيين وممتلكاتهم؟

إن ما يجري في الخليل والضفة الغربية لا يجوز التعامل معه باعتباره أحداثًا أمنية عابرة، بل يجب النظر إليه في سياق أوسع من الضغط على الفلسطينيين وتضييق سبل عيشهم وتهديد وجودهم على أرضهم.

لقد بات المطلوب من المجتمع الدولي تجاوز سياسة التنديد اللفظي إلى تحرك جاد يضمن حماية المدنيين، ويوقف التهجير القسري والتدمير، ويحاسب المسؤولين عن الانتهاكات، ويوفر للفلسطينيين حقهم في الحياة الآمنة والكريمة.

الخليل ليست وحدها في مواجهة البطش، والضفة الغربية ليست ساحة مباحة للاحتلال. فالشعب الفلسطيني الذي دفع أثمانًا باهظة من أرضه وأبنائه وممتلكاته لن تتحول معاناته إلى خبر عابر في نشرات الأخبار، ولن يصبح اقتلاع العائلات من بيوتها وتدمير أراضيها أمرًا طبيعيًا يعتاد عليه العالم.

إن الصمت الدولي لا يحمي الضحايا، بل يتركهم في مواجهة آلة الاحتلال، ويمنح المعتدي مزيدًا من الوقت لمواصلة سياساته على حساب الإنسان والأرض والتاريخ

Share This Article