لكن هذه الانتخابات لا تُعَد مجرد استفتاء على بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الذي أمضى نحو عقدين في قلب السلطة، بقدر ما هي اختبار لقدرة إسرائيل على تغيير مسارها بعد سنوات من الحروب والعزلة الدولية.
واللافت هذه المرة أن غادي آيزنكوت -رئيس هيئة أركان الجيش السابق ومنافس نتنياهو الأبرز- يتقدم في عدد من استطلاعات الرأي، مقدما نفسه مرشحا يجسد المسؤولية، ويلتزم بالنزاهة، ويحمل لواء استعادة الثقة.
غير أن احتمال خسارة نتنياهو الانتخابات لا يعني بالضرورة سقوط النهج الذي رسخه؛ فإسرائيل التي تتطلع قطاعات منها إلى قيادة جديدة تبدو -في الوقت نفسه- أكثر تشددا حيال الفلسطينيين وأكثر اقتناعا باستخدام القوة العسكرية.
هذه المفارقة هي جوهر ما خلص إليه رئيس تحرير صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية ألوف بن في مقاله بمجلة “فورين أفيرز” الأمريكية تحت عنوان “ما لن تغيره الانتخابات الإسرائيلية”.
وهي أيضا خلفية التقرير الذي نشرته “نيويورك تايمز” عن آيزنكوت، إلى جانب افتتاحية “وول ستريت جورنال” التي تطرح احتمال بقاء نتنياهو في السلطة حتى إذا خسر التصويت، نتيجة تعثر تشكيل الحكومة.
آيزنكوت.. وجه مختلف ونهج متقارب
يرسم تقرير “نيويورك تايمز” صورة لرجل ينأى بنفسه عن النموذج السياسي الذي يمثله نتنياهو، فآيزنكوت (66 عاما) يطرح نفسه خيارا مناقضا لنتنياهو في الشكل والأسلوب والمنشأ.
ووفق التقرير المطول الذي أعده 3 من مراسليها، فإن آيزنكوت ينحدر من بيئة شعبية ابنا لمهاجرين من المغرب نشأ في طبريا وإيلات، ليكون إذا تولى رئاسة الحكومة أول رئيس وزراء ينتمي إلى اليهود الشرقيين “المزراحيم” الذين يشكلون نصف يهود إسرائيل، ويمثلون جزءا كبيرا من القاعدة الانتخابية الصلبة لخصمه نتنياهو المولود في أحضان النخبة الأشكنازية بمدينة القدس.
تكمن الفجوة الأبرز بين الخصمين في فلسفة القيادة ومفهوم المسؤولية الأخلاقية؛ إذ يصف آيزنكوت غريمه نتنياهو بأنه “نقيض القائد”، منتقدا -بحسب التقرير- حرصه الدائم على تصدر المشهد في لحظات النجاح والتقاط الصور التذكارية، مقابل إشاحة الوجه وإلقاء اللائمة على المؤسسة الأمنية والعسكرية كلما وقعت كارثة.
وكانت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” قد نقلت عن آيزنكوت قوله إن هذه الانتخابات تختصر الاختيار بين تحمل المسؤولية والتهرب منها، وهو ما دفعه إلى التعهد بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تشتمل حتى على مراجعة قراراته هو شخصيا حين كان رئيسا للأركان.
تتغذى دوافع آيزنكوت السياسية من تجربة الفقد والفاجعة الشخصية التي عاشها خلال الحرب -بحسب الصحيفة- إذ تلقى خبر مقتل ابنه الأصغر غال (25 عاما) في ديسمبر/كانون الأول 2023 إثر انفجار نفق في قطاع غزة، تلاه مقتل اثنين -أحدهما ابن شقيقته والآخر ابن أخ زوجته- في معارك لاحقة.
وتنقل الصحيفة الأمريكية عن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك قوله إن صعود آيزنكوت يمثل “تصحيحا ومداواة أخلاقية” لمؤسسة الحكم في إسرائيل، مؤكدا أنه على الرغم من افتقاره بلاغة نتنياهو، فإنه لن يكون زعيما يتحدث عنه نظراؤه بوصفه كاذبا، وفق الصحيفة.
لكن هذا التباين الشديد في السلوك الشخصي والرغبة في إنقاذ المؤسسات الديمقراطية والقضاء وحرية الصحافة لا يعنيان تحولا جذريا في التوجهات الخارجية لإسرائيل أو نهجها تجاه الشعب الفلسطيني.
ما بعد 7 أكتوبر.. إجماع يتجاوز نتنياهو
في مقال تحليلي معمق بمجلة “فورين أفيرز”، يؤكد ألوف بن -رئيس تحرير صحيفة “هآرتس” والباحث في مركز بيل غراهام للتاريخ الدولي المعاصر بجامعة تورنتو الكندية- أن فوز آيزنكوت لن يُحدث أي قطيعة مع العقيدة الأمنية القائمة.
ويكشف ألوف بن أن معظم الأحزاب اليهودية الكبرى على اختلاف مشاربها -بما فيها حزب “يشار” الذي أسّسه آيزنكوت حديثا- ترفض كليا قيام دولة فلسطينية مستقلة، وترى أن فكرة حل الدولتين باتت مجرد حفرية مهجورة من حقبة التسعينيات المفرطة في التفاؤل.
كما أن تلك الأحزاب قاطبة تقريبا ترى أن الحرب الشاملة على قطاع غزة والضربات ضد إيران واحتلال أراضٍ في لبنان وسوريا وتأسيس ما تسميه الحكومة والجيش “مناطق أمنية” (أراض محتلة) هناك كانت “مبررة أخلاقيا وضرورية عمليا”.
