كتب أحمد زكي العريدي : الثعلب نتنياهو وفزاعة التمويل الخارجي للأحزاب العربية

المسار : يبدو أن بنيامين نتنياهو، الثعلب السياسي الإسرائيلي ومجرم الحرب، بدأ يبحث عن سيناريوهات جديدة لتبرير إخفاقاته السياسية، فلم يجد أمامه سوى اختراع رواية التمويل الخارجي للأحزاب العربية، والزج بأسماء دول مثل قطر وتركيا وجهات أجنبية أخرى في محاولة لتشويه المشاركة السياسية للعرب الفلسطينيين داخل إسرائيل.

ربما لم تكن الصدمة الكبرى التي عاشها نتنياهو مجرد عجزه عن تشكيل حكومة تحظى بـ53 مقعداً، وإنما كانت الصدمة الحقيقية في استنهاض الجماهير العربية الفلسطينية داخل أراضي عام 1948، وحصول القوائم العربية على 19 مقعداً من أصل 120 مقعداً في الكنيست، وفق الأرقام المطروحة في المشهد الانتخابي.

هذا الاستنهاض لم يأتِ من فراغ، بل كان ردة فعل على سنوات طويلة من التمييز العنصري والتحريض والكراهية التي مارستها الأحزاب اليمينية الإسرائيلية ضد المواطنين العرب. لقد اكتشف نتنياهو مجدداً أن الجماهير العربية، رغم كل محاولات التهميش والإقصاء، ما زالت قادرة على التأثير في المعادلة السياسية الإسرائيلية.

وربما كان ديفيد بن غوريون، مؤسس دولة إسرائيل، قد أدرك مبكراً أن بقاء المواطنين الفلسطينيين داخل أراضي عام 1948 سيشكل تحدياً دائماً للمشروع الصهيوني. فقد بقي هؤلاء الفلسطينيون، رغم النكبة وسياسات التمييز، شوكة في حلق الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وفي مقدمتها حكومة نتنياهو.

نتنياهو يكتب السيناريو والشاباك يتولى التنفيذ؟

إن ما يثير التساؤلات هو الحديث عن تحركات واتصالات بين نتنياهو ورئيس جهاز الشاباك، وما تردد عن معلومات تتعلق بوجود تمويلات خارجية للأحزاب العربية. كما أن التواصل مع رئيس لجنة الانتخابات المركزية يفتح الباب أمام تساؤلات سياسية جدية حول توقيت هذه التحركات وأهدافها.

هل نحن أمام معلومات أمنية حقيقية تستند إلى أدلة قابلة للفحص، أم أمام محاولة سياسية لصناعة قضية انتخابية جديدة؟

إن اتهام الأحزاب العربية بتلقي تمويلات أجنبية ليس أمراً عابراً، ولا يجوز تحويله إلى أداة للتحريض دون تقديم الأدلة والوثائق. وإذا كانت هناك شبهات، فلتخضع للتحقيق وفق القانون، بعيداً عن التوظيف السياسي والأمني.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تصبح الأموال الخارجية قضية خطيرة عندما يتعلق الأمر بالأحزاب العربية، بينما لا تحظى علاقات الأحزاب الإسرائيلية ومصادر تمويلها الخارجية بالاهتمام والتحقيق ذاته؟

رشاوى سياسية أم تحالف لإسقاط نتنياهو؟

في المقابل، لا أستبعد أن يتمكن نتنياهو من تشكيل حكومة جديدة عبر تقديم تنازلات سياسية ومناصب وزارية وإغراءات حزبية للقوى التي يمكن أن تنضم إلى معسكره. فالسياسة الإسرائيلية، كما أثبتت تجارب سابقة، لا تقوم دائماً على المبادئ، بل كثيراً ما تحكمها المصالح والمناصب وتقاسم النفوذ.

أما غادي آيزنكوت، فلم يحسم بصورة نهائية مسألة تشكيل حكومة بديلة تعتمد على دعم الأحزاب العربية. وهناك أيضاً نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان، وغيرهما من القوى التي قد تجد مصلحة في إنهاء حقبة نتنياهو السياسية.

لكن هل تستطيع هذه القوى تجاوز الحسابات الصهيونية التقليدية والاعتماد على أصوات النواب العرب لإسقاط نتنياهو؟

هنا تكمن المعضلة الحقيقية. فالصهيونية، سواء كانت دينية أو علمانية، تلتقي عند حدود معينة عندما يتعلق الأمر بالمواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل. وقد تتصارع الأحزاب الإسرائيلية على السلطة، لكنها لا تتخلى بسهولة عن قواعد الإجماع الصهيوني عندما يتعلق الأمر بالموقف من العرب وحقوقهم السياسية والوطنية.

قنبلة صوتية للانتخابات القادمة

أعتقد أن السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس بالضرورة إلغاء الانتخابات أو إسقاط نتائجها، بل صناعة قضية سياسية وأمنية قابلة للاستثمار في أي انتخابات مقبلة.

نتنياهو يريد تحويل المشاركة العربية الواسعة إلى قضية أمنية، وتصوير الأحزاب العربية وكأنها تتحرك بأموال وأوامر خارجية، بدلاً من الاعتراف بأن المواطنين العرب مارسوا حقهم السياسي، وأن ارتفاع تمثيلهم في الكنيست هو نتيجة طبيعية لغضبهم من سياسات التمييز والتحريض.

إنه يحاول زرع الشك في شرعية التمثيل العربي، وشحن الشارع الإسرائيلي ضد الأحزاب والقوائم العربية، واستنهاض قاعدته اليمينية من خلال خطاب التخويف والتحريض.

والأخطر أن تتحول المؤسسات الأمنية الإسرائيلية إلى أدوات في الصراع الحزبي، وأن يجري استخدام المعلومات الاستخبارية، أو ما يقال إنها معلومات استخبارية، لخدمة أهداف انتخابية.

الخلاصة:

نتنياهو لا يخشى الأموال القطرية أو التركية بقدر ما يخشى الصوت العربي الفلسطيني حين يتحول إلى قوة سياسية مؤثرة. إنه يخشى أن يكتشف المجتمع الإسرائيلي أن العرب ليسوا مجرد أقلية يمكن تجاهلها أو إخضاعها، بل قوة انتخابية قادرة على إرباك حسابات اليمين وإعادة رسم موازين القوى.

إن الثعلب نتنياهو ربما يعدّ اليوم قنبلة صوتية جديدة للانتخابات المقبلة، عنوانها التمويل الخارجي والتدخل الأجنبي، لكن الحقيقة التي يحاول الهروب منها هي أن الفلسطينيين داخل أراضي عام 1948 لم يتخلوا عن هويتهم ولا عن حقهم في المشاركة والتأثير.

فهل تكون فزاعة التمويل الخارجي آخر أوراق نتنياهو لاستنهاض اليمين الإسرائيلي، أم بداية معركة سياسية جديدة ضد الصوت العربي الفلسطيني

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظرالمسار

Share This Article