المسار : حتى لحظة الإعلان عن تأجيلها، كانت الانتخابات التشريعية الفلسطينية مطلبا يحظى بإجماع وطني واسع. غير أن قرار التأجيل، الذي أعلنه الرئيس محمود عباس وحركة فتح، بدعم من ثلاثة فصائل هي حركتا حماس والجهاد والجبهة الشعبية، شكل تحولا لافتا عن هذا التوافق، وطرح تساؤلات جدية حول الأسباب التي دفعت إلى التخلي عن استحقاق طال انتظاره.
وبينما استندت المبررات المعلنة إلى الحاجة لمزيد من الوقت للتحضير للحوار الوطني، فإن هذا السبب لا يكفي وحده لتفسير القرار، بل إن ثمة ما يعزز الاعتقاد بأن هذا المبرر لم يكن سوى ذريعة لتسويغ التأجيل. فمرسوم الدعوة إلى إجراء الانتخابات صدر في تموز 2026، وكان بالإمكان البدء بالتحضير للحوار الوطني منذ ذلك التاريخ، إلا أن هذا لم يحدث.
وبعيدا عن الأسباب الفعلية لتأجيل الانتخابات، فإن تداعيات ذلك لن تتوقف عند حدود التأجيل الإجرائية أو التقنية، بل ستمتد إلى جوهر الحياة السياسية الفلسطينية ومستقبل الصراع. إذ ان تأجيل الانتخابات لمدة عام، استنادا لما قدم من تبريرات، يوحي وكأن الفلسطينيين يمتلكون ترف الوقت والقدرة على إنجاز الاستحقاق الانتخابي متى شاؤوا، متجاهلين تعقيدات الحوار الداخلي، والقيود الإسرائيلية التي تستهدف العملية الانتخابية، سواء في قطاع غزة أو في القدس المحتلة، بما يعكس اختلالا في تقدير طبيعة الصراع وشروطه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل كان التأجيل الخيار الوحيد المتاح، أم أن هناك بدائل سياسية وقانونية كان يمكن اعتمادها للحفاظ على الاستحقاق الديمقراطي؟ ألم يكن ممكنا تحويل العراقيل الإسرائيلية إلى مدخل لتعزيز المواجهة السياسية والشعبية، وتحصين الموقف الفلسطيني، بدلا من تكريس منطق التعطيل؟
إن الإشكالية الأساسية لا تكمن في أهمية الحوار الوطني أو في ضرورة معالجة القيود الإسرائيلية، فهذان أمران لا خلاف على أهميتهما، وإنما في تحويلهما إلى مبررات لتأجيل الانتخابات، بدلا من توظيفهما مدخلا لتعزيز الإرادة الوطنية وتوحيد الموقف الفلسطيني في مواجهة الاحتلال. فالحوار الوطني، على أهميته، لا ينبغي أن يتحول إلى غاية بحد بذاتها، أو إلى بديل دائم عن الاحتكام إلى الشعب، بل أداة لتجاوز الخلافات، وبناء التوافقات الضرورية لضمان إجراء الانتخابات واحترام نتائجها.
أما القيود الإسرائيلية، فلا يمكن النظر إليها باعتبارها عقبات مؤقتة، بل هي جزء من سياسة ممنهجة تستهدف إخضاع الواقع الفلسطيني لشروط الاحتلال. ومن هنا، فإن مواجهة هذه القيود لا ينبغي أن تقود تلقائيا إلى تأجيل الاستحقاقات، لأن ذلك يمنح الاحتلال، قدرة إضافية على التحكم في توقيت الحياة السياسية الفلسطينية ومسارها. وقد كان مطلوبا تحويل التعطيل الإسرائيلي إلى قضية وطنية جامعة، تعزز الموقف الفلسطيني وتوسع دائرة المواجهة السياسية والشعبية.
إن تأجيل الانتخابات لمدة عام لا يعني بالضرورة أن الظروف التي حالت دون إجرائها ستتغير خلال هذه الفترة، ولا أن الحوار الوطني سينتهي إلى توافقات حاسمة، ما لم تتوافر إرادة سياسية حقيقية لمعالجة جذور الأزمة. فالوقت وحده لا ينتج توافقا، كما أن الانتظار لا يشكل استراتيجية سياسية ما لم يقترن بخطة واضحة وأهداف محددة وآليات تنفيذ ملزمة.
ان اعتبارات فصائلية، إلى جانب عوامل إقليمية ودولية، أسهمت في فرض التأجيل، وإن لم تكن جميع المبررات دقيقة أو مقنعة. لكن، بعيدا عن الحسابات الفصائلية، فإن العوامل الأخرى تستحق نقاشا معمقا لفهم مدى تأثيرها الفعلي:
اولا) الانتخابات الاسرائيلية
بغض النظر عن نتائج الانتخابات الإسرائيلية، فلا يتوقع أن يطرأ تغيير جوهري على التعاطي الاستراتيجي الإسرائيلي مع القضية الفلسطينية. فالتجربة الطويلة وطبيعة الإجماع الإسرائيلي حول القضايا الأساسية المرتبطة بالشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية تشير إلى أن التباينات بين القوى السياسية الإسرائيلية لا تعكس بالضرورة اختلافا في الأهداف الاستراتيجية، بقدر ما تعبر عن اختلاف في الأدوات والأساليب المستخدمة لتحقيقها.
