المسار : على عكس ما يجري في بقية أنحاء العالم، حيث تتصدر الأخبار الاقتصادية مؤشرات الأسهم والسندات، وأسعار العملات، وأحدث الاختراعات في عالم السيارات والصناعات والتكنولوجيا، يعيش المواطن الفلسطيني واقعًا مختلفًا تمامًا؛ واقعًا فرضه الاحتلال الإسرائيلي، حتى باتت أولوياته اليومية تختصر في انتظار الراتب، ومعرفة الطرق المفتوحة، والبحث عن الوقود.
في فلسطين، لم يعد خبر الراتب مجرد خبر اقتصادي، بل أصبح خبرًا عاجلًا يتابعه الموظف بشغف وقلق. ينتظر المواطن معرفة موعد صرف راتبه، وكيف سيصل إليه، وهل ستتمكن الحكومة من دفعه كاملًا أم مجزأً، وهل سيأتي عبر سكة الحديد أم بطائرة أم بسيارة أم بشاحنة أم بصهريج وقود أو حتى بصهريج لنضح المياه! إنها مفارقة مؤلمة تختصر حجم الأزمة التي يعيشها شعب بات ينتظر حقه في الراتب وكأنه ينتظر حدثًا استثنائيًا.
أما الطرق والمواصلات في الضفة الغربية، فقد تحولت إلى مادة إخبارية يومية لا تقل أهمية عن الأخبار السياسية. يتابع المواطن منصات التواصل الاجتماعي والمجموعات الإخبارية لمعرفة الحواجز العسكرية التي أُغلقت، والطرق التي فُتحت، والبوابات التي أُقيمت، والمسارات التي يمكنه سلوكها للوصول إلى عمله أو منزله أو المستشفى. لم يعد السؤال: كم تستغرق الرحلة؟ بل أصبح: هل نستطيع الوصول أصلًا؟
وإذا أراد المواطن الفلسطيني التزود بالوقود، فإنه يبدأ رحلة أخرى من الاتصالات والسؤال والاستفسار: أي محطة وقود تعمل؟ وأين يتوفر السولار؟ وأي محطة ما زالت تبيع البنزين؟ وهكذا تتحول أبسط متطلبات الحياة إلى مهمة تحتاج إلى معلومات واتصالات وتخطيط مسبق، في وقت يتعامل فيه المواطنون في دول أخرى مع محطات الوقود باعتبارها خدمة متاحة، لا قضية تستحوذ على يومهم واهتماماتهم.
وتأتي منصة «يبوس» لتضيف فصلًا آخر إلى هذه المفارقات الاقتصادية. فبدلًا من أن يكون الراتب متاحًا للموظف ليقرر بنفسه كيفية إنفاقه، يجد بعض الموظفين العموميين والمتقاعدين أنفسهم أمام ترتيبات تتيح تسديد جزء من التزاماتهم، مثل فواتير الاتصالات والكهرباء والمياه وغيرها، في حدود مبالغ تقارب 500 شيكل، أي نحو 170 دولارًا، وفقًا للترتيبات المعمول بها. وهنا يبرز السؤال: هل أصبح تدبير الحد الأدنى من الالتزامات المعيشية بديلًا عن حصول الموظف على مستحقاته المالية كاملة وفي موعدها؟
إن القضية ليست في وجود منصة إلكترونية لتسديد الفواتير، فالتكنولوجيا يمكن أن تكون وسيلة مفيدة لتسهيل حياة المواطنين، وإنما في الظروف التي تجعل مثل هذه الحلول جزءًا من معركة البقاء اليومية، بدلًا من أن تكون خدمات إضافية في حياة اقتصادية مستقرة.
إنها المفارقة الفلسطينية الكبرى: في العالم، يتابع الناس أخبار ارتفاع الأسهم وانخفاضها، ويتنافسون على اكتشافات التكنولوجيا ومستقبل الصناعات والطاقة؛ أما في فلسطين، فينتظر المواطن خبر الراتب، ويتابع حركة الحواجز، ويسأل عن محطة وقود، ويبحث عن طريق آمن ومفتوح.
فكيف يمكن لاقتصاد أن ينمو، ومواطن أن يخطط لمستقبله، فيما تتحول حقوقه المالية إلى أخبار منتظرة، وطرق تنقله إلى نشرات طوارئ، واحتياجاته الأساسية إلى موضوع دائم على منصات التواصل الاجتماعي؟
إن الاحتلال لا يقيّد حركة الفلسطيني على الأرض فحسب، بل يفرض بآثاره السياسية والاقتصادية والأمنية إيقاعًا مختلفًا للحياة، ويجعل تفاصيلها اليومية مادة للأخبار العاجلة. لكن ذلك لا يعفي الجهات الفلسطينية المسؤولة من واجبها في الشفافية، وتوضيح الأزمات المالية، وحماية حقوق الموظفين والمزارعين وسائر المواطنين، والبحث عن حلول تتجاوز إدارة الأزمة من شهر إلى آخر.
ويبقى السؤال الأهم: أيُّ أخبار يتابعها الفلسطيني، وأيُّ أخبار يتابعها العالم؟ وهل من الطبيعي أن يصبح الراتب حدثًا استثنائيًا، والطريق المفتوح خبرًا سارًا، وتوفر الوقود إنجازًا يوميًا؟ أم أن هذه المفارقة الصارخة تستدعي مراجعة الواقع الذي نعيشه، ومساءلة أسبابه، والعمل على استعادة حق المواطن في حياة طبيعية لا تحكمها أخبار الانتظار والقلق.

