كتب تيسير الزبري : الحال الفلسطيني… بانتظار المجهول؟!

المسار : لم تمرّ الحالة السياسية الفلسطينية، في تاريخها المعاصر، بمثل ما تمرّ به اليوم من تدهور سياسي واجتماعي واقتصادي. إنها حالة استثنائية، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، تعكس أزمة قيادة وشرعية، وانسدادًا في الأفق الوطني، وغيابًا للرؤية التي يمكن أن تقود شعبنا نحو الخلاص من أزماته المتراكمة.

لا أكتب هنا مراجعة تاريخية طويلة، بل أتوقف عند المحطة السياسية الأخيرة، وتحديدًا ما رافق الإعلان عن انتخابات المجلس الوطني والمجلس التشريعي، وما انتهى إليه المشهد من إلغاء وتأجيل، في مسرحية سياسية باتت نتائجها معروفة قبل إسدال الستار عليها.

الإعلان عن الانتخابات في نهاية تشرين الثاني المقبل، ثم إلغاؤها تحت مسمى التأجيل إلى تشرين الأول من العام القادم، لم يكن مفاجئًا. فقد سبقت ذلك تسريبات من بعض المسؤولين تتحدث عن استحالة إجراء الانتخابات بسبب أوضاع القدس وقطاع غزة، وكأن هذه الظروف طارئة أو اكتُشفت بالأمس، وكأن شعبنا لم يخض معاركه السياسية والانتخابية في ظل الاحتلال طوال العقود الماضية.

والأكثر إثارة للاستغراب أن لجنة الانتخابات تحدثت عن إمكان إيجاد آليات تتيح لأهلنا ممارسة حقهم الانتخابي رغم العقبات القائمة. فلماذا جرى القفز عن هذه الإمكانات؟ ولماذا تحوّلت العقبات إلى ذريعة لتعطيل استحقاق ديمقراطي ينتظره الفلسطينيون؟

لقد جاءت الهدية السياسية الكبرى إلى حضن الرئيس من أولئك الذين طالبوا بتأجيل الانتخابات تحت عنوان إجراء حوار وطني. وفي تقديري، فإن هذا الحوار، الذي يشبه حوار الطرشان، جرى اختباره عشرات المرات، وكانت حصيلته الفشل والتراجع وإعادة إنتاج الأزمة ذاتها.

أما الحوار الأخير، وما رافقه من شروط يتمسك بها الرئيس، فلا يبدو أنه يحمل ما يبرر التفاؤل. فحين تبقى الشروط على حالها، وتُدار الحوارات بالعقلية ذاتها، لا يمكن انتظار نتائج مختلفة. إن تكرار التجربة الفاشلة لا يصنع توافقًا وطنيًا، بل يمنح أصحاب القرار مزيدًا من الوقت لتعليق الاستحقاقات والهروب من مواجهة الأزمة.

إن أخطر ما في تأجيل الانتخابات ليس تأجيل موعدها فحسب، بل تكريس مبدأ أن إرادة الشعب يمكن تعليقها بقرار سياسي، وأن المؤسسات الوطنية يمكن أن تبقى رهينة حسابات القيادة ومصالحها.

وعلى الصعيد الداخلي، أصيبت الكتل التي تقدمت بقوائمها إلى لجنة الانتخابات، وتلك التي كانت تستعد لتقديم قوائمها، بالصدمة من تكرار الإلغاء والتأجيل. فماذا يُقال للمرشحين الذين استعدوا، وللناس الذين انتظروا فرصة التعبير عن إرادتهم، وللقوى التي بنت برامجها على أساس استحقاق انتخابي جرى الإعلان عنه ثم التراجع عنه؟

هل يُطلب من الجميع الانتظار مجددًا، إلى موعد جديد قد يلحق بسابقيه؟ وإلى متى يبقى المواطن الفلسطيني أسير الوعود والتأجيلات، فيما تتفاقم أزماته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتتسع الفجوة بينه وبين مؤسساته؟

إن المسؤولية الوطنية تفرض على القوى السياسية، والهيئات الحقوقية، ولجان الرقابة على الانتخابات، والمنظمات الأهلية، أن تجتمع لمناقشة المصير الوطني، وأن تتجاوز الحسابات الفئوية، وأن تتخذ موقفًا مسؤولًا وشجاعًا من العبث المتواصل بحقوق الناس ومصالحهم.

فالصمت أمام هذا الواقع لا يمكن أن يُفسَّر باعتباره حكمة سياسية، كما أن الاكتفاء ببيانات الاستنكار لم يعد كافيًا. المطلوب موقف وطني موحد يضع حدًا لتعطيل الحياة الديمقراطية، ويطالب بضمانات واضحة لإجراء الانتخابات، ويمنع تحويل التأجيل إلى سياسة دائمة للهروب من استحقاقات الشعب.

ولا يقتصر التلاعب بالمصير الوطني على الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ ففلسطينيو الشتات هم أيضًا ضحايا أزمة التمثيل والشرعية. وما يجري بشأن حقهم في التعبير عن مواقفهم والمشاركة في اختيار ممثليهم يثير أسئلة خطيرة حول مستقبل منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها.

أما ما يُسمّى «المجاميع الانتخابية»، وما يرافقه من آليات لاختيار أعضاء المجلس الوطني بعيدًا عن انتخابات حقيقية وإرادة شعبية حرة، فإنه يضع شرعية التمثيل الوطني أمام اختبار بالغ الخطورة. فالمجلس الوطني ليس ملكًا لأحد، ولا يجوز أن يتحول إلى مجموعة من المقاعد التي تُرتَّب وفق تفاهمات وحسابات سياسية، بعيدًا عن حق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم.

وأكرر: إن مجلسًا وطنيًا لا يستند إلى إرادة شعبية حقيقية مهدد بفقدان شرعيته التمثيلية، وإن إعادة إنتاج المؤسسات بالطريقة نفسها لن تعالج أزمة النظام السياسي الفلسطيني، بل ستعمّقها.

إننا أمام لحظة وطنية لا تحتمل المزيد من المراوغة. فالقضية الفلسطينية تواجه الاحتلال والاستيطان والتهويد والحصار، فيما يحتاج شعبنا إلى قيادة موحدة ومؤسسات شرعية وبرنامج وطني جامع، لا إلى صراعات داخلية وحوارات تُستهلك فيها الكلمات بينما تتراجع الثقة وتتآكل المؤسسات.

من هنا، لا بد من موقف وطني موحد في وجه كل من يعبث بالمصير الوطني، أيًّا كان موقعه. فالمشكلة ليست في الاحتلال وحده، على خطورة جرائمه وسياساته، بل أيضًا في استمرار تعطيل الإرادة الشعبية من داخل البيت الفلسطيني.

إن الشعب الفلسطيني ليس قاصرًا، وإرادته ليست ملكًا للقيادة، وشرعية المؤسسات لا تُمنح بالتعيين ولا تُصنع بالتفاهمات المغلقة.

فإما أن نذهب نحو إصلاح سياسي حقيقي، وانتخابات حرة وشاملة، وتجديد شرعية المؤسسات على أساس المشاركة الشعبية، وإما أن نبقى أسرى المجهول، ننتظر قرارات جديدة وتأجيلات أخرى، فيما يدفع شعبنا ثمن أزمة لم يعد مقبولًا أن تستمر بلا مساءلة.

فإلى متى يبقى الحال الفلسطيني بانتظار المجهول؟ ومن يملك الجرأة على وقف هذا العبث بالمصير الوطن.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار الإخباري

Share This Article