وبحسب مقال “فورين أفيرز”، تقتصر أبرز التباينات بين نتنياهو وآيزنكوت في الملفات الأمنية على التفاصيل التكتيكية وطريقة إدارة الصراع وليس على غاياته النهائية.
فبينما يرفع نتنياهو شعار “النصر الكامل” غير الممكن ويموج في وعوده بإسقاط النظام الإيراني، يعتقد آيزنكوت أن التغيير الشامل للحكومات عبر الغارات الجوية لا يعدو أن يكون “وهما”، وأن الهدف الواقعي يتجسد في تجريد إيران من اليورانيوم المخصب وإخضاع برنامجها النووي لرقابة صارمة بعد توجيه ضربات عسكرية تضعف قدراتها الذاتية.
الضفة الغربية والاحتلال.. مساحة محدودة للاختلاف
ويظهر التباين التكتيكي بين الرجلين في كيفية التعامل مع اعتداءات المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية.
إذ يتغاضى نتنياهو عن هذه التجاوزات لحاجته الماسّة إلى أصوات حلفائه في اليمين المتطرف، في حين يصفها آيزنكوت بلا تردد بـ”الإرهاب اليهودي”، ليس شفقة على الضحايا الفلسطينيين -بحسب تعبير ألوف بن- بل لإدراكه العميق بأن هذه السلوكيات “تدفع الضفة نحو انفجار دموي وشيك، وتزيد من العزلة الدبلوماسية والإدانة الدولية لإسرائيل”.
وتتزامن هذه التطورات الداخلية مع تدهور متسارع في الصورة الذهنية لإسرائيل ومكانتها العالمية. ويسلط مقال “فورين أفيرز” الضوء على العواقب الاقتصادية والدبلوماسية الوخيمة التي بدأت تتردد أصداؤها بالفعل؛ إذ بلغت معدلات التأييد الدولي لإسرائيل أدنى مستوياتها التاريخية وسط اتهامات متزايدة بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية، في ظل الدمار الواسع والمجاعة في غزة.
وقد عبّر زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأمريكي تشاك شومر عن بعض مظاهر هذا التحول في يوليو/تموز 2025، حين وصف التقارير والصور الواردة من غزة التي توثق الجوع والمجاعة والمعاناة والوفيات بأنها “غير مقبولة على الإطلاق”، رغم تأكيده حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها.
وفي بريطانيا، أعلن وزير الخارجية إد ميليباند خططا لحظر استيراد سلع المستوطنات وتوسيع صلاحيات فرض العقوبات على الشركات والجهات التي تدعم الاستيطان أو تموله أو تستفيد منه في الضفة الغربية، وهو ما قد يضع المصارف الإسرائيلية المشاركة في تمويل المشروعات الاستيطانية أمام قيود قانونية ومالية في لندن.
وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، ورغم الدعم الصريح الذي يمنحه الرئيس دونالد ترمب لحملة نتنياهو، تزايدت الأصوات داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري المطالبة بفرض قيود على المساعدات ونقل التكنولوجيا العسكرية إلى الجيش الإسرائيلي.
ويشير ألوف بن إلى أن الإسرائيليين عموما يعزون هذا الغضب الدولي إلى معاداة السامية بدلا من كونه مظلمة حقوقية مشروعة. لكن العزلة المتزايدة باتت تُقلق الشارع الذي يخشى مواجهة ما وصفه رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك بـ”تسونامي دبلوماسي”.
ويرجح الباحث الإسرائيلي في مقاله أن يحظى نهج آيزنكوت بتأييد المزيد من الشركاء الدوليين “على الأقل لفترة من الوقت”، بفضل خطابه المباشر وتعهده بوقف أو إبطاء مشروعات استيطانية خلافية مثل مخطط “إي1” الواقع شرق القدس بين المدينة ومستوطنة معاليه أدوميم، إضافة إلى تعهده بالتصدي لعنف المستوطنين وإزالة البؤر الاستيطانية غير المرخصة.
لكن هذه الهدنة ما تلبث -في اعتقاد الكاتب- أن تتبدد بمجرد اصطدام الشركاء الغربيين بحدود ائتلافه الحكومي المرتقب الذي يضم شخصيات يمينية متطرفة مثل أفيغدور ليبرمان الذي يرفض القبول بأي تسوية سياسية مع السلطة الفلسطينية.
ما بعد الانتخابات الإسرائيلية
وعند النظر في سيناريوهات اليوم التالي للانتخابات الإسرائيلية، تؤكد هيئة تحرير صحيفة “وول ستريت جورنال” أن استطلاعات الرأي تشير إلى حالة من التعادل السياسي المعقد الذي قد يعجز فيه آيزنكوت عن تشكيل ائتلاف حكومي مستقر حتى لو حصد حزبه “يشار” الصدارة، وذلك بسبب ميول الناخب الإسرائيلي اليمينية الأشد تطرفا.
تكشف تقارير الصحف المذكورة أن المحصلة النهائية تتمثل في أن أي تغيير تفرزه الانتخابات في رأس السلطة الإسرائيلية لن يُحدث تحولا إستراتيجيا في توجهاتها.
وسواء أفضت صناديق الاقتراع إلى حكومة أغلبية يرأسها نتنياهو، أو حكومة وحدة وطنية، أو ائتلاف يقوده آيزنكوت بدعم من الأحزاب العربية، فإن ألوف بن يرجح استمرار إسرائيل في احتلال أراضٍ خارج حدودها، وقمع الفلسطينيين، والاعتماد على القوة العسكرية.

