إنه ليس سلام التعايش، بل تعايش تحت سطوة القوة.. وهذا هو الفارق الذي يجب أن يفهمه النظام العربي قبل فوات الأوان
المسار : إذا كانت معظم الأحزاب الإسرائيلية، وفي مقدمتها حزب بنيامين نتنياهو وأحزاب اليمين المتطرف، تتحدث عن التطبيع مع الدول العربية وإقامة علاقات سلام مع المحيط العربي، فمن حقنا أن نطرح سؤالاً جوهرياً: أي سلام تريده إسرائيل؟ ومع أي عرب تريد أن تتعايش؟
المفارقة الصارخة أن إسرائيل التي تسعى إلى توسيع دائرة التطبيع العربي، لا تبدو مستعدة حتى للتعايش مع المواطنين الفلسطينيين داخل أراضي عام 1948، الذين يزيد عددهم على مليوني فلسطيني، ويشكلون جزءاً أصيلاً من المجتمع الذي تدّعي إسرائيل أنه ديمقراطي.
لقد كشفت الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة حجم هذا التناقض، حين تحولت المشاركة السياسية العربية وارتفاع تمثيل الأحزاب العربية إلى مصدر قلق واستفزاز للأحزاب الصهيونية، من نتنياهو إلى بن غفير وسموتريتش، مروراً بأطراف أخرى في المعسكرين اليميني والعلماني.
ولم يتوقف الأمر عند التحريض على الأحزاب العربية، بل امتد إلى محاولة منع تشكيل حكومة برئاسة غادي آيزنكوت، حتى في حال حصوله على دعم أو شبكة أمان برلمانية عربية. وكأن مشاركة المواطنين العرب في الحياة السياسية الإسرائيلية جريمة لا يجوز التسامح معها، رغم أنهم يمارسون حقاً سياسياً تكفله القواعد الديمقراطية التي تتغنى بها إسرائيل.
فإذا كان حصول الأحزاب العربية على 19 مقعداً من أصل 120 في الكنيست يثير كل هذا الغضب والتحريض، فكيف يمكن لإسرائيل أن تقنع العالم العربي بأنها تريد التعايش معه؟ وكيف يمكن لدولة لا تتقبل شراكة مواطنيها العرب في مؤسساتها السياسية أن تقدم نفسها شريكاً موثوقاً لدول المنطقة؟
إن المسألة هنا لا تتعلق بعدد المقاعد وحده، بل بالعقلية السياسية التي تنظر إلى العربي باعتباره مقبولاً حين يكون ضعيفاً أو تابعاً، ومرفوضاً حين يطالب بالمساواة أو يمارس حقه في التأثير وصناعة القرار.
وهنا ينبغي على النظام العربي، وخاصة الدول التي وقعت اتفاقيات سلام أو دخلت في مسارات التطبيع مع إسرائيل، أن يعيد النظر في طبيعة هذا المشروع الإسرائيلي. فهل نحن أمام دولة تريد سلاماً قائماً على الاحترام المتبادل والحقوق والشراكة، أم أمام دولة تريد علاقات إقليمية تضمن لها التفوق والهيمنة وفرض إرادتها على الآخرين؟
إن إسرائيل، وفق ما تكشفه مواقف أحزابها وسياساتها، تريد من العرب أن يتعايشوا معها وفق شروطها، لا وفق قواعد الشراكة المتكافئة. تريد علاقات اقتصادية وسياسية وأمنية، لكنها لا تريد بالضرورة الاعتراف بحقوق الآخرين أو قبولهم شركاء متساوين.
وهنا تكمن الحقيقة التي يجب ألا يغفل عنها العرب: إسرائيل لا تقدم نموذجاً لسلام الشراكة، بل تسعى إلى تكريس سلام القوة.
فالتعايش الذي يقوم على التهديد والوعيد واستعراض القوة وإخضاع الآخرين ليس سلاماً، بل حالة من فرض الأمر الواقع. والسلام الحقيقي لا يبدأ من العواصم العربية وحدها، بل يبدأ من الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، ومن قبول الفلسطينيين شركاء متساوين في وطنهم، ومن إنهاء الاحتلال وسياسات التمييز والإقصاء.
وعلى الدول العربية أن تدرك أن من لا يقبل شريكه داخل بيته السياسي، لن يكون بالضرورة شريكاً عادلاً مع جيرانه.
إنه ليس سلام التعايش، بل تعايش تحت سطوة القوة.. وهذا هو الفارق الذي يجب أن يفهمه النظام العربي قبل فوات الأوان

