محمد مشارقة، مركز تقدم للسياسات – لندن.
المسار: – تشهد القارة الأوروبية منذ أيلول/سبتمبر 2026 موجة احتجاجية واسعة وقودها طلاب الثانويات والجامعات، انطلقت شرارتها من فرنسا قبل أن تتمدد إقليمياً إلى إسبانيا، بلجيكا، إيطاليا، البرتغال، اليونان، وألبانيا. وقد بلغت الذروة الميدانية في منتصف تشرين الأول/أكتوبر بمشاركة تجاوزت 800 ألف متظاهر بحسب التقديرات النقابية، مع انضمام قطاعات عمالية وحركات مثل “السترات الصفراء” في فرنسا.
– تتمحور المطالب المعلنة حول قضايا معيشية وخدمية ملموسة تمس الحياة اليومية لـ “جيل Z”: شح الكوادر التعليمية، اكتظاظ القاعات، أزمة السكن الطلابي، وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية. وقد أحدثت هذه الضغوط الميدانية تداعيات سياسية متباينة؛ ففي حين أدت إلى الدعوة لانتخابات مبكرة في إسبانيا، شهدت مدن مثل ميلانو مواجهات مع الشرطة في حراكات تداخلت فيها المطالب الاجتماعية مع محاولات توظيف من قوى يمين راديكالي.
– تشير الورقة إلى أن التحركات الراهنة لا تمثل “تجاوزاً واعياً” أو قطيعة ناجزة لمنظومة “الليبرالية الجديدة”، بل تُجسد أزمة شرعية عميقة للعقد الاجتماعي القائم منذ الثمانينيات. فبينما يمتلك محتجو جيل Z تشخيصاً واضحاً وميدانياً لنتائج سياسات التقشف وتسليع الخدمات العامة، فإنهم يفتقرون للبديل الهيكلي والبرنامج الاقتصادي الموحد.
– عدم القدرة على الحسم والدعوة للتغيير الجذري يعود إلى ثلاثة محددات رئيسية:
1. تظل المطالب إصلاحية في جوهرها وتتمحور حول تحسين نتائج الخدمة والمطالبة بالتمويل، لا المطالبة بتأميم القطاعات أو إلغاء الخصخصة.
2. تُكبل القواعد والسياسات المالية الصارمة وضوابط الإنفاق في الاتحاد الأوروبي هامش الاستجابة لدى الحكومات.
3. الاعتماد على شبكات المنصات الرقمية يُوفر قدرة فائقة على التعبئة السريعة، لكنه يفتقر للهياكل التنظيمية والقيادية الصلبة القادرة على التفاوض أو الانتظام في العملية التشريعية.
– تُبرز الورقة أن مخاطر التراجع الديمقراطي لا تنبع من طبيعة الحركات الشبابية ذاتها، بل من سلوك الحكومات وتكتيكات التوظيف السياسي. فقد اتجهت الاستجابة الرسمية – ولا سيما في الحالة الفرنسية – نحو غلبة الحلول الأمنية والقضائية والتضييق على التظاهر (عبر مئات الاعتقالات والإحالات السريعة للمحاكم)، وهو ما يهدد بإنتاج دورة تصعيدية تُغذي الراديكالية بدلا من امتصاص الغضب.
– يرافق ذلك خطر استثمار القيادات الحاكمة لخطاب “فرض النظام” لكسب الفئات العمرية الأكبر سناً، مما يفسح المجال أمام القوى الشعبوية واليمين المتطرف لحصد نتائج هذا الغضب انتخابياً، مستفيدة من حالة السخط الجيلي العام ورسائل الرفض الموجّهة للمؤسسات السياسية التقليدية.
– لا تعني هذه الموجة النهاية الفورية لنموذج الليبرالية الجديدة، لكنها تعمق جراحه وتكشف هشاشة شرعيته الأخلاقية والتنموية لدى الأجيال الجديدة. وتضع التطورات النظام السياسي الأوروبي أمام استحقاق أزمة تمثيل واضحة تتراجع فيها كفاءة الأحزاب الكلاسيكية لصالح الشارع، لتظل مآلات المشهد مرهونة بمدى قدرة الشباب على ابتكار قنوات تمثيلية مؤسسية، وبطبيعة التنازلات التنموية أو الحلول الأمنية التي ستختارها الحكومات في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