ففي حال عودة نتنياهو إلى السلطة، فمن المرجح استمرار السياسات القائمة، بل زيادة توحشها وارهابها، سواء في قطاع غزه، او في الضفة، او في مواصلة استهداف قضية اللاجئين، وتقويض دور «الأونروا». أما وصول قيادة بديلة، مثل غادي آيزنكوت، فلا يعني بالضرورة تحولا جوهريا في الموقف الإسرائيلي، حتى لو اختلفت أساليب إدارة الصراع. فالمعيار الحقيقي لأي تغيير هو مدى الاستعداد لإنهاء الاحتلال والاستجابة للحقوق الوطنية الفلسطينية، وليس مجرد تبدل الأشخاص أو الواجهات السياسية.
ثانيا) الانتخابات الامريكية
الانتخابات النصفية الأميركية، قد تؤدي إلى تغيرات في موازين القوى داخل الولايات المتحدة، وتؤثر في قدرة الإدارة الأميركية على تمرير سياساتها. لكن نتائجها لا تضمن تحولا استراتيجيا في الموقف الأميركي من إسرائيل، إذ تحكم هذا الموقف مصالح واشنطن الاستراتيجية، وطبيعة علاقاتها الإقليمية والدولية، وأولويات سياستها الداخلية. وقد تتيح التحولات الأميركية هامشا أوسع لضغط ما، إلا أن تحويل هذه الفرص إلى مكاسب فلسطينية ملموسة، فهذا حساباته مختلفة ليس من بينها امكانية تغيير جذري في السياسة الامريكية تجاه القضية الفلسطينية..
ثالثا) التحولات الاقليمية
وينطبق الأمر نفسه على التحولات الإقليمية، التي قد تفتح المجال أمام إعادة ترتيب التحالفات أو التوصل إلى تسويات سياسية، لكنها لا تعني بالضرورة أن القضية الفلسطينية ستحتل، في المرحلة الراهنة، موقعا مركزيا في الترتيبات الجديدة. بل ان الخطر يكمن في امكانية التعامل مع القضية باعتبارها ملفا قابلا للتأجيل أو المساومة، أو عقبة أمام استقرار إقليمي تسعى بعض الأطراف إلى تحقيقه من دون معالجة جذور وعناوين الصراع الرئيسية. لذلك، فإن تعليق المستقبل الفلسطيني على نتائج الصراعات والتحولات الخارجية قد يؤدي إلى إهدار الفرص، بل وربما إلى مواجهة واقع أكثر صعوبة.
إن جوهر المشكلة لا يتعلق فقط بطبيعة التحولات الإسرائيلية أو الأميركية أو الإقليمية، وإنما بمدى قدرة الحركة الوطنية الفلسطينية على التعامل معها وتحويلها إلى فرص سياسية تخدم قضيتها الوطنية. لنعيد تكرار الاشكالية الراهنة، بأن هناك ازمة عميقة تعصف بكل الحالة الفلسطينية، وفي قلبها النظام السياسي الفلسطيني، الذي اثبتت التجربة انه عاجز عن مواكبة التحولات المصيرية، ولأجل هذا السبب، وغيره، كان يستوجب الاسراع باجراء الانتخابات، التي كان يفترض انها تشكل مدخلا لمعالجة الاختلالات في النظام السياسي، وتجديد شرعية المؤسسات الفلسطينية..
إن استعادة المبادرة لا تبدأ بانتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية أو الأميركية، ولا بالتعويل على التحولات الإقليمية وحدها، بل بإعادة بناء البيت الفلسطيني، وتجديد شرعية المؤسسات، والاتفاق على الأهداف الوطنية وآليات العمل لتحقيقها. وفي هذا السياق، كان الرهان على الشعب الفلسطيني، من خلال الإصرار على إجراء الانتخابات في موعدها، أحد الخيارات الأكثر جدوى سياسيا ووطنيا.
ولا يعني ذلك أن الانتخابات كانت ستقدم حلولا سحرية للأزمات الفلسطينية، أو أنها كانت ستنهي الانقسام تلقائيا أو تغير موازين القوى مع الاحتلال في وقت قصير. لكنها كانت ستضع القوى السياسية أمام اختبار شعبي واضح، وتمنح المواطنين فرصة لتجديد التفويض السياسي وتحديد اتجاهات المرحلة المقبلة على أساس الإرادة العامة.
إن المطلوب اليوم هو الانتقال من انتظار التحولات الخارجية إلى بناء قدرة وطنية على التأثير فيها. وهذا لا يستلزم تطابق جميع القوى الفلسطينية في رؤيتها السياسية أو إنهاء خلافاتها الفكرية والاستراتيجية دفعة واحدة، بل يتطلب الاتفاق على قواعد وطنية مشتركة تمنع استمرار التدهور، وتحد من الخسائر، وتجعل المصلحة الوطنية مرجعية أساسية للقرار السياسي.
فالمتغيرات الخارجية قد تفتح فرصا، لكنها لا تتحول إلى إنجازات بمجرد حدوثها؛ بل تحتاج إلى قيادة موحدة، ومؤسسات تستند إلى شرعية شعبية متجددة، واستراتيجية وطنية واضحة. ان جوهر التحدي، يكمن في امتلاك القدرة الوطنية على استثمار اللحظة الدولية. فاستعادة المبادرة تبدأ من الداخل الفلسطيني، عبر اعادة الاعتبار للشعب بوصفه مصدر القرار والشرعية، وبناء توافق وطني قابل للتنفيذ. عندها فقط يمكن للمتغيرات الخارجية أن تتحول من رهانات معلقة إلى أدوات فاعلة في خدمة الحقوق الوطنية الفلسطينية.
*27 تشرين الاول 2026*

